العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

أخبار البحرين

قانون «جاستا».. مسمار جديد في نعش العلاقات الأمريكية-الخليجية

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الخميس ٠٦ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



لقد تخطّى الكونجرس الأمريكي المحظور عبر قيامه بالتصويت بإجماع شبه تام على مشروع قانون يُتيح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر رفع دعاوى مدنية ضد المملكة العربية السعودية (وسواها من الدول)، بتهمة مساعدة الإرهاب والتحريض عليه، وفي ذلك انتهاك صارخ لكل القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحمي سيادة الدول من الدعاوى القانونية التافهة. لقد تصرّف الكونجرس بغطرسة معيدًا كتابة القانون الدولي في خطوة تنمّ عن تعجرف غير مسبوق وعدم احترام لدولة تُعتبَر من الحلفاء الأقرب إلى الولايات المتحدة.
صحيح أن بعض كبار المشرعين الذين قادوا الحملة لإسقاط حق النقض (الفيتو) الذي استخدمه الرئيس باراك أوباما يُعيدون الآن النظر في قرارهم، إلا أن السبب هو فقط أنهم أدركوا أن المعاملة بالمثل قد تؤدّي إلى توريط دبلوماسيين وموظفين وعملاء استخبارات أمريكيين في الخارج في قضايا تُرفَع ضد الحكومة الأمريكية على خلفية تدخلاتها العسكرية والسجون السرية وترحيل المشتبه فيهم والتعذيب والهجمات بالطائرات من دون طيار.
يريد بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي، على غرار ليندسي غراهام ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بوب كوركر، أن يتم تعديل القانون لحماية الأمريكيين من دون التعدّي على ما يسمّونه حقوق عائلات 11 سبتمبر، ويحمّلون أوباما مسؤولية عدم الإشارة صراحةً إلى التداعيات المحتملة.
واقع الحال هو أن الرئيس فعل ذلك لكن من دون اقتناع حقيقي. يقول المتراجِعون عن موقفهم إنه لم يشنّ حملة كاملة لإيصال أفكاره، ولم يستجب لطلب المشرّعين عَقْد اجتماع من أجل مناقشة التداعيات.
طوال الجدال الذي أثارته القضية لم يتقدّم أوباما للدفاع عن السعودية التي بُرِّئت من الضلوع في هجمات 11 سبتمبر. بل ركّز على تعاطفه مع أسر الضحايا وقلقه على المواطنين الأمريكيين خارج البلاد.
استخدم الرئيس أوباما حق النقض وهو يعلم أن مشروع القانون يحظى بدعم ساحق من الحزبَين في مجلسَي النواب والشيوخ، وأن حشد ثلثَي الأصوات المطلوبة لإسقاط الفيتو أمرٌ مفروغ منه.
بدأت أتساءل عما إذا كان ما جرى مجرّد سيناريو تم التحضير له بالتواطؤ مع البيت الأبيض بهدف إضافة مزيد من الضغوط على المملكة العربية السعودية. تبدو مزاعم البيت الأبيض عن تعرّضه للإحراج فارغة وغير مقنعة.
يستعدّ مئات المستفيدين المتوقعين من هذا القانون لرفع دعاوى في المحاكم التي باتت تملك صلاحية تجميد الأصول السعودية بانتظار أن تصل هذه الدعاوى إلى خواتيمها.
إنه عمل عدائي لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام. اليوم، السعودية في مرمى النيران. وغدًا، قد تصبح دول أخرى، بما في ذلك بلدان أخرى في مجلس التعاون الخليجي، في الموقع نفسه.
قال متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن فرنسا وسواها من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعتبر قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» أو ما يُعرَف بقانون «جاستا»، انتهاكًا للقانون الدولي. لقد أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا أدان فيه القانون معتبرًا أنه يتعارض مع مبدأ الحصانة السيادية للدول. ووصف البرلمان الهولندي القانون بأنه «انتهاك صارخ وغير مبرّر للسيادة الهولندية».
وحذّرت السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر وتركيا من أن الولايات المتحدة قد تتحمّل العواقب على صعيد خسارة الاستثمارات والثقة والتعاون.
بطبيعة الحال، سوف يتردّد المستثمرون في إيداع أموالهم في بلدٍ يمكن أن تتم فيه مصادرة هذه الأموال بمجرد قرار يصدر عن قاضٍ لا دراية له بالشؤون الخارجية أو لمجرد أن تنظيم «القاعدة» يعتبر الرياض عدوّه الأكبر.
إن التفكير بأن القيادة السعودية التي جرّدت أسامة بن لادن من جنسيته على صلة بتنظيم «القاعدة» مثير للضحك. لكن إذا كان الكونجرس، الذي يُفترَض أنه يضم أشخاصًا متفوّقين في تفكيرهم، يتصرّف بهذا الجهل، فماذا عسانا نتوقّع من القضاء؟!
يبدو لي أن الكونجرس يتحمّل المسؤولية في توريط بلاده في مأزق. يحمل مقال في صحيفة «الواشنطن بوست» العنوان الآتي: «غباء الكونجرس الذي لا يُطاق». ونقرأ في مجلة «صالون» مقالاً آخر بعنوان «إلى أي دركٍ يمكن أن ينحدروا؟» وقد وصفت صحيفة «هافنغتون بوست» القانون بـ«غير المسؤول والخطر».
تعتبر منظمة «المشروع العربي» العراقية أن قانون «جاستا» يتيح فرصة للمطالبة بتعويضات من الولايات المتحدة على خلفية الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق، بحسب ما أوردت قناة «العربية».
وقد طالبت المنظمة بـ«إجراء تحقيق كامل في مقتل المدنيين وخسارة الممتلكات، وفي ما تعرّض له الأشخاص الذين عانوا التعذيب وأشكالا أخرى من سوء المعاملة على أيدي القوات الأمريكية». قدّم لها الكونجرس هذا الحق على طبق من فضة.
لقد تخطّت الاستثنائية الأمريكية كل الحدود المقبولة. رفضت الولايات المتحدة، وهي من الجهات الأساسية التي وقفت خلف معاهدة روما التي نصّت على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، المصادقة على عضويتها في المعاهدة.
قامت أمريكا بليّ ذراع أكثر من مائة من حلفائها، بينهم شركاؤها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لتوقيع اتفاقيات «وضع القوات» (صوفا) التي تتيح حماية الطواقم العسكرية الأمريكية من دون سواها من الخضوع للأنظمة القضائية الجنائية أو المدنية في تلك الدول.
فضلاً عن ذلك، ضغطت الولايات المتحدة على المملكة المتحدة لتوقيع معاهدة ترحيل غير متبادلة تتيح لها ترحيل مواطنين بريطانيين وغير بريطانيين بتهمة مخالفة القانون الدولي بالاستناد إلى «شبهات معقولة» وليس إلى أدلة دامغة.
ينبغي على المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى اتخاذ موقف حازم في مواجهة هذه الممارسات غير العادلة والمدفوعة بالمصالح الشخصية، وليس قانون «جاستا» سوى مثال فاضح لها. لقد دعا الدكتور خالد عبدالعزيز النويصر، وهو خبير سعودي في القانون الدولي، مجلس الشورى إلى إقرار قانون مشابه لقانون «جاستا» يتيح للمواطنين السعوديين رفع دعاوى ضد الدول في المحاكم السعودية.
لا أثني على اقتراح الدكتور النويصر فحسب بل أناشد أيضًا المملكة وجميع شركائها في مجلس التعاون الخليجي تشريع وتطبيق قوانين مماثلة ليس فقط من أجل حماية حقوق مواطنيها إنما أيضًا لتوجيه رسالة قوية إلى واشنطن بأننا لن نسكت ونذعن أمام ما نتعرض له من إهانة وسوء معاملة.
لطالما ساورتني شكوك بأن السعودية أصبحت هدفًا لواشنطن، لكن شكوكي تأكّدت الآن. إنهم يسعون إلى تقويض الرياض عند كل فرصة سانحة. لقد ولّى زمن الكلام الدبلوماسي وحان وقت المكاشفة.
أولاً: لقد أقدمت الولايات المتحدة على إزالة إيران، الراعي الأكبر لإرهاب الدولة في العالم وعميلها اللبناني «حزب الله» المتواطئَين في الجرائم التي يرتكبها مجرم الحرب السوري، من قائمة التهديدات الإرهابية.
ثانيًا: في أعقاب تلك الصدمة، بدأت الأخبار تنتشر عن مفاوضات سرّية تجريها إدارة أوباما للتوصل إلى اتفاق أسهم في زيادة ثروات طهران وتمكينها على حساب الحلفاء الأقرب إلى الولايات المتحدة في المنطقة، ما أحدث تغييرًا في ميزان القوى.
ثالثًا: انضمّت الأمانة العام للأمم المتحدة إلى الجوقة عبر وضع التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن على قائمة سوداء تتعلق بـ«الأطفال في النزاعات المسلحة»، إلا أنها سرعان ما حذفته.
وما كشفه الصحفي في جريدة «ذي أتلانتك» جيفري غولدبرغ عن أن الرئيس أوباما وصف المملكة وحلفاء آخرين بأنهم «متطفّلون»، مناشدًا السعودية أن تشارُك المنطقة مع إيران، كان بمثابة مخرز يُغرَز في العين.
في غضون ذلك، وفيما تزداد حرب أسعار النفط مسببة تراجع الإيرادات بسبب الوفرة، رُفِعت العقوبات عن مبيعات النفط الإيرانية.
سألتُ الولايات المتحدة في أكثر من مقال: «هل أنت معنا أم علينا؟» بعد إقرار قانون «جاستا»، وعلى الرغم من المناشدات من المسؤولين في الحكومة السعودية بعدم سلوك هذا المسار، أصبح الجواب، للأسف، واضحًا بالنسبة إليّ.




كلمات دالة

aak_news