العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

محنة لاجئي الصراع الدامي في سوريا

بقلم: د. محمد العباسي

الاثنين ١٩ ٢٠١٦ - 03:00



لاجئو الصراع الدامي والحرب الأهلية السورية أو اللاجئون السوريون، هم مواطنون سوريون فرّوا من قراهم ومدنهم في أصقاع سوريا مع تصاعد عمليات التنكيل في بداية الأمر في عام 2011 حتى بلوغ الأزمة السورية مراحل القصف بالبراميل المتفجرة ثم التدخل الروسي وجماعات طائفية مدعومة من إيران وتفاقمت الأوضاع بحلول عام 2016. وقد تم تسجيل أكثر من ستة ملايين لاجئ سوري في دول الجوار وخصوصًا الأردن ولبنان وتركيا والعراق، وعلى الأرجح توجد مئات الآلاف الأخرى من اللاجئين غير المسجلين، ويقدر عدد من ينتظرون التسجيل بحوالي 300 ألف شخص.
بدأت عمليات النزوح بعدة مئات بين شهري إبريل ومايو 2011 لتصل مع نهاية السنة الأولى إلى عدة آلاف.. وبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان وحدها مع يناير 2012 وفق المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكثر من 5000 لاجئ، مع آلاف اللاجئين غير المسجلين. بل وصل الأمر إلى قمة التخوف والترقب من تفاقم المعضلة حينما أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي عن استعدادات يقوم بها الجيش الإسرائيلي لاستيعاب آلاف اللاجئين السوريين المحتملين من الطائفة العلويّة في هضبة الجولان السوريّة المحتلّة، في حال سقوط النظام السوري الذي تهيمن عليه الأقليّة العلوية واضطرار العلويين إلى الفرار. بحلول شهر مارس قدّرت الأمم المتحدّة أعداد اللاجئين السوريين داخل سوريا بحوالي 230.000 لاجئ، وخارج سوريا بحوالي 30.000 لاجئ. وبحلول إبريل، أفادت الأنباء الواردة عن تزايد أعداد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة بنسبة 40% في غضون أيام، وبلغ عدد اللاجئين المسجلين حوالي 55.000 لاجئ نصفهم من الأطفال دون سن 18.
ولكم أن تتصوروا حال السوريين بمرور كل شهر وعبر السنوات الأخيرة بالذات مع تزايد العنف والقصف والتهجير وعمليات النظام والجماعات الإيرانية بقصد إخلاء المدن من أهاليها من كل المذاهب المخالفة للعلويين الشيعة والعمل على تغيير الديمغرافية السكانية بشكل ممنهج.. حتى بلغ عدد اللاجئين المسجلين في مخيمات تركيا وحدها مع نهاية 2015 حوالي ثلاثة ملايين سوري.. ناهيكم عن مئات الآلاف غير المسجلين. في الأردن، رغم كل مشاكلها الاقتصادية، يتواجد أعداد من اللاجئين تفوق كل قدراتهم الطبيعية.. ففي مخيمات مثل الزعتري والأزرق والرقبان باتت متخمة فوق طاقاتها بالسوريين.. وكلنا يعلم أن الأردن كانت ولا تزال تحتضن ضيوفها من اللاجئين من العراق وفلسطين منذ سنوات طويلة.. ويشكل الوافدون ضغطا على موارد الأردن المحدودة أصلاً، ما يمكن أن «يكون له تأثير سلبي على الرأي العام الأردني تجاه اللاجئين» بحسب كافة دراسات الأمم المتحدة. وكذلك الأمر مع الوضع في لبنان التي يقدر تدفّق عدد اللاجئين السوريين بعدد كبير جدا في لبنان مع تسجيل 1.1 مليون لاجئ سوري، مما رفع بنسبة 25 في المائة عدد سكان البلاد البالغ عددهم 4.4 ملايين شخص.. وفي تصريح للمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «أنطونيو غوتيريس» العام الماضي، يقول: «وطأة تدفق مليون لاجئ ضخمة على أي بلد.. أما في حالة لبنان، وهو دولة صغيرة تعاني من صعوبات داخلية ومشاكل طائفية، فالتأثير مذهل».
قد يعاني أغلب اللاجئين من صنوف ومشاكل عدة ترتبط بالضرورة بطبيعة الاغتراب والتشرذم والغصة المرتبطة بالهجرة القصرية عن الأوطان والمعيشة في الخيام وأحيانًا في العراء.. ومع مثل هذه الظروف القاسية تأتي قساوة الشعور بالضياع وعدم الأمان والغربة.. بينما تعاني المخيمات بشكل عام من قلة الموارد وظروف الاتكال على المعونات مما يزيد الطين بلة ومهانة ومذلة.. وقد يعاني الكثير من تأثيرات نفسية بسبب فقدان الكرامة بالذات للرجال المسؤولين عن عوائلهم وأطفالهم الصغار.. ومع الأطفال تأتي جملة من المعضلات ربما أهمها لمن يولدون في المخيمات بسبب مشكلة الوضع القانوني والتسجيل من أجل الحقوق الجنسية والمدنية.
ففي تركيا مثلاً، وفقا للقانون التركي في هذا الشأن، فإن الطفل المولود في تركيا ولم يكتسب بولادته جنسية أي دولة كانت لكون أبويه أجنبيين «يعتبر مواطنا تركيًّا منذ ولادته، كما يعتبر الطفل الموجود في تركيا مولودًا فيها طالما لم يثبت عكس ذلك»، ما يعني أنه من المفروض لكل المواليد السوريين أن يجنّسون تلقائيًا باعتبارهم مشمولين بنص القانون المذكور.. لكن واقع الأمر مختلف، فالسوريون يعاملون باعتبارهم «حالة خاصة» ولهم فقرات محددة في قانون الأجانب، بحسب شرح مدير المكتب القانوني بوزارة العدل في الحكومة التركية.. فالقانون لا يتم تطبيقه على أغلب اللاجئين السوريين حيث إنهم لا يعتبرون قاطنين شرعيين في تركيا، ولا بد لهم من الحصول على إقامات شرعية وربما التواجد بشكل شرعي لمدة خمس سنوات قبل تأهلهم لمثل هذا الحق في الجنسية، وبعد الحصول على الموافقات من الجهات الرسمية، وهكذا!
ويوضح مدير المكتب القانوني أن الإقامة «يجب أن تكون شرعية ضمن الدولة التركية»، مضيفا أن «احتساب سنوات الإقامة لا يشمل الفترة الذي قضاها السوري مخالفًا قبل استصداره إقامة في البلد».. ويجب ألا يكون صاحب الطلب حاملا لمرض من شأنه تشكيل خطر على الصحة العامة، ويشترط أن يكون صاحب أخلاق حسنة وحسن السيرة والسلوك، وأن يكون على قدر كاف للتكلم باللغة التركية.. كما يجب عليه أن يكون صاحب مهنة يستطيع إعالة نفسه ومن هم تحت رعايته، وألا يكون ممن يشكلون خطرًا على الأمن القومي والنظام العام.. ويطلب من الأجانب الراغبين في الحصول على الجنسية التركية إضافة إلى الشروط السابقة، أن يتنازلوا عن جنسية البلدان التي يحملون جنسيتها، ويكون مجلس الوزراء مفوضًا بتقدير كل ما سبق.. ويعيش قرابة ثلاثة ملايين سوري في تركيا، بعضهم يتوزعون داخل المدن التركية، وآخرون يقطنون في المخيمات، استصدر معظمهم هويات تعريفية «الكيمليك»، نظرًا إلى التكاليف المرتفعة للحصول على الإقامات السياحية، كما يملك غالبيتهم جوازات سفر منتهية الصلاحية أو ربما لا يحملون معهم أية أوراق ووثائق رسمية أصلاً!!
وهكذا هو وضع أغلب الهاربين من جحيم المعارك في كل دول الجوار.. هربوا بأرواحهم من دون الالتفات إلى مثل هذه المتطلبات والمستندات.. وهكذا نجدهم يعيشون في خيام قد تؤويهم من قساوة البرد في الشتاء لكنهم يفتقرون لمقومات الحياة الأساسية.. بالذات للضحايا الصغار.. فهم محرومون من كل الحقوق.. من التعليم والرعاية الصحية.. من التمتع بطفولتهم حالهم حال أطفال الدنيا.. من كنف الأسرة السعيدة والتربية السوية الصحيحة.. ثم نجدهم يدفعون الثمن غاليًا بسبب حرمانهم من حقوقهم في الانتماء لوطن ما حيثما يكون هذا الوطن! وفي تركيا وحدها تمت ولادة أكثر من 150 ألف مولود خلال سنوات الحرب الماضية وأغلب عوائلهم لا يحملون الوثائق المطلوبة. ففي الأردن بحسب إحصائية 2014 تم تسجيل أكثر من 16 ألف مولود، ومنذ بداية 2016 تم تسجيل حوالي 7000 مولود جديد أغلبهم في مخيم الزعتري.. وأترك لكم تصور عدد المواليد عبر سنوات الحرب منذ 2011 في كافة مخيمات اللاجئين في دول الجوار مجتمعة.. غير الذين يعيشون في الشتات والمهاجرين والنازحين داخل الأراضي السورية.. وعدد من ماتوا جوعًا بسبب الحصار وفقدان الرعاية.. وعدد الأطفال الذين ضاعوا أو تم اختطافهم من ذويهم في رحلات العذاب بين الحدود الأوروبية.. وعدد من لقوا حتفهم في البحار في قوارب الموت أو غرقًا!
لذا تحيرني تلك الصور التي نجد فيها رب أسرة في خيمة ممزقة يشتكي من افتقارهم للمأكل والمشرب وعدم توافر الكهرباء والوقود وأبسط المتطلبات الحياتية.. ويشتكي من صغر خيمته المتهلهلة وكونه يعيش فيها هو وزوجته وعدد من الأطفال كلهم دون الخامسة.. كيف بالله يكون لكم في مثل هذا الوضع المأساوي الرغبة في الإنجاب.. كيف تفاقمون الوضع سوءًا؟ ثم تشتكون؟ ما ذنب هؤلاء الصغار فيما تصنعون؟ كيف بالله تجدون المزاج والوقت والمكان في الإنجاب وأنتم أعلم الناس بسوء الأوضاع وما أنتم فيه من ضياع؟
* أكاديمي بحريني متقاعد
mazeej@gmail.com





كلمات دالة

aak_news