العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

كـــــيـــــف نــــكــــون مـــثــقــفــيــــن؟

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٨ ٢٠١٦ - 03:00



الثقافة ثقافتان: ثقافة تخصص وثقافة عامة، ولكن قبل الدخول في التفاصيل دعونا نُعَرِّف الثقافة، أو نستحضر تعريفا من تعريفاتها التي شاعت بين الناس.
من التعريفات المشهورة للثقافة قولهم: «إن الثقافة هي معرفة شيء عن كل شيء»، أما العلم والتخصص فيه، فهو: معرفة كل شيء عن شيء واحد.
والفرق بين المثقف والمتخصص في علم من العلوم أن المثقف أوسع معرفة من المتخصص، أما المتخصص فقد اختار علما من العلوم وتخصص فيه، وحاول جاهدا أن يعرف كل شيء عنه، وإذا كان العلم في حاجة إلى الثقافة، فإن الثقافة هي الأخرى في حاجة إلى التخصص.
وحين نقول: إن الثقافة ثقافتان، ثقافة تخصص وثقافة عامة، فنحن نعني بذلك أن المتخصص في علم من العلوم بالإضافة إلى حاجته إلى الثقافة في مجال تخصصه من خلال حضور المؤتمرات العلمية في التخصص نفسه، والاطلاع على المجلات العلمية المحكمة، فهو أيضا بحاجة إلى ثقافة عامة ترفد هذا التخصص، وكمثال على ذلك ما حدث لي مع أحد الأطباء عندما أخذت زوجتي إليه، وبعد الكشف والتشخيص كتب لها دواءً، فذهبت إلى الصيدلية، فأخبرني الصيدلي أن هذا الدواء غير موجود، وأن هناك دواءً بديلا له المفعول نفسه، ولكن باسم مختلف، فاتصلت بالطبيب وأخبرته ذلك، فقال لي الطبيب: هذا صحيح الدواء موجود في مصر ولا يوجد في البحرين! فقلت له: يا دكتور كيف تصف لي دواء موجودا في مصر هل تتوقع مني أن أسافر إلى مصر لإحضار هذا الدواء؟!، فقال لي: دعني أتحدث إلى الصيدلي، فاستفسر من الصيدلي عن مكونات الدواء، ثم قال له: أعطه هذا الدواء.
الشاهد في هذه القضية أن الدكتور لو كان لديه قدر من الثقافة في مجال تخصصه لعلم أن هناك دواء له الأثر نفسه، ولكن باسم علمي مختلف، أيضا من الثقافة التي يحتاج إليها أصحاب التخصص ليرفدوا بها تخصصاتهم، ونضرب على ذلك بهذا الطبيب وأضرابه، أن الطبيب بحاجة إلى شيء من الثقافة في علم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرهما من العلوم أو الثقافات المساعدة في مهنة الطب، وذلك لأن الطبيب يتعامل مع الإنسان، ولا بد أن يعرف الطبيب عن نفسية المريض وعن البيئة التي جاء منها.
والسؤال الذي صدرنا به المقال لا يزال قائما، وهو: كيف نكون مثقفين؟
السؤال قد يبدو بسيطا للنظرة السطحية المتسرعة، ولكنه عند التدقيق يكشف لنا عن أبعاده العميقة؛ لأن الإنسان فيه يواجه عاداته التي ألفها واستقرت عنده، ويصادم ما ألفه من الراحة والركون إلى السكون والتراخي، والإنسان عدو لما يخرجه عن مألوف عاداته، والثقافة فعل تصادمي في صراعها للخروج عن المألوف من حياة الإنسان، ولهذا أدركت أنه لا بد من أمر يعين الإنسان على التغلب على ما ألف من العادات، فيختار من الموضوعات التي يطالعها المحبب إلى نفسه، فإذا كان يحب الفن مثلا فليقرأ في الفن، ومن يهوى الرياضة يقرأ في الرياضة ليكون ما يحب عونا له على ما لا يحب، بمعنى أن يكون حبه للفن أو الرياضة مساعدا له، ومشجعا على ما يكره من الجلوس ساعات مع الكتاب، وتغيير ما اعتاد عليه، من هنا هُديت إلى القاعدة الثقافية التي تقول: «اقرأ ما تحب، حتى تحب ما تقرأ»، ولقد أعانتني هذه القاعدة في حياتي الثقافية كثيرا، فقد حببت القراءة إليَّ، وجعلت صحبة الكتاب والجلوس معه ساعات طويلة من الأمور التي أحرص عليها في حياتي، وصارت القراءة فعلا محببا إلى نفسي أمارسه يوميا، ويربطني بالبيت، فلا أشعر بالوحشة أو الملل وأنا في صحبة الكتاب.
لقد بدأت تفعيل هذه القاعدة الثقافية في حياتي بأن أبدأ بقراءة الكتب التي أحبها، وكانت القصص العربية والأجنبية المترجمة، فشعرت برغبتي في القراءة تتنامى، حتى إذا ما تمكنت مني عادة القراءة صرت أحب ما أقرأ، وبدأت اختيار وقراءة الكتب التي تناقش القضايا المختلفة في الدين والسياسة والأدب، وكنت إذا واجهت بعض الصعوبة في فهم أو استيعاب كتاب معين أؤجل قراءته إلى وقت آخر، وأنصرف إلى كتاب أجد في نفسي ميلا إليه.
أما عن ندرة الكتب، وضيق ذات اليد التي تحول دون الحصول على الكتاب، فإن هذا يجب ألا يقف حجر عثرة في طريق من يهوى القراءة، أو يسعى إلى تحصيل شيء من المعرفة، فبإمكانه أن يستعير الكتاب الذي يحب أن يقرأه من صديق، أو من مكتبة خاصة أو عامة حتى يتيسر له الكتاب من مكتبته الخاصة، وعلى الإنسان أن يجعل له ركنا خاصا في بيته يضع فيه مكتبة فيها بعض الكتب التي يعود إليها بين وقت وآخر، وعليه أن يشجع أبناءه ومن يعيشون معه على حب القراءة والتعود عليها، ويبين لهم فوائد القراءة، وأثر الثقافة في حياتهم العملية، وأذكر ونحن طلبة في المدارس أن الأساتذة أو بعضهم كانوا يشجعوننا على القراءة، ويرشدوننا إلى اختيار الكتاب المناسب لتطورنا العلمي، بل كانت هناك حصة للمطالعة الحرة يختار فيها كل طالب الكتاب الذي يحبه ويميل إليه، فنشأت بيننا أو بين بَعضنا وبين الكتاب أُلفة ظلت ملازمة لنا حتى بعد تخرجنا في المدرسة، ما كان له أكبر الأثر على حياتنا الثقافية فيما بعد، وكان هذا يسد بعض النقص أو القصور في مناهج التربية والتعليم التي قد تخلق بعض النفور بين الطالب والكتاب.
هذه بعض وسائل وسبل التكيف مع الكتاب، والاعتياد عليه، وحمل النفس على ما تكره للوصول بها إلى ما تحب، وبهذا نكون مثقفين، ولنا دور فاعل في المجتمع.
aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news