العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

بريد القراء

بـربـع جـسـد..قـهـر الـمـسـتـحـيـل وعـاش بـروح الـتـفـاؤل

السبت ١٧ ٢٠١٦ - 03:00



الإرادة والإصرار موهبة لا يمتلكها إلا الأقوياء الذين يقفون أمام العقبات التي تواجههم بكل شجاعة، ولا يدعونها تتغلب عليهم، بل يتمكنون من كسر جميع الحواجز ليصلوا إلى هدفهم الذي يصبون إليه بكل ما أوتوا من قوة، ولا أقصد هنا القوة الجسدية، بل قوة الإرادة والعزيمة، والفكر والثقافة والثقة بالنفس، فعندما نتحدث عن الإيجابية وماهية الطاقة الإيجابية، وحين نتحدث عن الإلهام، وحين نتحدث عن غلبة الإرادة وقهر التحديات، فإننا لا بدَ أن نرى قدوة أو نكون في حضرة رمز من رموز تلك النفحات التي أسكنها الله في حياتنا لنستدل ونتعظ بها. فالحياة الأفضل تحتاج إلى الإيجابية والإيجابيين والإلهام والملهمين، وهي لا تعرف الخجولين ولا المرتعشين، بل تقوم على أكتاف الموهوبين والحالمين والمتحدين الذين يقهرون القهر ولا يعرفون المستحيل في الحياة طالما أن هناك إيمانا مطلقا بالله سبحانه وتعالى وبقدرته العظيمة في تدبير شؤون خلقه، فكما يأخذ منا شيئا ما، يمنحنا بالمقابل أفضل منه. وهذا ما حدث مع الطفل القطري (غانم المفتاح) الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، وهو يعاني من حالة إعاقة نادرة عالمياً وهي (متلازمة التراجع الذيلي).
ولد غانم المفتاح في الدوحة في الخامس من مايو 2002 بعدما حملت والدته للمرة الثانية وشعورها بأن متاعب الحمل فاقت الحد الطبيعي، وبعد أن خضعت إلى عدة فحوصات قيل لها بأنها تحمل توأم، غمرها الفرح على الرغم من معاناتها من الألم، وفي شهرها الرابع أخبرها الطبيب أن أحد الأبناء غير مكتمل في عموده الفقري، فغلبها الشعور وفاضت عيناها بالدموع، أخبرت زوجها بما قاله الطبيب، وقال لها: «لا تقلقي سأكون إن شاء الله رجله اليمين وأنت رجله الشمال».
وبعد مرور الأيام طلب الأطباء من الأم أن تجهض ابنها المعاق، لكنها رفضت بسبب ما كانت تشعر به من دقات داخل أحشائها تقول لها إنه سيعيش فقالت للأطباء: «لو أن عينه فقط ترف أريده، لقد وضعه الله في رحمي وهو أرحم منكم به».
وفي الشهر السادس أقبلا (غانم وأحمد)، وكانت نظرة الكادر الطبي صاعقة يائسة بعيش (غانم) بسبب التشوه الكبير في جسده، ويتضمن فقده لحوضه ونصف عموده الفقري، وثلث ضلوعه ورجلاه صغيرتان مشوهتان ليس بهما حياة، جميع أحشائه الداخلية تقع في صدره تتزاحم رئتيه بسبب جسده الصغير، لذلك يعاني من صعوبة في التنفس، واحتاج الأمر إلى متابعه طبية مستمرة. وكانت دعوات أهل غانم بأن يموت حتى لا يعاني والداه وغانم من الألم الدائم، لكنه تحدى كل شي ورفض أن يستسلم على الرغم من جسده الصغير المشوه والإعاقة الشديدة. ومرت السنين وكل من حوله (أطباء، أهل، أصدقاء، معارف) تزداد دهشتهم فإعاقته نادرة ومن الصعوبة أن يستمر، ولكنه يناضل ويبتسم وينخرط مع الأطفال ويلعب معهم ويعيش كباقي الأطفال، وكانت رغبه والديه في التقاعد من عملهما لكي يُسخرا أنفسهما لرعاية ابنهم ويعيش في المجتمع كفرد فعال، وإصرارهم على دخول ابنهم المدرسة بعد رفض كل المدارس قبوله، لأنهم ينظرون لجسمه لا إلى عقله ! فقررت والدته أن تفتح مدرسة له ولأقرانه.
وعلى الرغم من تعدد المواعيد في المستشفى والسفر إلى الخارج لتصنيع الأجهزة الطبية لمساعدة غانم على الجلوس بشكل صحيح، إلا أن أسرته المكونة من (والده ووالدته وأخته وأخيه التوأم) يقطفون من السعادة الشيء الكثير ويخرجون ليستمتعوا بالثانية والدقيقة بكل حب.
المعجزة غانم هو أول طفل خليجي من ذوي الإعاقة يخرج للإعلام بهذا الشكل الكبير، وقالت والدته من أسباب لجوئي إلى لإعلام هو تشجيع الأمهات لتقديم أبنائهم ذوي الإعاقة للمجتمع؛ حتى يعلم العالم مدى فخرنا كأسرة بغانم.
سّطر غانم محافل وإنجازات لا نستطيع نحن الأصحاء أن نفعلها! فقد اختارته مؤسسة (أيادي الخير نحو آسيا «روتا» ثالث وأصغر سفرائها للنوايا الحسنة، واختاره مركز قطر للمال كسفير لحملاته الدعائية ومبادرته التي تهدف إلى دمج ذوي الإعاقة في الحياة العملية وتنمية مهاراتهم). وكما أطلق مبادرة لإغاثة اللاجئين السوريين في الأردن تحت مظلة الهلال الأحمر القطري. وبعد تصويره للفيلم الوثائقي (رحلة الأعماق) والذي يعرض فيه تجربته في رياضة الغوص، اختاره بنك بروة ليكون سفيراً لهم لما يمثله من سمات إنسانية يحتذى بها الجميع.
(غانم التحدي والفوز) (لاشيء اسمه مستحيل.. بقوة الإرادة والتحدي أحقق جميع أهدافي) هذه بعض المقولات التي كان يرددها في البرامج التلفزيونية وفي المؤتمرات التي كان يُكرم فيها، ويقول: «أرغب في أن أكون عالم بحار لأنني أحب البحر، وحالياً أتدرب على الغوص، وأطمح كذلك أن أكون وزير الخارجية لأنني أحب السفر والدبلوماسية، وأن أكون إنساناً إيجابياً، وأحمل رسالة وحباً وسلاماً لأطوف بها العالم، حتى إن كنت صغيراً فأعتقد أنني أستطيع أن أقدم شيئاً للمجتمع».
أنشأ غانم جمعيات وشركات منها شركة (غريسة للآيسكريم) ولها خمسة فروع في الدوحة، ويدير أكثر من خمسين موظفاَ. وأيضاَ جمعية (غانم الرابح) للكراسي المتحركة، وهي جمعية ليس لها صفة رسمية، ومقرها منزله ويسعون من خلالها إلى شراء عدد من الكراسي وتوزيعها على المحتاجين. وكما سعت والدته إلى تأسيس نادي غانم الرياضي.
ويتواجد ابن الدوحة بشكل مستمر في جميع مواقع التواصل الاجتماعية، حيث إنه يسجل حضوراً يومياً على موقع الإنستغرام ويلتقط الصور ومقاطع الفيديو المليئة بالمغامرات والأنشطة الرياضية العديدة مع شخصيات بارزة على مستوى العالم بل يتحداهم مثل ركوب الخيل والسباحة والتزلج على الجليد وغيرها ويضم ما يقارب المليون متابع، هؤلاء الذين يبدون سعادتهم بوجود طفل ملهم كغانم، ذلك الكم الكبير من الفصاحة وبشاشة الوجه، ناهيك عن الهمة العالية والثقة القوية بالنفس، جعلت من «غانم محمد» طفلاً استثنائياً.
الطموح والإرادة والنجاح حق مشروع للكل، والعجز هو عجز العقل لا عجز الجسد والأطراف، وإن الألم الذي يسكن داخلنا لا يمكنه أن يحجب النور الكامن فينا. وعلينا أن نترك بصمة في هذه الحياة ولا نجعل العقبات توقف أمام طريقنا، فليس هناك أسوأ من عقبات الطفل غانم، ورأينا كيف تغلب عليها ولا يأبه لها..النجاح لا يحتاج إلى أقدام بل إلى إقدام.
سياف شاجرة





كلمات دالة

aak_news