العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

التربية الحضارية في الآيات القرآنية.. (14) الوحدة الإنسانية

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١٤ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



لقد كان الإسلام سباقًا إلى الوحدة الإنسانية والقرية العالمية حيث زخرت الآيات القرآنية بوضع الأساس لهذه الوحدة الإنسانية.
وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع أهم أسس توثيق الوحدة الإنسانية فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى ألا هل بلغت اللهم اشهد) (انظر السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي، دار القلم، دمشق: سوريا، د.ط، ص: 389، 2001م).
وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (الحجرات: 13)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي ولا أعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود إلاّ بالتقوى) (رواه أحمد).
ولذلك تتأكد التربية الحضارية الإنسانية وينتفي التمييز العنصري، وتتفتح أبواب الوحدة الإنسانية البعيدة عن التعصب للجنس أو اللون، أو العصبية الجاهلية، وبذلك تُزال الحواجز الجنسية واللونية واللغوية بين العباد وتوثق بينهم الوحدة الإنسانية (المجتمع المسلم كما بينه الإسلام في الكتاب والسنة، محمد علي الهاشمي، دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت: لبنان، ط/1، ص: 234، 2002م).
جاء الإسلام متممًا للدين وخاتمًا للشرائع السماوية وبعث الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة بشيرًا ونذيرًا ورحمة، فقال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)
وأعلن الإسلام أن الناس جميعًا خلقوا من نفس واحدة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا) (النساء: 1)، وهذا الأصل البشري الواحد يعطي كل أفراد هذه الأسرة الإنسانية الواحدة حقوق الكرامة الإنسانية الواحدة دون استثناء أو تمييز كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).
ثم جعل الله تعالى اختلاف البشرية في ألوانها وأجناسها ولغاتها آية من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (الروم: 22).
وجعل الله سبحانه وتعالى هذه الاختلافات سبيلاً إلى تعارف البشرية وتكاملها وتعاونها وتلاقيها على الخير كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (الحجرات: 13)، فالناس عند الله سواسية من حيث بشريتهم الفطرية ولكنهم يتمايزون عنده بدينهم المُكتسب وتقواهم واستقامتهم وعملهم الصالح (الحوار الإسلامي المسيحي، بسام داود عجك، ص: 33).
ونظمت الآيات القرآنية العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وهذه العلاقة قائمة على أمر عظيم من العدل، الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه – وإنما ترتقي تلك العلاقة إلى مرحلة الإحسان – وهو الزيادة على الحق – قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)، ولقد قدمت الآية لفظ البر، الذي يعني فعل كل الخير من أي ضرب كان، على لفظ القسط الذي يعني العدل، وهذه إشارة رائعة من الآية الكريمة إلى كيفية معاملة غير المسلمين، في حالة السَّلْم وفي الوطن الواحد، إنها علاقة قائمة على البر والإحسان وهو فوق العدل وفوق إعطاء الحقوق (المرجع السابق: ص: 37).
والحقوق المقررة لغير المسلمين في الآية السابقة هي نفس الحقوق المقررة في القرآن الكريم للوالدين والمسلمين من البر والقسط قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (البقرة: 83) وقال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).
فلنتصور أننا نعيش في وطن واحد مع طائفة من غير المسلمين، وقد أوجب الله على المسلمين أن يبروهم ويقسطوا إليهم لقوله تعالى: (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: 8).
وجعل الله تعالى ذلك طريقًا لطاعته ومحبته، هذا ميزان فوق ميزان الحقوق الإنسانية وفوق ميزان العدل، إنه ميزان البر ومحبة الله، وهذه أفضل علاقة يمكن أن تقام بين فردين مختلفين، وطائفتين مختلفتين في العقيدة والشريعة والدين، إنها علاقة تخطت في حُسنها وروعتها كل القوانين البشرية، في الوحدة الوطنية والتعايش السلمي والمعاملة الإنسانية. (آيات قرآنية في الوحدة الإنسانية، نظمي خليل أبو العطا موسى، مطبعة السلام، ط/1، ص: 21، 2012م).
العدل المطلق هو العدل مع الجميع وفي كل الظروف وكل الأوقات، وقد قَعّد القرآن الكريم للعدل المطلق حتى مع من نبغضهم ويبغضوننا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).
قال الشيخ حسنين محمد مخلوف رحمه الله في كلمات القرآن تفسير وبيان:
شهداء بالقسط: شاهدين بالعدل.
لا يجرمنكم: لا يحملنكم أو لا يكسبنكم.
شنآن قوم: بغضكم لهم.
قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) بما أمروا قوموا يلازم إيمانكم بأن تكونوا (قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ) بأن تنشط للقيام (بِالْقِسْطِ) (بالعدل) حركاتكم الظاهرة والباطنة، وأن يكون ذلك القيام لله وحده لا لغرض من الأغراض الدنيوية، وأن تكونوا قاصدين للقسط، العدل، لا الإفراط ولا التفريط، في أقوالكم ولا في أفعالكم. قوموا بذلك على القريب والبعيد، والصديق والعدو والمسلم وغير المسلم (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ) أي: لا يحملنكم (شَنَآنُ قَوْمٍ): أي بغضهم (عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا له، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا عليه، فلو كان كافرًا أو مبتدعًا، فإنه يجب العدل فيه وقبول ما يأتي به من الحق، لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي كلما حرصتم على العدل، واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم فإن تم العدل كملت التقوى: (إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فمجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها صغيرها وكبيرها جزاءً عاجلاً وآجلاً (انتهى).
وهكذا تكون الوحدة الإنسانية والتربية الحضارية الإيمانية، الكيل بمكيال واحد مكيال العدل والقسط، للجميع، وفي كل الأحوال، وهذه قاعدة تحتاج إليها البشرية التي تكيل بمكاييل متعددة متباينة في الموقف الواحد، فالعالم الآن يصوت على قرارات مجلس الأمن تبعًا للمصالح الدنيوية فقط والتكتلات الزائلة ويكفي الإسلام فخرًا هذه الآية السابقة (آيات قرآنية في الوحدة الإنسانية، نظمي خليل أبو العطا موسى، مرجع سابق، ص: 46).






كلمات دالة

aak_news