العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

آثار التقوى على الفرد والمجتمع (2)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٢٣ ٢٠١٦ - 03:00



تقوى الله تحفظ المسلم وتصونه من الانزلاق في متاهات الشهوات والمغريات، كما تحفظه من ضعف الغرائز وتسلط الشهوات على النفس، لأن التقي يستمد قوته وعزيمته من علاقته بربه سبحانه، لأنه يؤمن أن الله مُطلع عليه ومراقبه، يقول تعالى: «وهو معكم أينما كُنتم والله بما تعملون بصير». الحديد:4، ويقول تعالى: «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور* ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». الملك: 14، والتقوى شفاء من كل داء، شفاء من الحسد والبغضاء، وشفاء من النفاق والرياء، شفاء من التقصير في العبادات، شفاء من العجز والكسل، شفاء من البخل والشح، شفاء من الطمع والأثرة والأنانية. وبالجملة التقوى شفاء من أمراض نفسية واجتماعية خطيرة، يقول تعالى: «ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرا». الطلاق:4، وحقيقة التقوى لا يعلمها إلا الله لأن محلها القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله تعالى. يوضح هذا ما ورد عن الرسول. صلى الله عليه وسلم. في حديثه عن التقوى حيث أشار إلى صدره وقال: (التقوى ها هنا). (أخرج مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ). فالتقوى طريق الفلاح، ومفتاح السعادة والنجاح، فإن من اتقى الله وقاه ووفقه وهداه، وقد أمرنا الله بالتزود من التقوى، وبين أنها خير زاد المؤمن، يقول تعالى: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أُولي الألباب». سورة البقرة:197،
ويقول القائل: تزود من حياتك للمعاد..... وقم لله واجمع خير زاد.
أترضى أن تكون رفيق قوم............. لهم زاد وأنت بغير زاد.
ويقول آخر:
تزود من التقوى فإنك لا تدري.... إذا جن ليل هل تبيتن إلى الفجر.
فكم من فتى أصبح وأمسى لاهيا..... وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري.
وكم من عروس زينوها لعرسها.... وقد قُبضت أرواحهما ليلة القدر.
والمؤمن الحق يجعل من التقوى خُلقا له، وشعارا له يُعرف به، وثيابا يستره من المعاصي والفواحش والمنكرات، يتزين به في دنياه ليسعد في أُخراه، يقول تعالى: «يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون». الأعراف:26، إن من ثمرات التقوى في حياة المسلم أنها تضبط حركته في الحياة وفق ما أمره الله تعالى ورسوله، فيحافظ على العبادات، ويجتنب المحرمات، ويلتزم بشرع الله، في جميع أحواله وأقواله وتصرفاته. واضعا نُصب عينيه قول الله تعالى: «قل إن صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين». الأنعام: 162-163، وهو يتعامل مع الناس بُحسن الخُلق، فليس بفاحش ولا بذئ ولا كذاب ولا عياب ولا نمام، فيجعل من الحياء والصدق والأمانة والوفاء بالعهد والإحسان إلى الوالدين والجيران وصلة الأرحام، يجعل كل ذلك خُلقا له، ومنهاج حياة يعيش به بين الناس، فأي قانون من قوانين البشر يمكن أن يحُل محل التقوى؟ فما أكثر تغيير القوانين والالتفاف عليها لأنها غالبا يعتريها القصور، ثم هي لا تُخاطب القلب والعقل بل في معظمها يغلب على طبيعتها القهر والاستعلاء لطائفة على حساب طائفة أُخرى، حتى يتصور البعض أنها تُحدد من حركته، وتُقيد حريته، فلا يلتزم بها بل يتمرد عليها! بخلاف التقوى التي تُخاطب الروح والقلب والعقل، وتوضح ثمرة الالتزام بها في الدنيا والآخرة، كما أن التقوى تُسوي بين جميع الناس، فلا فرق بين طبقة وأُخرى، ولا بين عائلة وأُخرى، ولا بين إنسان وآخر. يقول تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». الحجرات:13، وكما ورد في خُطبة الوداع: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). إن التقوى تعني تحقيق العدل مع النفس ومع الزوجة والأولاد وجميع الناس، وتعني العدل في كل الأحوال ومع كل الناس. فأمر الله نبيه محمد. صلى الله عليه وسلم. بالتقوى فقال تعالى: «يا أيها النبي اتق الله ولا تُطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما». الأحزاب:1، ومن أثرالتقوى على الفرد إرشاد العقل إلى طريق الحق، فيهتدي في حياته بنور الإيمان، وتُنير بصيرته بالحجة والبرهان، ويجتنب المعاصي والشهوات في الخلوات والجلوات. يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا ويُكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم». الأنفال:29، والتقوى تفتح للعبد باب العلم النافع والفهم الصحيح، لأنه بالتقوى يصفو القلب من كدر المعاصي، وينجو من وساوس الشيطان. فتزداد همته في تحصيل العلوم، وتتسع مداركه. يقول تعالى: «وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». سورة البقرة:282، كما أن التقوى سبب في تحصيل الأجر العظيم وطريق الوصول إلى درجة الإحسان، الذي هو أعلى درجات الخشية من الله. يقول تعالى: «إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فإن اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ». يوسف: 90، فإن التقوى تجعل الإنسان أقدر على معرفة دائه ودوائه في سلوكه، وأبصر في اختيار سبيله في الحياة، ونهاية القول: إنّ للتقوى والطهارة وترويض النفس الأمّارة بالسوء أثرًا في البصيرة ومساعدة العقل في التمييز بين الخير والشر. مما يرفع قدر الفرد ويُعلي قيمة المجتمع.






كلمات دالة

aak_news