العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الهجرة المباركة.. والتخطيط الاستراتيجي في فكر النبي(1/2)

بقلم: د. أحمد علي سليمان *

الجمعة ١٤ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



لقد كانت هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين من مكة إلى المدينة حدثا تاريخيا ومحوريا، ومنعطفا مهما في تاريخ الإسلام، بل كانت حدثا فارقا في تاريخ الإنسانية كلها.. ولم تكن الهجرة أبدا تغييرا في الموقف وإنما كانت تغييرا في الموقع، بعد أن أسرفت قريش في تعذيب من دخل الإسلام، وأصرت أيما إصرار على قتل النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ للحيلولة بينه وبين ما يدعو إليه.. فكانت الهجرة الشريفة نهاية لعهد تعرض فيه المسلمون لأشد أصناف الأذى، ومع ذلك ما ضعفوا وما استكانوا.. ولما أذن الله بالهجرة كانت بداية لانتشار النور في شتى الآفاق.
ولنعرض بعضا مما ذاقه النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون من ألوان الأذى من جانب المشركين؛ لنستلهم أغلى دروس الصبر والثبات والثقة واليقين في نصر الله ومساندته -عما نعانيه من صدمات في هذه الأيام- علّ هذه الدروس أن تكون عونا لنا في حياتنا لمواجهة المحن والشدائد التي نتعرض لها بصبر وثبات وثقة في الله..
بعد أن نزل الوحي على الرسول عليه الصلاة السلام ظلت الدعوة سرًّا لمدة ثلاثة أعوام، كان يدعو فيها الأهل والأصحاب والأصدقاء.. وكان من آمن منهم يؤدون الشعائر في الشعاب، وبين الجبال، فرآهم المشركون وهم يصلون ويقرؤون القرآن، فأمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يصلوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم.. وبدأت الدعوة تتطور وازداد عدد المسلمين.
ولما صدع الرسول بالدعوة وجهر بها حاول المشركون صده بكل السبل والوسائل فلم يفلحوا.. ولما أيقنوا أن أبا طالب لن يخذل ابن أخيه، قرروا أن يصبوا العذاب صبًّا على من آمن برسالته، بيد أنهم لم ينجحوا في إعاقة الدعوة الإسلامية.. وأرسلوا الوليد بن المغيرة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ليعرض عليه عروضًا مغرية علّه يترك ما يدعو إليه، فتلا عليه النبي عليه السلام بعضًا من آي القرآن، فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ألا يكمل. وعاد إلى قومه بوجه غير الذي ذهب به.. رجع مأخوذًا بروعة القرآن وجلال القرآن. وقال في القرآن كلماته المشهورة التي خلدها التاريخ.. قال: «سمعت منه كلامًا ليس من كلام الجن ولا من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه».. حينها اتهموه بالضعف أمام سحر محمد..
وفي هذه الأجواء عذبوا من آمن عذابا شديدا، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن فيها مَلِكًا لا يُظلم أحد عنده. ثم انطلقت الجاهلية المسعورة في تعذيب المؤمنين، وقرروا مقاطعة بني هاشم وبني المطلب -من آمن منهم بمحمد ومن لم يؤمن- مقاطعة شاملة، وعلقوا هذا القرار في صحيفة في جوف الكعبة سنة سبع من المبعث.. فقاسوا خلالها الفقر والفاقة والحرمان..
ثم تتابع الأحداث ويموت أبو طالب (نصير النبي الخارجي) في السنة العاشرة من المبعث، وبعدها بثلاثة أيام ماتت السيدة خديجة (نصيرته الداخلية)، فحزن النبي (صلى الله عليه وسلم) حزنًا شديدًا، فسُمي هذا العام بعام الحزن.. بعدها اشتد إيذاء قريش للرسول، حتى ألقى بعضهم التراب، وسلى الشاة –مخلفات ذبحها- على رأسه الشريف عليه السلام وهو يصلى.. حينها قرر الخروج إلى الطائف، وهو غير عابئ بمشاق السفر وويلاته، علّه يجد هناك نصراء للدعوة إلى الله، فما كان منهم إلا أن سخروا منه أيما سخرية، وأمروا سفهاءهم وعبيدهم ليسبونه ويلقونه بالحجارة، واتبعوه فدخل بستانًا، فانصرفوا عنه وقد أدموه وأرهقوه.. ومن شدة حنق المشركين عليه لم يستطع دخول مكة بعد تركه الطائف إلا في جوار المطعم بن عدي، وكان هذا الجوار حينئذ ضروريا.. وفي هذه الأثناء فاجأ النبي عليه السلام، قريشا بحادث الإسراء والمعراج، فاشتدت في إيذائها له ولمن معه، ولم يزده ذلك إلا ثباتا ويقينا.. لم يقنط ولم ييأس من روح الله.. بل دخل في هذه الحرب الضروس بهمة وقوة ونشاط، وهو يقود معركة الحق ضد الباطل..
وكان يدعو القبائل في موسم الحج، إلا أنه كان يقابل بالإعراض.. ومع ذلك لم ييأس.. ثم عرض الإسلام على ستة نفر من أهل يثرب من الأنصار (وبالتحديد من الخزرج) وتلا عليهم بعضا من آي القرآن، فاستجابت قلوبهم لنداء الله، وأصبحوا دعاة للدعوة الجديدة في بلادهم.. وفي العام التالي التقى بأناس آخرين من الأنصار فأسلموا وبايعوه وكانوا دعاة للإسلام أيضًا، فكثُر أتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) في يثرب، فلما كان الموسم التالي خرج جماعة من الأنصار للقاء النبي (صلى الله عليه وسلم) مستخفين، وقابلهم النبي ليلا عند العقبة وبايعوه على الإسلام والنصرة وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه..
ولما علم المشركون أن كثيرًا من الأنصار دخلوا في دين الله، وأن محمدًا أمر أصحابه بالهجرة إليها، جن جنونهم وأصابهم الهوس، وسقطوا في غياهب التيه والتخبط.. لأنهم يعلمون علم اليقين ذكاء محمد العظيم وتخطيطه المحكم، ويعلمون مكانته السامقة عند أصحابه، وأنهم يحبونه ويسيرون على دربه.. كما كانت قريش تعلم جوانب الخير في الأوس والخزرج، وأنهم أهل حرب ويجيدون النـزال، وبالتالي سيكونون الركيزة الأساسية والحصن الحصين لمحمد ولدعوته بعد دخولهم جميعًا في دينه، وأن يثرب (المدينة المنورة فيما بعد) تتميز بموقع جغرافي استراتيجي متميز؛ حيث إن طرق التجارة من مكة إلى الشام تمر بالقرب منها، ومن ثمَّ فإن تجارتهم التي تُعدُّ مصدر دخلهم الأساسي مهددة، ذلك أن تجارتهم إلى الشام كانت تقدر في هذه الآونة بربع مليون دينار من الذهب، وكانت قريش تعتقد أن محمدا بعد أن يكثر أتباعه في يثرب سيأتي إليهم في ديارهم ويقتلهم.. حينها اجتمع صناديد قريش للنظر في القضاء على محمد عليه السلام ومن ثم القضاء على شأفة الإسلام من جذورها، فوضعوا خطة شيطانية لقتله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن تقوم لدعوته قائمة، وتفريق دمه بين القبائل حتى لا يستطيع بنو هاشم أن يأخذوا له بثأر.. والعجيب الذي يثير الدهشة والاستغراب أنه رغم إسرافهم في التعذيب والتنكيل وإصرارهم على شركهم وبغيهم وإجرامهم وكبرهم، فإنهم أُخذوا ببلاغة القرآن وروعة تراكيبه وأسلوبه وهم أهل الفصاحة والبيان، حتى أنهم كانوا يخرجون في جوف الليل؛ ليسمعوا آيات الله التي يتلوها محمد، وكان كل منهم لا يخبر أخاه بما يفعله من سماع القرآن ليلا، وفي ليلة من ذات الليالي أبصر بعضهم بعضا وهم يتخفون لسماع القرآن، فدار بينهم حديث ينم عن إعجابهم لهذا القرآن.. ولكن هيهات هيهات.. فقد حالت عصبيتهم وجاهليتهم دون الإيمان.. ولقد كانت حتمية الهجرة إلى يثرب بعد أن أمست مكة بالنسبة لمحمد (صلى الله عليه وسلم) ومن آمن به، بلد الذل والهوان؛ لينعم الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون بمزيد من الاستقرار، لنشر الدعوة العالمية في كل مكان.. وبالهجرة الشريفة انتقلت الدعوة الإسلامية -من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة- نقلة نوعية وفيها ومنها انتشر نور الإسلام في جنبات الدنيا كلها؛ ليبعث الأرواح في الأجساد، ويضخ ينبوع الإيمان في القلوب الميتة، وينير لهم طريق الخير، ويؤسس لهم قواعد الأمن والاستقرار، ويحمي هذا الوجود من التيه والضلال؛ لذلك استحقت الهجرة المباركة أن تكون بداية التأريخ والتقويم للمسلمين.
* عضو مكتب جامعة الأزهر للتميز الدولي






كلمات دالة

aak_news