العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

أسبوع أمريكي مليء بالأحداث المحبطة

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٢٠ ٢٠١٦ - 03:00



ينتابني شعور بالإحباط. لقد ثابرت على كتابة هذا العمود الأسبوعي بانتظام على مدى قرابة 24 سنة متواصلة، وقد سعيت خلال هذه الفترة الطويلة أن أفسر للقارئ العربي طبيعة وخبايا السياسة الأمريكية.
في كل أسبوع يكاد كل عمود يكتب نفسه بنفسه ذلك أن الأحداث تطغى وتفرض نفسها بنفسها. أما هذا الأسبوع فقد جاء مختلفا من حيث الأحداث التي تهيمن على الساحة والتي تستعصي تقريبا على الفهم والتفسير. يتعلق الأمر أولا بدونالد ترامب الذي بدأ يتقدم أو يتساوى في النقاط في العديد من استطلاعات الرأي التي أجريت على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.
شهد الأسبوع الماضي تصويت الكونجرس الأمريكي على قانون «العدالة بحق رعاة الإرهاب» والذي من شأنه أن يتيح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر 2001 مقاضاة المملكة العربية السعودية من أجل الحصول على تعويضات.
لا ننسى أيضا الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما والذي تتعهد من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية بتمكين إسرائيل من مساعدات قدرها 38 مليار دولار على مدى الأعوام العشرة القادمة. إذا ما تمعنا في هذه الأخبار كل على حدة فإننا سنحار في أمرنا. أما إذا نظرنا إليها جميعا في سلة واحدة فإن الأمر يبعث بلا شك على الخوف.
أغمي على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون أثناء حضورها مراسم ذكرى اعتداءات 11 سبتمبر 2001، ما اضطرها إلى مغادرة المكان. اتضح بعد ذلك أنها مصابة بالتهاب رئوي قبل ذلك ببضعة أيام، الأمر الذي اضطرها إلى تعليق حملتها الانتخابية لبضعة أيام حتى يتسنى لها التعافي من وعكتها الصحية. لم تظهر هيلاري كلينتون إلى العلن لبضعة أيام بسبب مرضها وهو ما أطلق العنان للصحافة التي راحت تندد بما اسمته التستر ونزعة الخصوصية وغيرها من الصفات الأخرى.
انعكس الأمر بسرعة في استطلاعات الرأي التي أظهرت أن أغلب الناخبين الأمريكيين يعتبرون أن هيلاري كلينتون غير نزيهة أو غير موثوق بها. لا تزال مسألة الثقة تلاحق هيلاري كلينتون وهو ما أسهم إلى حد كبير في تراجع النسب التي تحصل عليها في استطلاعات الرأي. قد نتفهم هذا الأمر غير أن ما نجد صعوبة في فهمه استفادة دونالد ترامب من هذا الأمر ليعزز موقعه في استطلاعات الرأي على حساب هيلاري كلينتون.
يعتبر المرشح الجمهوري الأقل نزاهة وصدقا بلا منازع من بين كل المرشحين، ناهيك عن جدارته بالحصول على ترشيح حزبه للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2016. لقد أثار دونالد ترامب السخرية جراء تلك السجلات الطبية التي استظهر بها. لايزال الغموض يلف الكثير من صفقاته ومعاملاته التجارية.
أما حديثه عن «تبرعاته الخيرية» فهو يشكل فضيحة حقيقية. فقد اتضح أن الكثير من تلك التبرعات الخيرية التي ادعاها لنفسه كانت في الحقيقة عبارة عن أموال تبرع بها أناس آخرون واختاروا أن يمررونها عبره.
عرف دونالد ترامب بسجله البائس في انعدام النزاهة ودعوته إلى التعصب ومواقفه المتناقضة بشأن بعض المسائل الحساسة وقلة تجربته في شؤون الحكم. كيف نفسر إذن أن ذلك كله لم يؤثر في مواقف 42% من الناخبين يقولون إنهم سينتخبونه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية على حساب هيلاري كلينتون، التي تعتبر، رغم كل عيوبها، أكثر السياسيين كفاءة وخبرة في ميدانها.
لقد كتبت كثيرا عما اسميته «الترامبية» ومشاعر غضب وخوف أولئك الناخبين الذين أيدوه ودعموه ودفعوا به إلى الأمام حتى فرض نفسه على الساحة السياسية. لقد افترضت أن أغلب الناخبين الأمريكيين سيرفضونه في نهاية المطاف على مستوى البلاد. رغم هذه التطورات التي تبعث على القلق فإنني ما زلت آمل أن يرفضه أغلب الناخبين في نهاية الأمر. لعل ما يثير المخاوف أن السباق بدأ يشتد والنقاط تتساوى والموقف يزداد غموضا.
كان يجب ألا أندهش عندما صوت الكونجرس الأمريكي بالموافقة على قانون «العدالة بحق رعاة الإرهاب» والذي من شأنه أن يتيح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر 2001 مقاضاة المملكة العربية السعودية.
رغم ذاك لم أملك إلا أن أندهش. فقد أصبح الكونجرس الأمريكي يبت كثيرا في مشاريع قوانين واهية وخطيرة، الأمر الذي يجعلها تثير السخط والغضب. في كثير من الأحيان تتلاشى مثل هذه المساعي التي تعكس السياسات القذرة لتبقى في نهاية المطاف العقول النيرة والرصينة التي تفرض نفسها.
لقد طرح الكونجرس الأمريكي هذا القانون سعيا لاستغلال بقايا الوجيعة والآلام الناجمة عن تلك الهجمات الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية يوم 11 سبتمبر 2001. لقد بني هذا القانون المثير للجدل على أساس التسليم بوجود دور لعبته حكومة عربية بشكل مباشر في تلك الهجمات رغم أن نتائج لجنة التحقيق التي شكلت للغرض قد أظهرت العكس.
لقد أصر بعض أعضاء الكونجرس على المضي قدما في تمرير هذا القانون الجديد بسبب استمرار رواسب المشاعر المعادية للعرب. لقد مرروا هذا القانون وأرسلوه إلى الرئيس باراك أوباما وهم بالتالي يعرضون للخطر العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول العربية الحليفة، كما أن هذه الخطوة من شأنها أن تفتح الباب أمام دول أخرى قد تسن تشريعات وقوانين مماثلة لملاحقة ومساءلة الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل عما فعلتاه في منطقة الشرق الأوسط.
كثيرا ما يعتبر الكونجرس الأمريكي أن العرب يمثلون أهدافا سهلة يمكن مهاجمتها والاعتداء عليها ومن ثم الإفلات من العقاب غير أن هذا التشريع الجديد ذهب بعيدا. لقد افترضت أن هذا التشريع لن يمر كما أنني أفترض اليوم أن إدارة الرئيس أوباما ستستخدم حق الفيتو وأن الكونجرس لن ينجح في إسقاط الفيتو الرئاسي. نظرا إلى حالة الغموض التي باتت ترخي بظلالها على كل شي فإنني لم أعد واثقا من أي شيء.
أبى الأسبوع الماضي إلا أن يشهد كارثة كبيرة تتمثل في الاتفاق الذي يمتد على مدى عشرة أعوام والذي تتعهد من خلاله الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية قدرها 38 مليار دولار لإسرائيل. رغم أنني أفهم السياسة من حيث موازين القوى، فإنني أجد صعوبة في تفسير هذه الخطوة التي تنطوي على خطورة كبيرة.
إن هذه الصفقة الضخمة تمثل مكافأة لبنيامين نتنياهو الذي عمل كل ما وسعه على تخريب الجهود التي بذلها الرئيس أوباما للتوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران, كما أنه عرقل تحقيق أي تقدم باتجاه تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. إن مثل هذه الصفقة الضخمة أيضا من شأنها أن تجرد أمريكا من أي قدرة في المستقبل على لجم إسرائيل ووقف سياساتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كنا نعتقد أن هذا الرئيس أدرك بعد بقائه في السلطة طيلة أكثر من سبع سنوات أن مكافأة السلوك السيئ من شأنه أن يشجع على التمادي في السلوك السيئ، بمعنى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيفلت من كل عقاب.
لعل ما يثير السخرية أن الإدارة الأمريكية جددت في بيانها الهزيل، الذي أعلنت فيه عن الصفقة العسكرية مع إسرائيل، تأكيدها على حل الدولتين، وهو الحل الذي دفنه بنيامين نتنياهو بسياساته، وانتقادها لسياسة التوسع الاستيطاني، وهي الانتقادات الروتينية التي ظلت تتجاهلها إسرائيل.
لعل ما زاد في الشعور بالحيرة إعلان إدارة الرئيس أوباما أن هذه الصفقة الضخمة تندرج في إطار «سياسة الدعم غير المسبوقة لأمن إسرائيل» وهو إرث تفخر به سلطات البيت الأبيض. فأين نحن اليوم من تلك الأهداف التي حددها الرئيس أوباما نفسه في الشرق الأوسط قبل سبع سنوات؟
هذه التطورات تستعصي على الفهم ويحار فيها العقل. هذا ما حدث في الأسبوع الماضي. لا يفوتني أن أنوه أيضا إلى «اتفاق السلام في سوريا» المبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا لا يرقى إلى أي اتفاق كما أنه لا يحقق أي سلام.
* رئيس المعهد العربي الأمريكي





كلمات دالة

aak_news