العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

هل يصلح التفسير الديني للأحداث السياسية؟

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



للدين موقع معترف به في الدراسات الدولية وقد عرف التاريخ فصولا دامية من الحروب الدينية في العالم كله، ولكن هل يمكن تفسير الصراع السياسي بحجج أو أسباب دينية؟
السبب في إثارة هذا السؤال هو ما نشهده اليوم من عداء بين إيران وإسرائيل وإمكانية التقارب بينهما من عدمه، وكذلك التقارب المصري الإسرائيلي والتقارب السعودي الإسرائيلي. هذه الظواهر الثلاث للمشهد الإقليمي المعاصر تحكمها اعتبارات كثيرة. فالصراع الإيراني الإسرائيلي ارتبط بشكل تاريخي مباشر بقيام الثورة الإسلامية في إيران حيث كانت إيران وإسرائيل قبل الثورة حلفاء وأعضاء في التحالف الغربي وكانت إيران هي الدولة الإسلامية الثانية التي اعترفت بإسرائيل عام 1948 بعد تركيا (رغم أن إيران اعترضت على قرار التقسيم وعلى عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة كما ساندت قضية القدس) فإيران قبل الثورة كانت طرفا في الصراع العربي الإسرائيلي ولكن مع إسرائيل، فهي التي زودتها بالبترول عام 1973 عندما أغلقت مصر باب المندب، كذلك كان الدستور الإيراني في زمن الشاه ينص صراحة على أن إيران دولة علمانية وكان معنى العلمانية في ذلك الوقت أنها ليست إسلامية رغم أن سكان إيران يدينون بالإسلام منذ فتح فارس في زمن الخلفاء الراشدين كما أن المذهب الشيعي دخل إيران في بداية القرن السادس عشر وهو من المذاهب الإسلامية المعتبرة، كما أن إيران أسهمت في الحضارة الإسلامية إسهاما مشهودا.
عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العاشر من فبراير 1979 ضد الهيمنة الأمريكية ونظام الشاه كانت ثورة سياسية، وإن كان الإمام الخوميني قد أعطاها مسحة دينية حتى يحرك الجماهير حيث استند إلى نظرية المظلومية في التراث الإسلامي عموما والشيعي خصوصا ولذلك سمى الولايات المتحدة الشيطان الأكبر كما أطلق على إسرائيل الشيطان الصغير. وكانت الثورة الإسلامية على يقين أن إسرائيل لن تتسامح مع هذه الثورة المضادة للولايات المتحدة ولذلك قرر زعماء الثورة منذ اليوم الأول إحراق العلم الإسرائيلي وتحويل مبنى السفارة الإسرائيلية إلى البعثة الفلسطينية في طهران وكانت تلك هزيمة كاملة للولايات المتحدة وإسرائيل دفعتهما إلى استكمال ما بدآه مع مصر بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد ولذلك تم توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل بعد الثورة الإسلامية بستة أسابيع أي في السادس والعشرين من مارس عام 1979.
فهل عداء إيران الثورة لإسرائيل سببه ديني أم سياسي؟ إذا كان السبب ديني كما زعم البعض فإن التقارب بين إيران وإسرائيل يتطلب مراجعة دينية أما إذا كان سبب العداء سببا سياسيا فإن السياسة متقلبة وتقوم على مبدأ المصلحة الدائمة مع تغير أشكال العلاقات.
في الثالث والعشرين من مارس 1979 نشرت مجلة أمريكية تسمى National Review Magazine مقالا للكاتب وليم بكلي William Buckley حاول فيه أن يفسر عداء الخوميني لإسرائيل بسبب ديني واسع وهو عداء الإسلام لليهود ويقول إن الإسلام دين شمولي لا يعترف بأي عقيدة خارجة عليه ويعتبرها كفرا ومادام اليهود ليسوا مسلمين فهم في منظور الإسلام كفار واستشهد المؤلف بمحاضرة للخوميني القاها في العراق عندما كان منفيا هناك عام 1970 ونسب إليه قوله إن اليهود يتهكمون على القرآن ويستخفون بنبي الله محمد وإن اليهود يخططون للهيمنة على العالم كله.
هذا التفسير خاطئ وقاصر للأسباب الآتية:
السبب الأول أن القرآن الكريم هو الذى قال إن بني إسرائيل هم شعب الله المختار وهو الذي كرمهم في أول رسالة مكتوبة وبعدد من أنبياء الله الذين نعتز بهم جميعا. ولكن القرآن أيضا هو الذى قال فيهم إنه رغم تدليلهم فإنهم يتسمون بالالتواء والخبث والتآمر وأنهم يكتبون الكتاب المقدس بأيديهم وأنهم يحرفون المقدسات. كما أن القرآن الكريم هو الذى قص عليهم غدرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما وضع دستور المدينة المنورة وأرسى للمرة الأولى في التاريخ مفهوم المواطنة السياسية. كذلك قصة موسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون وتكليفه بأن يخلص بني إسرائيل في مصر مما أصابهم من فرعون وقد ذم القرآن فرعون بسبب قسوته وتجاوزه على الله سبحانه وتعالى ثم إن القرآن هو الذي قص علينا سلوك بني إسرائيل في علاقتهم بهارون وارتدادهم بالكفر عندما كان موسى يتلقى الألواح من الله في سيناء. ولما كان القرآن هو الكتاب الخاتم نزل على النبي الخاتم فقد قص علينا كل ما حدث قبل البعثة المحمدية حتى يكون نصا إلهيا مقدسا لا يطوله التزوير أو التدليس.
السبب الثاني: أن موقف القرآن الكريم هو رواية الله سبحانه وليست رواية الخوميني فكان موقفه من اليهود هو الرواية الرسمية عن طباعهم وغدرهم ومكرهم ولم يكن اتهاما من الخوميني أو من غيره.
السبب الثالث: أن الإسلام الذي ورد في القرآن الكريم دين واحد بشرائع ومراحل متعددة ولذلك فإن من أدرك محمدا صار مسلما أما الأنبياء فقد قال القرآن الكريم إن الله أخذ عليهم ميثاقا «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ألست بربكم قالوا بلى قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين». فالإسلام بهذا المعنى هو الرسالة الجوهرية بكل الشرائع التي جاء بها موسى وعيسى ثم نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فهو دين شامل، فالقرآن لم يفرط في شيء، كما منح الله محمدا صلى الله عليه وسلم رخصة التشريع لأنه لا نبي بعده ولا رسالة بعده. فالإسلام دين شامل تنزل في شرائع متفرقة عبر التاريخ ثم اكتمل بعد ذلك بالنصوص النهائية دلنا عليها قوله تعالى «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا».. «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه». والمعلوم أن الله أكمل الدين أي أن بعضه كان قد تنزل ثم اكتمل بأحكام القرآن النهائية وسنة رسوله الكريم، أما النعمة فقد تمت والتمام يعني الكمال فالاختلاف بين الاكمال والاتمام في اللغة يظهر المعنى المرتبط بالدين وبالنعمة، ولذلك فإن الإسلام باق إلى يوم الدين. فقول الكاتب الأمريكي إن الإسلام إسلام شامل قول صحيح ولكنه حق أريد به باطل.
السبب الرابع أن شمول الإسلام يعني أن الاكتفاء ببعض الدين هو توقف في بعض الطريق ولذلك فإن شمول الإسلام يعني اكتمال الشرائع السابقة ولا يعني مطلقا أن المسلمين لا يعترفون بأصحاب هذه الشرائع الذين توقفوا بها وأبوا أن يعترفوا بالرسالة الجامعة حقدا وتعنتا وجهلا.
هذه النقطة تطرح من جديد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فالمسلمون لا يعتبرون اليهود والنصارى كفارا لأنهم مأمورون في قرآنهم بأن يحسنوا التعامل مع أهل الكتاب وألا يعتدوا عليهم وألا ينالوا من عقائدهم لأن المسلم ملزم بالاعتراف بالله وملائكته ورسله وكتبه وبأن الله لا يفرق بين أحد من رسله. كما قرأ المسلمون التوجيه الالهي لمحمد صلى الله عليه وسلم «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله» وتوجيهه تعالى سبحانه إلى الرسول «عليك البلاغ وعلينا الحساب» فكيف يكون للمسلم سلطة في مواجهة أصحاب الشرائع أكبر من سلطة نبيهم وكل الأنبياء؟
ومن الواضح أن موقف الكاتب ينطوي على جهل بالقرآن ورغبة في معاداته.
السبب الخامس: الصحيح أن المسلمين جميعا وغير المسلمين يفرقون بين اليهودية وهى دين سماوي معتبر وبين الصهيونية وهى مشروع سياسي استعماري عدواني يغتصب أرض فلسطين ويشيع الخراب في المنطقة وإن كان أحبار اليهود الداعمين لإسرائيل ينكرون هذا التمييز بين اليهودية والصهيونية ويعتبرون أن دعم المشروع الصهيوني واجب توراتي والتزام ديني وهذا تفسير للتوراة يتناقض مع رسالتها السامية، فلا يعقل أن الله يوجه بعض خلقه لكي يغتصب أرض خلق الآخرين. فالعداء الإسلامي ليس لليهود فهم أهل كتاب حتى لو وقفوا في كتابهم دون القرآن بل إن القرآن الكريم أوصانا باليهودية الحقة وبمن قالوا إنا نصارى أن نقسط إليهم ونبذل الود لهم فمن أين جاء الكاتب بخرافة أن الإسلام يعتبر غير المسلمين كفارا وأن القرآن يعادي اليهود؟
الصراع بين إيران وإسرائيل صراع سياسي يمكن أن ينتهي غدا وكذا الصراع بين إيران والسعودية لا علاقة له بالطائفية الدينية. والشيعة كانوا في إيران منذ قرون وكانت إيران والسعودية حلفاء وكان المذهب الديني في السعودية لم يتغير فلماذا صار الصراع الآن بين شيعة وسنة، الصراع بين السعودية وإيران هو صراع على المصالح وعلى التحالفات.
النقطة الثالثة هي التقارب السعودي الإسرائيلي كيف يفسر الكاتب هذا التقارب إذا كان مصرا على التفسير الديني للعلاقات الدولية؟ وإذا كان هناك عداء بين الرسول وبين يهود المدينة فهو كذلك صراع سياسي أيضًا سببه التآمر على الدين الذى جاء به العرب ليغيروا مكانة اليهود مع دينهم وكان الأولى لتوضيح تفسير الكاتب أن تكون السعودية بمذهبها أشد عداء لليهود وخاصة أن بعض التيارات الإسلامية تعتبر أن معادة اليهود امتدادا للعداء بين رسولهم واليهود، فالعداء لهم سنة مؤكدة، وهذا تضليل فاضح فالعلاقة بين اليهود والرسول كان لها سياق معين لا يجوز أن نبالغ فيه فلا يجوز لليهود أن يعادوا المسلمين وألا يعادي المسلمون اليهود انطلاقا من هذه الفترة التاريخية. من الواضح إذن أن التقارب السعودي الإسرائيلي لا يتمشى مع التفسير الديني للكاتب وهو عمل سياسي في المقام الأول ناجم عن الصراع السعودي الإيراني.
صحيح أن إسرائيل تدعو إلى تكتل سني ضد إيران الشيعية وهذا خط قد يغري السعودية في هذه المرحلة ولكن من العار أن يصبح اليهود سنة فإذا انتصرت إيران صاروا شيعة ويجب أن نؤكد هنا أن الأمة الإسلامية أمة واحدة والإسلام واحد والفِرق الإسلامية مرجعها جميعا القرآن والسنة فلا سبيل إلى قبول دور إسرائيل في فتنة الشيعة والسنة أو في أن اليهود اختاروا السنة إغراء وتعميقا لهذه الفتنة.
وأخيرًا كيف نفسر في ظل الدافع الديني العلاقات الحميمة بين مصر وإسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي؟ بالقطع لا يوجد تفسير ديني للتقارب أو العداء وإنما تفسيره سياسي بكل المعاني.






كلمات دالة

aak_news