العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات
وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق للثقافات الوطنية الافتراضية

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ١٧ ٢٠١٦ - 03:00



للفيلسوف والناقد السيميائي والروائي الإيطالي المتخصص في التاريخ القروسطي إمبرتو إيكو كتاب بعنوان «لانهائية القوائم من هوميروس حتى جويس». والكتاب قائم على موضوع القوائم والمجموعات والموسوعات، وقد انبثقت فكرة هذا الكتاب -كما يذكر إيكو- عندما دعته إدارة متحف اللوفر لينظم طوال شهر نوفمبر من عام 2009 سلسلة من المؤتمرات، والمعارض، وجلسات القراءة للجمهور المتلقي، والحفلات الموسيقية التي تختص بموضوع يختاره هو. وقد اختار إيكو فكرة أو موضوع القوائم التي ظهرت في الثقافة الأوروبية منذ بنيتها الإغريقية التأسيسية الأولى انتهاء إلى العصر الحديث. ولقد أتيتُ بهذا المثال كي أبين أهمية فكرة الموسوعات الثقافية الشاملة في تأسيس البنية الثقافية الأولية للمتلقين مهما كانت فئاتهم، وفي الأرشفة الثقافية التي ستتيح للباحثين في الحاضر والمستقبل استثمار العدة الثقافية المتاحة لديهم، وفي تفعيل التواصل الثقافي بين مختلف الفاعلين الثقافيين في شتى أنحاء المعمورة للتعاون والتواصل والتنسيق فيما يخص الموضوعات والقضايا الثقافية المتشابهة.
اختلف مفهوم الثقافة الآن وفقا للتطورات الكبيرة الحادثة في عصر ما بعد بعد الحداثة من دخول ما يسمى «الفضاء الافتراضي» بوسائل التواصل الاجتماعي ذات التأثير الفاعل والسريع؛ ولقد أفرزت هذه الوسائل نجومية شهرة «سوبر ستار» لعدد من الأفراد والمؤسسات والشبكات أتاحت لهم متابعة من الملايين حول العالم. ويُعد الشأن الثقافي واحدا من أهم المجالات التي يمكن استثمار الفضاء التفاعلي في سبيل ترويجه وتسويقه. إن الإبداع العربي التفاعلي لا يزال حتى الآن في حكم القليل والنادر سواء تحدثنا عن الرواية التفاعلية أو المسرحية والقصيدة التفاعلية، ولا يزال هذا الأمر بحاجة إلى جهود كبيرة رسمية وغير رسمية للنهوض به وتحقيقه، والمعروف أن حجم المحتوى العربي الرقمي لا يشغل سوى اثنين في المائة من حجم المحتوى الرقمي العالمي على شبكة الإنترنت، وإذا أتينا إلى هذه النسبة الضئيلة والمخجلة جدا سنجد أن المحتوى الثقافي العربي الرقمي يمثل نسبة لا تكاد تذكر!
تحظى وسائل التواصل الاجتماعي بعناية عدد كبير من المتابعين لها وخاصة فئة الشباب الذين هم من المتابعين الأكثر حضورا لمثل هذه الشبكات. وهذا يقودنا إلى ضرورة الاستفادة من هذه الوسائل فيما يخص الترويج ثقافيا لكل ما يتعلق بهويتنا الثقافية. وأشيدُ هنا بجهود معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار على جهودها البارزة في التسويق للبحرين ثقافيًا من خلال دليلها الإلكتروني لكل ما يخص الفعاليات الثقافية المقامة في البحرين إلى جانب المشاريع والمعالم الثقافية. ولكن إلى جانب هذه الجهود الواضحة يجب أن يكون للبحرينيين أنفسهم من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي -وخاصة من لديهم عدد كبير من المتابعين- أقول يجب أن يكون لديهم وعي وطني حقيقي لتسويق الثقافة البحرينية افتراضيا؛ فثقافة أي أمة دليل على رقيها وذائقتها الرفيعة. وكذلك يجب أن يكون للمثقفين البحرينيين دور مهم في التعريف بثقافة وطنهم والترويج له، وخاصة لمن يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة من التويتر والفيس بوك والإنستجرام، وهذا الأمر واجب وطني في المقام الأول والأخير، والبحرين الغالية تستحق منا التضحية كلها والبذل كله لبلد العراقة الممتدة منذ آلاف السنين، وللبلد الخليجي السبّاق ثقافيا في انفتاحه على العوالم الثقافية المتنوعة منذ أقدم العصور. وهنا أقترح أن تخصص جهة حكومية أو مؤسسة ثقافية غير رسمية جائزة لأفضل محتوى ثقافي رقمي يسعى للتعريف بالثقافة الوطنية البحرينية وترويجها افتراضيا. ولا شك أن جائزة مثل هذه ستبرز التنافس بين مختلف مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي من البحرينيين.
اجتذبتني المبادرة الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة ممثلة في جهود وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الإماراتي معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان بإنشاء الموسوعة الوطنية الثقافية لدولة الإمارات، وهو المشروع الأول من نوعه الذي يستهدف التوثيق الكامل لبيانات المنجز الثقافي الإماراتي والمبدعين والمثقفين والفنانين والإعلاميين من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة. إضافة إلى توثيق الأعمال الإبداعية والفكرية والفنية التي أنتجها هؤلاء، وتوثيق معلومات وبيانات المؤسسات الثقافية الفاعلة في الإمارات. وتنقسم الموسوعة تحريرا ست فئات رئيسية، هي: الشخصيات الثقافية، والمنتجات الثقافية، والمؤسسات الثقافية، والجوائز الثقافية، والقراءات في منجز الثقافة والفنون، والحيز الخبري التوثيقي لفعاليات الثقافة والفنون في دولة الإمارات.
إن قضايا «الأرشفة الإلكترونية» من أكثر القضايا الإشكالية والمعضلة في الوطن العربي الذي لم يتعلم نظام الأرشفة إلا بفعل التأثير الاستعماري «الكولونيالي». وبقيت الأرشيفات الورقية تئن وتتبعثر وتتمزق وتتكدس بفعل الثقافة التقليدية، وفي النهاية نجد أنفسنا أمام ضياع مئات الوثائق والمخطوطات التي تشهد على ذاكرة أمة ووطن في حين أن نظام «الأرشفة الإلكترونية» سيحفظ تلك الذاكرة التاريخية والثقافية من الضياع، ويتيحها لاطلاع أكبر عدد من المستخدمين والمتلقين في مختلف أنحاء المعمورة.
وهذه دعوة إلى أن تُنشئ وزارات وهيئات الثقافة الخليجية مؤسسة ثقافية افتراضية موحدة تنظم في سياق العمل الخليجي الموحد والمشتركوضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي. وهذه المؤسسة الثقافية الخليجية لو تحققت أيضا فإنها ستشكل فتوحات ثقافية حقيقية تعرف العالم أجمع بالثقافة الخليجية المتنوعة والثرية لتحطيم الصورة النمطية الشائعة للأسف عن ثقافة «البترودولار» التي زُيِّفت للأسف بفعل أقلام تحقد على الخليج العربي وأهله وشوّهت العمق الكبير لتنوع الثقافات خليجيا، ولذا أرجو أيضا من مسؤولي الثقافة الخليجيين الانتباه إلى مثل هذه المبادرة وتفعيلها كي نسوق ثقافتنا الخليجية بما يليق بها وبمكانتها وبثرائها. وللمقال تتمة للحديث عن مشاريع ثقافية إماراتية لها ريادتها الإبداعية عربيا.
* أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، جامعة البحرين

dheyaalkaabi@gmail.com



كلمات دالة

aak_news