العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إمكانات اعتماد مبادئ الاقتصاد الصحي في تحقيق الأمن الصحي بمملكة البحرين (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الاثنين ١٩ ٢٠١٦ - 03:00



يعرف الأمن الصحي في ابسط صوره بأنه ضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لكل فرد, فيما يعنى به في الاطار الشامل والاكثر تفصيلا بأنه بناء نظام صحي متكامل (مؤسسي وتشريعي وبشري وتمويلي) يضمن عدالة صحية في الوصول إلى الخدمات الصحية النوعية لجميع المواطنين والمقيمين في مجالي الوقاية والعلاج وفي اطار بيئة صحية آمنة وبالتالي فهو جزء مهم من الامن الانساني بكل ابعاده الاقنصادية والاجتماعية والسياسية. وقد اوضحنا في المقال السابق الأطر والاشتراطات النظرية الواجب اعتمادها من قبل دول العالم المختلفة لتحقيق الامن الصحي لمواطنيها والمقيمين في بلادها وركزنا على اهمية اعتماد مبادئ الاقتصاد الصحي في تحقيق متطلبات الامن الصحي وفي هذه المقالة سنركز على واقع الامن الصحي بمملكة البحرين موضحين مكامن القوة والضعف فيه وأنجع السبل لتعزيز قوته وتجاوز هناته ان شاء الله. فقد سبقت مملكة البحرين اغلب دول مجلس التعاون الخليجي في الاهتمام بالرعاية الصحية فقد منحت حكومتها الرعاية الصحية اسبقية على بقية الخدمات, وأولتها اهتماما كبيرا في برامجها التنموية وذلك بإنشاء العديد من المستشفيات العامة والمتخصصة ومراكز الرعاية الصحية الأولية في اغلب مناطق المملكة وتجهيزها بالتقنيات الطبية الحديثة, وتأمين الاجهزة والمعدات واللوازم الجراحية والتأهيلية، حتى اصبحت الخدمات الصحية في مملكة البحرين تضاهي تلكم المتوافرة في العديد من الدول المتقدمة. ومع تبلورالمشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى تبنت حكومة البحرين سياسة «توفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع المواطنين والمقيمين», عبر برامجها الوقائية والعلاجية, التي يتم تنفيذها من خلال شبكة الخدمات الصحية التي تضم الرعاية الصحية الأولية، والرعاية الصحية الثانوية والرعاية السريرية. وفي ظل الاوضاع المالية والاقتصادية الراهنة حيث تواجه البلاد صعوبات تمويلية مؤثرة تحد من قدراتها على مواصلة ذات النهج السابق في الانفاق بسخاء على القطاع الصحي وبما يواكب ويستجيب للمتطلبات والتحديات العديدة التي تواجها في القطاع الصحي بالوقت الحاضر كارتفاع كلفة الخدمات الطبية، ظهور أمراض جديدة ومعقدة، ارتفاع وعي المواطنين وزيادة تطلعاتهم ومطالبتهم بأرقى الخدمات الصحية، هذا بالإضافة إلى الاثار التي تنجم عن تطور تقنية المعلومات واتساع الاتصالات, بما يجعل المواطنين والمقيمين على اتصال وتماس بما يشهده العالم من تطورات في مجال الرعاية الصحية مما يزيد من ضغوطهم على الدولة ومؤسساتها الصحية لتوفير خدمات رعاية صحية متطورة وعلى مستوى كبير من الجودة, علاوة على تحديات اخرى تواجها كارتفاع أعداد المسنين المقترن بارتفاع عدد السكان وما ينجم عن ذلك من ضغط وتزاحم وطول فترة الانتظار على خدمات مؤسسات الرعاية الصحية الحكومية. فضلا عن النقص الواضح في الموارد البشرية الكافية وذات الكفاءة والخبرة العالية لإدارة المؤسسات الصحية الحكومية، الامر الذي اسهم في تسريع إجراءات الدولة لنقل قسم من المسؤولية التنموية الصحية إلى القطاع الخاص, بحيث يكون شريكا فاعلا قادرا على تعظيم الكفاءة الاقتصادية في تقديم الخدمات الصحية, باستهلاك اقل للموارد وإنتاج أفضل للخدمات, ومسايرة اسرع للتطورات المتسارعة في عالم الرعاية الصحية والتقنيات الطبية بما يقود إلى ادخال انماط جديدة من التشخيص والرعاية والمعالجة ولا سيما للأمراض والإصابات البالغة التي كانت تعد من الاصابات الميؤوس منها, فضلا عن تلك الأمراض المزمنة وحالات الاعاقة بمختلف مسبباتها التي تكاد تتفاقم بمجتمعاتنا الخليجية بخاصة والعربية بعامة والأمراض والأوبئة الجديدة الوافدة إلى مجتمعاتنا. وإن ابرز معالم التطور في سياساتها الصحية سعيها الجاد إلى إحداث شراكة نوعية مع القطاع الخاص, وإعادة هيكلة بعض المؤسسات الصحية الرأسية, وإجراء تعديلات على قسم من التشريعات والنظم القائمة حيث تعاني اغلب التشريعات والنظم الخاصة بالقطاع الصحي من التقادم سواء من حيث تواريخ إصدارها أو مضمونها مقارنة بالتطور المتسارع الحاصل في هذه المجالات عالميا. كما ان انشاء المجلس الأعلى للصحة وتنظيم اختصاصاته يعد من أهم التطورات المؤسسية لانطلاقة علمية رشيدة للقطاع الصحي في البلاد. ويتضح ذلك من خلال ما اسند اليه من مهام في مقدمتها دراسة وتنظيم مشروع الضمان الصحي لتوفير مظلة علاج شاملة للمواطنين والمقيمين في المملكة. ولأجل ان تتحقق الشراكة بين القطاع العام والخاص الصحي ينبغي مأسسة وتفعيل العلاقة بين اللجنة الصحية في غرفة تجارة وصناعة البحرين والمجلس الأعلى للصحة وبما يقود إلى تجاوز الصعوبات التي يواجها المستثمرون في القطاع الصحي والتي سبق ان طرحها للنقاش رئيس وأعضاء لجنة القطاع الصحي في الغرفة اثناء زيارتهم لسعادة الدكتورة فائقة الصالح وزيرة الصحة والمتمثلة بصعوبات التوظيف وإصدار التصاريح وقدم بعض القوانين والتشريعات التي تنظم عمل المنشآت الصحية، والتأخر في إنجاز المعاملات والتداخل بين وزارة الصحة والهيئة الوطنية للمهن والخدمات الصحية إلى جانب الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الطبيب والكوادر العاملة بالمستشفيات التي تمارس العمل في القطاع الصحي الخاص. ان تطبيق مبادئ علم الاقتصاد في الاستثمار الصحي الخاص وعدم إثقاله بالرسوم والطلبات غير الضرورية التي تحتاج زمن طويل لتوفيرها كفيل بإحداث نقله نوعية في الامن الصحي في البلاد ويقود إلى جعل البحرين مركز جذب سياحي وعلاجي إقليمي مميز. في المقالة القادمة سنركز بإذن الله على تصورات وتوجهات الوزارات والهيئات المعنية بالصحة لما ينبغي ان يكون عليه الامن الصحي في البلاد.
* أكاديمي وخبير اقتصادي





كلمات دالة

aak_news