العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تطبيق «الهندرة» في القطاع الحكومي العام

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٨ ٢٠١٦ - 03:00



يخطئ من يعتقد أن تطبيق الهندرة –إعادة هندسة العمليات الإدارية– في القطاع الحكومي يمكن أن يسبب تسريح العاملين والموظفين ويمكن أن يؤدي إلى فصلهم تعسفيا، وهذه الفكرة، وإن كانت مرتبطة بصورة جلية بالهندرة، فإنه عند تطبيق الهندرة في القطاع العام يمكن التعامل مع ذلك بصورة عملية مناسبة، حتى إنه يمكن ألا يسرح موظف واحد من عمله، وذلك من خلال عديد من الإجراءات الذكية والعملية التي تؤدي إلى الاستفادة من كل العاملين في المؤسسة بصورة عملية مناسبة.
وقبل أن نسترسل في هذا الموضوع لنسأل أنفسنا ماذا لو فكرت الحكومة في هندرة عملياتها الإدارية، ماذا ستجني المؤسسات الحكومية من ذلك؟ وجدنا من خلال عملنا وبحثنا في هذا المجال أن على المؤسسات الحكومية أن تفكر بجدية في السعي نحو تطبيق مثل هذه المنظومة وذلك لعديد من الأسباب، التي منها:
التخفيف من الكلفة: من المعروف إداريا واقتصاديا أن المؤسسات الحكومية حينما تقدم الخدمة –أيا كانت حتى لو كانت بسيطة كاستخراج شهادة راتب مثلا– فإنها تقوم بذلك بكلفة معينة، هذه الكلفة ناتجة من مجموع ما تنفقه على الموظف الذي سيقوم بتنفيذ الخدمة، وثمن البيئة الموجود فيها الموظف (من توفير الكهرباء والمكيفات والماء النقي والإضاءة المناسبة، وما إلى ذلك)، وكلفة كل الأجهزة والأدوات التي قدمتها المؤسسة لتسهيل عمل الموظف حتى يقوم بتوفير الخدمة المطلوبة، بالإضافة إلى الكلفة اليومية التي تقدمها المؤسسة لتقديم الخدمة، كل هذه مبالغ مالية تصرفها المؤسسة بصورة دائمة، وسواء قام الموظف بتقديم الخدمة أو لم يقم، فإن هذه المبالغ تصرف يوميا.
وكلما طالت فترة إنجاز المعاملة، فإن ذلك يزيد ثمن الكلفة الواقعة على المؤسسة، والعكس أيضا صحيح. ونعرف اليوم أن إطالة فترة إنجاز المعاملات تظهر بسبب تدوير المعاملة الواحدة على كثير من الإدارات والموظفين لعمل الإجراءات والتوقيعات والأختام التي ربما لا يكون لها داع، وإنما تعد هي من الشكليات التي ترافق إنجاز المعاملة، وإن سألت عن سبب كل هذه الشكليات لا يعرف أحد لها سببا، وإنما هي كذلك، والموظف عندما تم توظيفه وجد أن المعاملة لا تنجز إلا بهذه الطريقة، لذلك هو يقوم بها بهذه الطريقة، وهذه هي فكرة نظرية «الانقياد».
ومن الجدير بالذكر أن هذا الجانب إن كان واضحا فإننا لا نود مشاهدته، وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك جوانب أخرى يصعب قياسها ومشاهدتها، فمثلا:
لو بلغ ابن (إبراهيم) السن القانوني لتسجيله في المدرسة، فماذا يمكن أن يفعل إبراهيم لتسجيل ابنه في المدرسة؟
ببساطة يذهب إلى المدرسة الموجودة في المجمع الذي ينتمي إليه ويقدم المستندات المطلوبة لتسجيل ابنه في المدرسة في العام القادم، هذه العملية كم تستغرق؟ وكم تكلف الدولة؟ والأدهى من ذلك أن هناك بعض الدول مازالت تطالب ولي الأمر بالذهاب إلى وزارة التربية أو المنطقة التعليمية لتسجيل ابنه.
الذي يحدث أن يستأذن (إبراهيم) الذي يعمل في مؤسسة (ب) من العمل عدة ساعات ليذهب إلى المدرسة لإنجاز ذلك العمل، هذا الاستئذان وهذا الخروج من العمل يكلف الدولة مبلغا من المال؛ هذا المبلغ ناتج عن خروج (إبراهيم) من مكان عمله وذهابه إلى المدرسة، وهذا يعني أن الأعمال يمكن أن تتراكم في المؤسسة (ب) نظير خروج إبراهيم من مكان عمله، إذ ربما يتوافد بعض المراجعين ليتم إنجاز أعمالهم، ويجب الملاحظة أن هذه الأعمال يقوم بها إبراهيم فقط.
فماذا يحدث للمراجعين؟ أعمالهم تتأخر، وخروجهم أصلا من مقرات أعمالهم يؤخر آخرين، وهكذا الدائرة والسلسلة تستمر إلى ما لا نهاية، كل هذا التأخير وكل هذا الخروج من العمل والاستئذان وما يرافق ذلك من عرقلة حركة السير في الشوارع وما إلى ذلك كم يكلف المؤسسات الحكومية والدولة؟
ولكن دعونا نلقي نظرة أخرى على الموضوع ولكن بمنظار الهندرة.
في لحظة ولادة ابن (إبراهيم) تستخرج له شهادة الميلاد وبطاقة شخصية، بعض الدول تسميها البطاقة الذكية بسبب أنها تحوي شريحة إلكترونية بها كل المعلومات الخاصة بهذا الإنسان، وبعض الدول تسميها البطاقة المدنية، وبعض الدول مازالت تسميها البطاقة الشخصية، وبعض الدول لا تستخدم هذه البطاقة.
توجد في الشريحة الموجودة على البطاقة كل المعلومات الخاصة بالطفل، متى وُلد، ومواعيد التطعيمات الإجبارية التي يجب أن يأخذها طوال حياته ومتى وفي أي مركز صحي يجب أن يأخذها، وكذلك السن القانوني لدخول المدرسة، وكل ما يريده الإنسان ويخصه حتى سن التقاعد عن العمل.
وبين فترة وأخرى تضاف المعلومات الإلكترونية للشخص على هذه الشريحة، بحيث لا يحتاج إلى مستندات ولا وثائق يجب أن يقدمها حين الرغبة في دخول المدرسة.
وفي الموعد المحدد لأخذ تطعيم معين يأتي لولي الأمر عبر التلفون الذكي إشعار أن ابنك لديه تطعيم بتاريخ كذا، فعليك أن تأخذه في اليوم المحدد إلى المركز الصحي الذي أنت وأسرتك تابعون له لأخذ التطعيم، فيذهب الأب أو الأم بالولد لأخذ التطعيم، ولا يستغرق ذلك إلا دقائق معدودة.
وفي الموعد المحدد يأتي إشعار لولي الأمر أن ابنك من المسجلين في الدفعة القادمة للالتحاق بالمدرسة، لذلك مع بداية السنة الدراسية المطلوب منك أخذه إلى المدرسة الفلانية الموجودة في المجمع الذي تنتمي إليه لينضم إلى المدرسة مباشرة من غير تسجيل ولا أخذ أوراق ولا سجلات.
وعندما يبلغ الإنسان سن التقاعد يأتيه إشعار قبل السن القانوني أنك سوف تبلغ سن التقاعد بعد سنة -مثلا- لذلك تستطيع أن تجهز نفسك منذ الآن وأن تستعد لذلك، وستكون أوراقك جاهزة كلها في المؤسسة الفلانية في الشباك رقم كذا.. بتاريخ كذا.
وقد يقول قائل هذه أحلام يصعب تطبيقها، ونحن نقول: إنه من الممكن تطبيقها من غير عناء، ولكن تحتاج إلى عمل من نوع آخر.
ومن جانب آخر فإن خرج موظف لإنجاز بعض أعماله الخاصة من مقر عمله، فإن أعماله لن تتراكم ولن يتعطل المراجعون، وذلك بسبب أنه عند تطبيق الهندرة في المؤسسة فإن المؤسسة -كما أشرنا سابقا- تعمل بنظام فرق العمل أو فرق العمليات، شخص يمكن أن ينوب عن شخص، لأنه في فرق العمل يمكن لأي شخص أن يعوض الشخص الآخر.
ترى كم يوفر ذلك على ميزانية الدولة؟
ولنا لقاء آخر في الأسبوع القادم لنتواصل حول هذا الموضوع.
Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news