العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات
تمثيلات النهايات في الرواية العربية الحديثة (1 من 2)

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٢٤ ٢٠١٦ - 03:00



سأبدأ حديثي عن النهايات بموضوع تمثيلات الأندلس في الرواية؛ فقد خضع متخيل الأندلس الفردوس الضائع لمقاربات روائية متعددة سأركز على أهمها من وجهة نظري وهي رواية «ليون الإفريقي» للروائي الفرانكفوني أمين معلوف. ففي هذه الرواية يلتقط معلوف بذكاء وحسن بصيرة شخصية تاريخية حقيقية هي شخصية الحسن بن محمد الوزّان الزيّاتي الذي عُرِفَ لاحقًا باسم جان ليون الإفريقي (عاش أوائل القرن السادس عشر الميلادي)، الذي وُلِدَ بغرناطة (888 للهجرة) ثم هاجر إلى فاس وكان من أسرة وجيهة فانتدب أبوه لبعض السفارات والوساطة السياسية ثم انتدب هو نفسه لمثل ذلك فارتحل إلى أكثر بلدان إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط، وفي سنة 926 اختطف وقُدم هدية للبابا ليون العاشر ملك رومية، وسماه البابا «جان ليون» وتوفي (957هـ).


يوظف معلوف شخصية الحسن بن الوزّان أو ليون الإفريقي ليمثل خطاب الهجنة وهو خطاب مضاد للقبائل الكونية التي حذر منها معلوف في «الهويات القاتلة. ويصدر معلوف روايته بخطاب السارد (ليون الإفريقي): «خُتنت، أنا حسن بن محمد الوزان يوحنا_ ليون دومديتشي بيد مزين وعُمدت بيد أحد البابوات، وأُدعى اليوم «الإفريقي» ولكنني لست من إفريقية ولا من أوروبا ولا من بلاد العرب. وأُعرف أيضًا بالغرناطي والفاسي والزيّاتي. ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة. ولا عن أي قبيلة. فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعًا ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية لأن جميع اللغات وكلّ الصلوات ملك يدي. ولكني لا أنتمي إلى أي منها، فأنا لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب. وستبقى بعدي يا ولدي وستحمل ذكراي وستقرأ كتبي. وعندها سترى هذا المشهد: أبوك في زي أهل نابولي على متن هذه السفينة التي تعيده إلى الشاطئ الإفريقي وهو منهمك في الكتابة وكأنه تاجر يعد لائحة حساباته في نهاية رحلة بحرية طويلة، أليس هذا ما أفعله تقريبًا؟ ماذا ربحتُ/ ماذا خسرتُ، ماذا أقول للديّان الأعظم؟ لقد أقرضني أربعين عامًا بددتها في الأسفار فعشتُ الحكمة في روما والصبابة في القاهرة والغم في فاس ومازلتُ أعيش طهري وبراءتي في غرناطة». وطوال رحلة الوزّاني الشاقة في ارتحاله من موطنه في غرناطة ثم إلى فاس ثم إلى إفريقية ثم اختطافه في إيطاليا سيمثل أنموذجًا للهوية المنفتحة القابلة لإدماج عناصر متنوعة فيها واستيعابها من دون أن تشكل العناصر المدخلة أي مقاومة للذات. وعلى الرغم من كون التحوّل العقائدي الذي انتقل إليه ليون الإفريقي من الإسلام إلى المسيحية وخضوعه كذلك لاستلاب هويته العربية الإسلامية من الحسن الوزّان إلى ليون الإفريقي إلا أنَّ هذه التحولات الكبرى الجذرية لم يبرزها لنا معلوف، فقد كان معنيّا فقط بالفكرة المحورية الكبرى وهي إبراز الهجنة الثقافية والاحتفال بالتنوع الثقافي والفكري والعقائدي والانتماء للشخصية السردية.
وللحديث صلة قادمة بمشيئة الله تعالى.


كلمات دالة

aak_news