العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الشيخ عبدالعزيز جاويش
الذي رفض منصب شيخ الإسلام (7)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



كان الشيخ يرحمه الله قد ألقى مجموعة من المحاضرات في دار العلوم وكانت المجموعة الأولى منها بعنوان:
«أثر القرآن في تحرير الفكر البشري»
ولنقرأ ما قاله «جاحظ العصر الحديث» الشيخ عبدالعزيز البشرى -يرحمه الله- عن هذه المحاضرات. يقول الرجل:
بسم الله الرحمن الرحيم
«إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» صدق الله العظيم. إذا قرأت هذه المحاضرات فأخذك العجب, ورجحك الطرب, ووقعت في هذا الباب على فنون من القول لا تصيبها في غيرها, ورأيت كلاما يعلو على سواه من ألوان الكلام فاعلم أن هذا كله لا يتهيأ لكاتب مهما جل قدره وتمت كفايته إلا بهدي القرآن. ولقد كان أول ما بعثت في قراءة هذه المحاضرات من الشعور أن أستاذي جاويش حين اعتمد القول في موضوعه لم يجتمع له اجتماع القالة والكاتبين, ولم يتكلف في تلوين الأدلة ولا تعمل في ترتيب الحجج بل كانت تنضح نفسه بما فيها من الإيمان انتضاحا, ولو كان القرآن يدعو -لا أذن الله- إلى حقن الأفكار والعصف بحرية الآراء أو عرض الأستاذ لمثل ما عرض له اليوم ما انتضح إيمانه بغير ذلك, إنما هو إيمان يتحدث وإنما هو طبع يسيل.
الأستاذ جاويش على جلال محله بسعة العلم وشدة العقل وقوة الفهم وصفاء النفس, أجل محلا بمتانة الإيمان. وما أبدع هذا وأفخر إذا ظاهر أولئك على تمكين كلمة العلم والدين والدعوة إلى كرائم الخلال. وكذلك كان شأن هذا الرجل العظيم من يوم نجم في هذه الحياة: جهاد موصول لا هوادة فيه ولا هدنة، وسعي حثيث إلى تلك الغاية من حيث ينفرج له وجه الطريق, فإذا ملك عليه هذا القطر وثب إلى طلبها في قطر غيره, وهكذا لا يكل ولا يمل ولا يسأم ولا يزهد. وكذلك يطبع الله رجالا لهداية خلقه, على انهم لا مأرب لهم في هذه الدنيا الا أنهم مزدحموا الشعور بأنهم مسؤولون عما يعتريها من مكاره, وأولئك وإن قلوا عددا الا انهم كل شيء في هذا العالم.
وبعد.. فمن ساعة وقعت لي هذه المجموعة الكريمة وأقبلت أتلوها ومهدت نفسي لإرسال كلمة في هذا الموضوع لم يشك ذهني معنى رأيت الأستاذ قد أصابه وجلاه في أحكم نسج وأفخر تعبير. وكذلك قد خرجت منها وأنا لا أجد كلمة واحدة يمكن ان تقال في هذا الباب لم يقلها الأستاذ في قوة وروعة وصفاء بيان.
ولقد عاش الأستاذ جاويش (بك) قوة عاملة للدين والعلم والأخلاق, ولا أحسبه عاش لنفسه يوما واحدا ولا أنقبض عن العلم لأولئك يوما واحدا. فإذا نحن دعونا الله تعالى ان يبسط في عمره ويسبغ عليه الصحة فقد دعونا لأنفسنا ولديننا بدوام العافية. أحياه الله أطيب الحياة وسدد خطاه وأنجح مسعاه..
]عبد العزيز البشرى، مصر في 28 من ذي الحجة 1346 (16 يونيو 1928 )[
أما الأستاذ/ أحمد يوسف نجاتي احد أساتذة البيان والأدب بمدرسة دار العلوم فيقول عن هذه المحاضرات كلمة ضافية نختار منها:
«وممن أفاد المدرسة بمحاضراته ذلكم العالم الجليل والأديب الكبير والنابغة العظيم فضيلة الأستاذ الشيخ عبدالعزيز جاويش (بك) مراقب التعليم الأولي بوزارة المعارف ذلكم العلم الواضح الذي ضم الثقافة الشرقية العربية والثقافة الحديثة الغربية فجمع بين الميزتين, وأنال منهما الحسنيين وعنى منهما باللباب دون القشر, فميز الرشد من الغي وزاده تضلعه في العلوم الحديثة وتمكنه من اللغات الحية الراقية علما إلى علم وإيمانا إلى إيمان, عرف من أسرار الكتاب الكريم والذكر الحكيم ما جهله الذين التبست عليهم سبل المدنية الصحيحة واشتبهت عليهم طرق الحضارة الحقة فأخطأوا القصد وتاهوا عن الحجة فضلوا وأضلوا.
«ومن يضلل الله فماله من هاد». «والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم».
سمح فضيلة الأستاذ مع كثرة أعماله التي يضيق عنها الوسع ولا يتسع لها الذرع أن يلقي بالمدرسة محاضرات جليلة نثرها دررا على السامعين فأحكم الصلة بين العلم والعقل والدين والإيمان, وأماط اللثام عن عجائب تناجى بأسرارها من أحسن فهم القرآن، فله منا الشكر الجزيل والثناء الجميل ونسأل المولى القدير الذي خدم كتابه أن يتولى عنا حسن جزائه.
وتبقى كلمة:
قد ذكرنا من قبل ما قاله الدكتور/ جمال مصطفى النجار (في الحلقة الثانية) حول تفسير الشيخ عبدالعزيز جاويش للقرآن وأنه تابع في تفسيره منهج الشيخ محمد عبده وقد ذكر ما في هذا المنهج من المحاسن ولكنه أبدى بعد التحفظات عليه وهي:
الحرية المطلقة للعقل في فهم النصوص الشرعية حتى ان الشيخ محمد عبده يقول -وهو عميد هذا الاتجاه:
«إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل»
ترتب على ذلك وقوعهم في خطأ آخر وهو صرف النصوص الشرعية عن ظواهرها لتتفق مع عقولهم وللعقل مجاله المحدود.
ومن عيوب هذا الاتجاه أيضا رد الأحاديث الصحيحة التي تتعارض مع مبادئهم بزعم أنها أحاديث آحاد وأن الصحابة حدثوا بها عن أهل الكتاب ونحو ذلك من التعليلات الباطلة التي لا تستطيع الصمود امام النقد العلمي النزيه. أ هـ
وقد كتبنا هذه الكلمة أداء لأمانة العلم والشيخ عبدالعزيز بشر يؤخذ من كلامه ويرد, لكن ذلك لا يقلل أبدا بأي حال من الأحوال من وطنية الرجل ولا يغض من قيمته وقامته في جهاده الذي لا ينهض به إلا أصحاب الهمم العالية والنفوس الأبية من الأبطال الذين إن سكت الناس عنهم نطق التاريخ بفضلهم ليقول لأشباه الرجال:
هؤلاء هم الرجال!!






كلمات دالة

aak_news