العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

وقفاتٌ مع أول الآيات

الجمعة ٢٣ ٢٠١٦ - 03:00



يقول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق, اقرأ وربك الأكرم, الذي علم بالقلم, علم الإنسان ما لم يعلم). الآيات الخمس الأولى من سورة العلق وهذه الآيات الخمس هي أول ما نزل من القرآن باتفاق العلماء.
ومع وقفة متأنية واعية مع هذه الآيات الخمس نلاحظ ما يلي: 1- أنه قد صُدِّرت الآية الأولى بفعل الأمر (اقرأ) وهذا الأمر يتطلب أن يكون المُخاطَبُ بِهذا الفعل: إما حافظا لشيء يقرؤه أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه, ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقت صدور هذا الأمر له لم يكن حافظا لشيء ليقرأه, وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه, وحتى لو كان معه كتاب فهو أُمي لا يقرأ ولا يكتب. 2- وحينما جاء الأمر بالقراءة المرةَ بَعد المرة من قِبَل جبريل-عليه السلام- كما جاء في أحاديث ابتداء الوحي فإنما جاء اتساقا وتوافقا مع قدرة جبريل -عليه السلام- المُسْتَمَدة مَنْ قدرة مَنْ أرسله وهو الله تعالى الذي يقول للشيء كن فيكون.
3- وحينما يكون الجواب من الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل مرة بقوله: ما أنا بقارئ, فهو ليس رفضا للقراءة بقدر ما هو توافق واتساق مع قدرته -صلى الله عليه وسلم- البشرية, وإمكاناته التي هي عاجزةٌ بالفعل عن القراءة.
4- وفي قوله تعالى: (الذي خلق) إشارة إلى خلق الإنسان الأول وهو آدم-عليه السلام- وفى قوله تعالى (خلق) بعدها في قوله تعالى: (خلق الإنسان من علق) إشارة إلى خلق كل إنسان بداية مِن العلق إلى أن يصير إنسانًا متكامل الخِلقة, فالذي خلق من عَدَم قادرٌ على التعليم من غير أسباب, بل قادر كذلك على أن يجعل مَن لا يقرأ ولا يكتب يُعَلِّم جميع البشر, ليس فقط الذين هم في مَهبط الوحي: كأهل مكة والمدينة, بل والذين هم في أرجاء الدنيا, وليس فقط لمن في زمانه -صلى الله عليه وسلم- هو, بل وفي كل زمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
5-وفى إتباع الأمر بالقراءة التعليم بالقلم إشارةٌ إلى أن القلم مهما اختلفت أشكاله وأنواعه وطبيعته هو آلة الكتابة, وبه تُقَيَّد العلوم, أي تُسَجَّل في ورق أو دفتر أو كتاب وفي الأثر: قَيِّدوا العِلم بِالكتابةِ, ومن الحِكَم العربية: العِلم صيدٌ والكتابةُ قيدٌ, وإذا ضاع القيد ذهب الصيد, ورحم الله القائل:
العِلمُ صيدٌ والكتابَةُ قَيدُهُ - قَيِّد صُيودَكَ بِالحِبالِ الواثِقَهْ فَمِنَ الحَمَاقَةِ أنْ تَصيدَ غَزَالةً - وتَتْرُكَهَا بَيْنَ الخَلائِقِ طَالِقَهْ.
6- وفى صدور أول أمر من القرآن الكريم في أول آية نزلت بالقراءة إشارةٌ إلى فضل العلم, وليس أدل على اهتمام الإسلام بالعلم من فِعْل النبي -صلى الله عليه وسلم- في أعقاب غزوة بَدْرٍ وأسر المسلمين لبعض المشركين, بأن جعل -صلى الله عليه وسلم- فِداء الأسير الذي لا يستطيع أن يدفع المال ليفدي نفسه أن يُعَلِّم عشرة مِنَ المسلمين القراءة والكتابة, فكان فِداء الأسير من الرِّق هو تحرير المسلم الأمي من رِق الجهل والأمية ومعلوم أن الأمية وإن كانت عيبا في حق كل إنسان فهي ليست عيبا في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك لعِدَّة أمور هي: أولا: الأمية في حقه -صلى الله عليه وسلم- لا تعني الجهلَ وإنما تعني فقط عدمَ القراءةِ والكتابةِ.
ثانيا: أنها دليل على إعجاز القرآن الكريم، حيث جاء عن طريق الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب وأعجز أصحاب الفصاحة والبلاغة والبيان. ثالثا: أنها تقطع حُجَّةَ المعاندين المكَذِّبين الذين يَدَّعون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نقل القرآن مِنْ كتب السابقين.
الشيخ عثمان إبراهيم عامر






كلمات دالة

aak_news