العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

هل حذف آيات الجهاد في القرآن تمنع الإرهاب؟!

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ١٤ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



تشهد مصر منذ أكثر من قرن حركة يطلق عليها حركة التنوير وقد اهتم فريق فيها بادعاء العلمانية بمفهوم معين ومهاجمة كل ما يتعلق بالدين بزعم أن ذلك هو التنوير. وقد حدثت معارك واسعة على المستوى الفكري خاضها رجال عظام عندما كانت مصر علما بين الأمم ولذلك كان الحوار بين هؤلاء الأعلام تحفة ومائدة ثرية للثقافة والتنوير. وقد راجع جيلي أعداد مجلة الرسالة وصحف العشرينيات والثلاثينيات التي شهدت حوارا راقيا بين كل المعسكرات الفكرية التي كانت تقرأ في أصول الفكر وكانت تستند إلى أرضية صلبة في مناخ يشجع على اكتساب العلم والنهل من مصادر الثقافة ولم يختصر أحد الطريق ويغلق باب الحوار كما يحدث لقطاع الطرق في هذا الزمان الذي نعيشه فيسارع إلى تكفير الآخر دينيا أو سياسيًّا، والذي يسارع في التكفير هو شخص خالي الوفاض بادي الرأي ضحل الثقافة عيي في حجته لجوج في عداوته وشططه.
فعندما خرج علينا الدكتور طه حسين بكتابه في الشعر الجاهلي عام 1926 كان رد الفعل في المجتمع يتسم برحابة الصدر وأحيل في هذا إلى مقدمة العلامة محمود شاكر الذي تعرض فيها لهذا الموضوع بالتفصيل في سلاسة فكرية وهو يقدم للطبعة الأولى عام 1946 لكتاب مالك بن نبي حول الظاهرة القرآنية مما يعرفه المتخصصون في هذا الباب الذين يقدرون الفكر الراقي واللغة الجذلة التي تحمل هذا الفكر برشاقة ورصانة إلى المتلقي فنشأت أجيال في العالم العربي على هذه الثقافة الرفيعة التي تنبعث من مصر الحقيقية، قبل أن تنحدر بالنظام الجمهوري.
في الأسبوع الأخير من يوليو 2016 جدد الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق ومن رواد حركة التنوير بمفهومهم دعوته «التنويرية» بأن يتم حذف آيات الجهاد في القرآن الكريم من المقررات الدراسية لطلبة بعض الصفوف في مصر أسوة بما فعل المغرب منذ أيام وقد تصدى له عدد من شيوخ الأزهر بينما أيده عدد آخر ببعض الشروح والتفسيرات، ولكن لم يقم حوار فكري علمي حول هذه القضايا التي يجب في نظري أن تناقش بصراحة مطلقة. إنني أعتقد أن مصر ليس فيها ليبراليون ولا علمانيون وإنما فيها من يزعمون أنهم كذلك ربما للادعاء بتميزهم وربما لتزيين أنفسهم عند بعض الجهات والدوائر الغربية، ولكن شتان بين العلمانية والليبرالية في أوروبا وبينهما في مصر والعالم العربي وهما مفهومان مرتبطان ارتباطا وثيقا بالحرية وخصوصا حرية الاعتقاد. ولا أظن أن المجال يسمح الآن بالمقارنة بين حرية الاعتقاد في الليبرالية الغربية ناهيك عن شبيهتها المزيفة في مصر وبين حرية الاعتقاد في الإسلام، كما أن السياق لا يسمح بتفصيل ما ارتبط بهذه القضايا من دجل وجهل وزيف ولكن يكفي القول إن الله خالق الإنسان خيّره بين الكفر والإيمان وأودع في نفسه الإيمان والفجور في وقت واحد على سبيل الالهام وأعطى الإنسان العقل حتى يختار بين الكفر والإيمان كما لم يجعل وسائط بين الإنسان والخالق وأكد الله سبحانه على أن الإنسان الذي يعلم الله ما توسوس به نفسه يستطيع أن يلتقي بالله في دنياه في أي وقت، فلا وساطة بين الإنسان والخالق بل إن الرسل والأنبياء لم تزد رسالتهم على البلاغ، وعلى الله من ناحية أخرى الهداية والحساب. في هذه الظروف الملتبسة التي مرت بها مصر طوال أكثر من قرن من الزمان تاهت هذه الحقائق وظهر وسطاء سواء من بعض المشايخ والطرق أو من بعض الجماعات الدينية التي خلطت بين الدعوة وبين الهداية فالدعوة جزء من الدين وأما الهداية فقرار من الله سبحانه لمن شاء من عباده. وحتى الكفر والإلحاد قرار شخصي مادام الإنسان سيحاسب على عمله ولكن الكفر والإلحاد لا يمكن التوصل إليهما عن طريق العقل كما أن الله يستر من يصاب بهذه المصيبة فجعل القلب وعاء الإيمان والكفر لا يطلع عليه أحد وهي علاقة رأسية خالصة بين الله وخلقه فلا يجوز أن يخرج الملحد إلى مجتمع مؤمن ويطالب بحرية العقيدة لأن حرية العقيدة في هذه الحالة ليست حرية الكفر مع المجتمع ونشره وإنما الكفر قرار شخصي مع الله وقد قبل الله أن يكفر به عبده فلا دخل لأحد في هذه المساحة الحساسة كما أن تعطيل العقل لأي سبب هو عقبة بين الإنسان وبين إدراك الله، ولذلك لا يجوز لأحد في أي حوار -نرى الوقت قد حان لفتحه- أن يدعي أن التقدم والعلمانية والليبرالية هي الهجوم على الدين والإساءة إلى المتدينين وانتهاك حرية الآخرين في اعتناق الإيمان. فإذا منح الله الإنسان الحق في الكفر فقد منحه أيضا الحق في الإيمان وهذا قرار شخصي للإنسان في علاقته بالله وأما علاقة الإنسان بالمجتمع فإن المجتمع هو الذي يحدد له ضوابط التعبير عن هذا المعتقد، ولذلك نصت جميع دساتير العالم على أن حرية الاعتقاد مطلقة ولكن حرية ممارسة هذا الاعتقاد وممارسة العبادة أي طقوس الدين يجب أن يسمح بها المجتمع لأنها تخرج عن دائرة الخصوصية في علاقة الإنسان بالخالق وتخرج إلى العمومية وهي المجتمع.
واقتراح الدكتور جابر عصفور بحذف آيات الجهاد من المقررات الدراسية يجب أن يفهم على أساس أن الأطفال في المرحلة الإعدادية يدرسون ما يقرره خبراء التعليم عليهم، فلا أظن أنهم يفهمون شيئا من هذه الآيات، كما أن أفهامهم لا ترقى إلى مستوى شرح الظروف التاريخية وأسباب النزول وغيرها من علوم القرآن التي يتم استحضارها عادة لفهم هذه الآيات ولكني أذكر الدكتور عصفور-من دون الدخول في تفاصيل مستعد لها في كل وقت- أن آيات الجهاد جميعا بل آيات القرآن وسوره تحظر العدوان وتقدس النفس البشرية تقديسا لا أظن أنه يخفى على مثله كما أنها تقدس حق المقاومة ضد كل عدوان وخاصة العدوان على الحرية بالضوابط التي شرحنها.
ثم إن الدكتور عصفور يفترض أن آيات الجهاد هي التي أدت إلى الإرهاب ولكني أؤكد أن الذي يقرأ هذه الآيات ويحرفها هم زعماء العصابات الذين يتاجرون بالدين وليس الأطفال الذين يجندون في هذه المهام الإجرامية وهم يظنون أنهم شهداء. فالأولى أن يهتم خبراء التعليم بتقرير واختيار الآيات التي تناسب عقول التلاميذ وإذا قدموا آيات الجهاد فلا بد أن يقترن ذلك بشروح كافية لها. كما أن الإرهاب سببه الأساسي إرهاب الدولة والظروف الاقتصادية والاجتماعية وامتهان القانون وغياب العدالة واستشراء الفساد والاستبداد حيث يتوقع من هؤلاء الليبراليين أن يتصدوا له وخاصة أن دعوته فسرت على أنها تؤدي إلى حذف آيات الجهاد من القرآن الكريم وهو أول من يعلم أن هذا مستحيل لأن الله تعهد بحفظ هذا الكتاب في مواجهة كل من أراد به شرا وخاصة من مدعي الليبرالية والعلمانيين الجدد الذين أساؤوا فهم المعاني أو الذين اتشحوا بهذه المصطلحات البراقة حتى يبثوا سمومهم ضد هذا الدين القيم الباقي رغم أنفنا جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأرجو أن يفهم الجميع أن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني دعوة نبيلة لا يمكن أن تفسر على أنها تجرؤ على هذا الدين، بصرف النظر عن النوايا.






كلمات دالة

aak_news