العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

من الإيمان إلى يقين الإيمان



{ في الوقت الذي تتعرض فيه المنطقة والعقل العربي والمسلم لحرب أفكار شعواء, لنشر الإلحاد واللا دينية أو نشر المدارس الباطنية والمعتقدات الباطلة, أو نشر التطرف الديني والغلو والممارسات الشركية, فإن هناك غالبية في المجتمعات العربية والإسلامية تعيش على فطرة خلقها الله بها, تتحين الفرص لأداء فروضها, وللانتقال من مرحلة إيمانية فطرية إلى يقين الإيمان, وترسخ صلتها بخالق الأكوان, وترتجي المغفرة والقبول عند رب الغفران, وهي تدرك أن سلعة الله غالية بها ابتلاءات وفتن ومجاهدة للنفس, وأن الوصول إلى يقين الإيمان يتطلب معايشة كل ذلك والتكاليف والمكابدة, وأن المعاني القرآنية والإيمانية عموما (مغلقة على البصائر التي عليها غشاوة) ولكنها رحلة سلام وارتقاء رغم المكابدة حين المعرفة بالله وبمقاصده من الخلق والخليقة, وأن لذة الغوص في عمق المعاني الإيمانية لا تعادلها لذة أخرى, فهي روحية خالصة, ليس فيها اعتبار للمظهريات الزائفة, فالحضور هنا للقلب وحده, وهو سيد الحواس كلها.
{ في الرحلة من الإيمان إلى يقين الإيمان لا بد أحيانا من المرور بتجارب وتحولات ومعاينة للأفكار, وتأمل في الوجود وفي الروح وفي مقاصد الخالق وفي الخليقة, وفي الغاية من الخلق. ومناسك الحج هي سلم للارتقاء الروحي لمن يعرف أسرار الطواف, ورمزية المناسك والشعائر, والطاقة الهائلة التي تحيط ببيت الله الحرام, والتي لا تفتح مسارب الوصول إليها إلا لقلب آمن بالله ثم أيقن بوجوده وبأسرار تعاليمه الإلهية للبشر, التي إن اتبعوها لصلح حال البشرية كلها, ولكن البصائر العمياء لا ترى أبعد من سور المكان وحيطانه, ويجتاحها غرور العقل القاصر الذي يعتقد في نفسه الاكتمال من دون الله, فيجتاحه مع الغرور كبر (بكسر الكاف) العقل المادي, الذي يتصور أن كل ما هو ملموس هو كامل الحقيقة, فيما لو سألته ما هو الحب مثلا هل تلمسه؟! فإذا قال لا, سألته ثانية, لماذا تؤمن به إذن وتضحي من أجله؟! وهل تدرك أن ما هو غير ملموس هو الأكثر تجذرا وعمقا في كيانك الجسدي الفاني, رغم أن عقلك يؤمن به ولا يراه؟ فلماذا تكتفي بالظاهر وكل التعاليم الإلهية تدلك على الباطن؟!
{ هكذا هو الانتقال والارتحال من إيمان الفطرة وفطرة الإيمان إلى يقينه. هو ارتحال قلبي وروحي خالص, لا يعرف أسراره وأسرار ما فيه من غيب محجوب عن العقل المادي إلا من اكتمل به في القلب والروح, وهناك يبدأ الارتحال الحقيقي, ويبدأ التحول الأعمق, ويبدأ معه إدراك ما وراء الظاهر من باطن, وما وراء المادة من أبعاد, وما وراء الفروض من معان, ومعه يدرك أن هذا الذي يجري خلفه البشر بحثا عن السعادة والراحة والاكتمال ما هو إلا متاع الغرور! وأن السلام النفسي الحقيقي لا يعرفه إلا من أكمل رحلته في الطريق إلى الله, وهؤلاء الأقلية أو من سار على ذلك الطريق المستقيم البعيد عن المسارات الفرعية التي لا تقود إلا إلى التيه والوهم طلبا للوصول, وسيره هذا طلبا للاكتمال الروحي أيضا حتى يلاقي بغيته في معرفة الله, فيفهم الظاهر والباطن, وكل فهم على قدر الجهد فيه!





إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

aak_news