العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الـتـربـيـة الـحـضـاريـة فـي الآيـات الـقـرآنـيـة (11) حــــــــــــــق الأجــــــــــيــــــــر

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٣ ٢٠١٦ - 03:00



يظن الشيوعيون والعلمانيون أنهم حماة حقوق العامل والأجير الخاص وأن الإسلام لا يحمي حقوق العامل والأجير وهذه فرية أراد بها هؤلاء جذب القاعدة الجماهرية إليهم، وسحب البساط من تحت أقدام الدعوة الإسلامية بإبعاد الجماهير عنها، ولكن الواقع يبين اهتمام الشريعة الإسلامية والسنة النبوية المطهرة والآيات القرآنية بالعمال والأجراء وما حديث الثلاثة الذين سُدّ عليهم الغار وقول أحدهم: (قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبدالله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبدالله لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه؛ فلم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون) جزء من حديث متفق عليه.
في هذا المقطع من الحديث يتضح لنا حماية حقوق العامل والأجير ومشروعية تثمير أمواله وما يستقطع من أجره للمعاش والعلاج والتكافل الاجتماعي وغير ذلك، وهذه سابقة حضارية في حفظ حقوق العامل جعلت من هذا السلوك طاعة لله ومنجاة من المهالك المحققة.
وقد أعد الدكتور محمد يعقوب الدهلوي رسالة علمية متميزة عن الأجير الخاص حقوقه وواجباته نشرتها [الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: المملكة العربية السعودية ط/1، 2010م] متميزة في موضوعها. فقال فيها: إن سبب اختياره للموضوع -هو ما للأجير ومنافعه من أهمية قصوى في الحياة الدنيوية، وقد نبهت الشريعة الغراء إلى أهمية العمل الديني والدنيوي، فالعمل الديني يؤدي إلى حسن العاقبة، والعمل الدنيوي يؤدي إلى صلاح الأمور المستعجلة (وإن كنت أختلف معه في هذه القسمة فالعمل الديني يشمل عمل الدنيا والآخرة، والعمل الدنيوي يؤدي إلى صلاح الدنيا والآخرة، فهي منظومة متكاملة لا انفصام فيها). وقال: وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على الكسب والمعاش وأن يختار الإنسان من المكاسب أطيبها (ومن الأعمال أنفعها) وأن يتجنب المكاسب الحرام والأعمال المحرمة، منها ما رواه البخاري رحمه الله عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه قال: ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده. [رواه البخاري]، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) [رواه أبو داود والترمذي].
ومما لا شك فيه أن العمل هو الوسيلة الوحيدة لتقدم الأمم وارتقائها مراتب الحضارة، والرقي، فالأمم التي تعمل وتكد وتجتهد تصل إلى الغايات المنشودة، وتحقق آمالها وطموحاتها، وأما من يتوانى ويتكاسل ويبدل العمل بالكلام والآمال، فإن التخلف والترسب يكون من نصيبه، ويكون عالة على غيره فردًا كان أم جماعة، قبيلة كان أم دولة، وسنة الله في خلقه منذ أن خلق الخلق إلى أن تقوم الساعة. إن من يدع الشهوات ويبذل جهده في العمل الصالح النافع فإن النجاح يكون حليفه، ومن تستبعده نفسه فيطيعها فيما تأمره من السوء، ويترك العمل المثمر، فإن الفشل الذريع يكون نصيبه قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].
وقد سخر الله سبحانه وتعالى السماء والأرض وما فيهما للإنسان المكرم، وهيأ له الأسباب التي تعينه على هذا التسخير، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 12-13].
إن الأجير شخص اختار لنفسه أفضل سُبل الكسب وهو كسبه بيده ليسد حاجته وحاجة من يعولهم وهو الذي يدير عجلة التقدم بعمله الكادح، وقد بذل نفسه التي هي أنفس شيء لديه لصاحب العمل الذي يستفيد من جهده البشري وليخضع لإرادته، وإدارته، فاستحق هذا الأجير -وهذا شأنه- أن يُوَفَّى حقوقه من أجر، ورعاية، وحماية وأن يحصل على حقوقه كاملة، وقد نوه الإسلام بأهمية العمل والعمال ووجوب أن يُوَفَّى العامل أجره، لا يبخس من حقه شيئًا، قال تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) [الطلاق: 6]، وهذا أمر من الله تعالى بأن يوفى الأجير حقه، لأن الحق هو الثواب على ما يفعله من عمل.
وأكدت السنة النبوية المطهرة على أهمية إعطاء الأجير حقوقه كاملة غير منقوصة. قال صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) [رواه ابن ماجة وأصله في صحيح البخاري وغيره].
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره) [رواه البخاري].
وهذا الحديث مع بيانه مشروعية الأجرة يبين مدى اهتمام الإسلام بأجر الأجير حيث ذكر أن الله سبحانه وتعالى يتوعد من منع أجر الأجير بمخاصمته يوم القيامة، ومن كان الله خصيمه فهو من الخاسرين.
وأجر الأجير دين لأنه يثبت في ذمة رب العمل مقابل ما ناله من منفعة الأجير، وهو أمين على أداء الأجير أجره، وقد أمر الله تعالى أن يؤدي الأمانة التي اؤتمن عليها قال: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) [النساء: 58].
وبذلك تكون التربية الحضارية في الإسلام قد قعدت لحقوق العمال وإجراء اليومية وغيرهم في صورة حضارية متميزة وبذلك يستقر سوق العمل وتستقر أحوال العمال وينتظم الإنتاج وتقل المشاحنات والاضرابات عن العمل وتتقدم الأمة. [انظر الأجير الخاص – حقوقه وواجباته – محمد يعقوب الدهلوي، مرجع سابق، ص: 64].





كلمات دالة

aak_news