العدد : ١٥٤٨٠ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٠ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان هل تعرف عمرك حقا؟ (2)

بقلم: د. خليل حسن *

السبت ١٧ ٢٠١٦ - 03:00



هل تعرف عمرك حقا؟ قد يبدو سؤالا غبيا، والحقيقة أن شرح معنى هذا السؤال متشابك ومعقد. فلا نتكلم اليوم وفي الألفية الثالثة عن العمر الزمني، والذي لم يعد مهما جدا، لأننا لا نستطيع تغييره، بل نتكلم عن العمر البيولوجي للإنسان، الذي يعتمد على أسلوب حياتنا، ليحدد افتراضية لأي سن سنعيش في حياتنا. وهناك برامج بيولوجية إحصائية يمكن أن تحدد عمرنا البيولوجي، وتعطينا فكرة عن مدى عمر حياتنا الافتراضي. فقد تكون زمنيا في الثلاثين من عمرك، وأنت بدين جدا، وتدخن كثيرا، وضغطك عالٍ، ومصاب بارتفاع في السكر والكولسترول، ولا تمارس الرياضة، وتعيش حياة خاملة تعيسة، ومعرض نفسك دائما للقلق والانفعال والغضب، ومشاحنات شبكات التواصل الاجتماعي، وتكثر من أكل السكريات والدهون والشحوم واللحوم الحمراء، ونادرا ما تأكل الخضروات والسلطات والفواكه، وتتعشى متأخرا في الليل، لذلك تكون بيولوجيا في الخمسين من عمرك، ويعني ذلك بأنك قد قصرت من عمرك عشرين سنة بأسلوب معيشتك الحياتية هذه. أو قد تكون في الستين من العمر، ولم تدخن أبدا، نشيط وسعيد، وتمارس الرياضة يوميا، ومعتدل الوزن وبخصر نحيل، وضغطك طبيعي، ومستوى السكر والكولسترول في دمك طبيعي، وتأخذ مشاكل الحياة بهدوء، من دون قلق ولا انفعال، ويشمل أكلك حمية متناسقة تجمع بين قليل من الأرز والخبز، مع البقوليات والأسماك واللحوم البيضاء والألبان، والخضرة والسلطة والفاكهة، وتتعشى مبكرا في المساء، لذلك قد يكون عمرك البيولوجي أربعين عاما، بمعنى أنك قد أضفت لعمرك عشرين سنة إضافية خالية من معاناة الأمراض، أو بمعنى آخر أنك أخرت شيخوختك، ووقيت نفسك من أمراضها، كالضغط وزيادة السكر والكولسترول وما يرافقها من جلطة قلبية وسكتة دماغية، والسرطان، وربما الخرف المبكر. والقضية الأساسية ليس لأي عمر يعيش الإنسان، بل القضية الأهم هي كيف يمكن أن يعيش الإنسان حياته من دون أن يعاني من أمراض الشيخوخة، التي يمكن أن يصاب بها الإنسان في أي عمر، كمرض السكر وأمراض انسداد الشرايين، وخاصة الجلطة القلبية والشلل الدماغي، بالإضافة للسرطان. وقد تعقدت الأمور أكثر في الوقت الحاضر بعد أن تطورت العلوم التشخيصية، التكنولوجية المخبرية والمقطعية التصويرية، والعلاجية الدوائية والجراحية، وترافقت بتشخيصات معقدة متشابكة، وقد تكون مبكرة، كما ترافقت بتطور القطاع الخاص في الرعاية الصحية، بمعنى أن جشع الربحية أصبح خطرا مهما في الرعاية الصحية اليوم، والذي أضعف الرعاية الأولية والوقائية، كما شجع على زيادة التشخيصات التي قد لا تحتاج للعلاج، كما رفعت من نسب إجراء العمليات. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل يحتاج الإنسان اليوم لأن يؤمن حقا بأن مثقال وقاية خير من قنطار علاج؟ أي هل يحتاج الإنسان أن يعيش أسلوب حياة هادئة رصينة حكيمة، يرافقها بتوازن في الأكل، ويجمع بين الرياضة والسعادة؟ أليس العقل السليم في الجسم السليم؟ أليس العقل السليم يحتاج للرصانة والحكمة والرزانة، لينتهي بنفس هادئة قنوعة هنيئة سعيدة؟ ألم يصبح مقلقا أن يتعرض الإنسان اليوم للأمراض، بعد أن أصبحت الربحية جزءا مهما في قطاع الرعاية الصحية الخاصة؟ وهل نعيش اليوم مرحلة «مخيفة» من تداخل مصالح الرعاية الصحية الخاصة بين المستشفى، والطبيب، وشركات الأجهزة التشخيصية، والمعدات والأجهزة الجراحية، ومع الأدوية العلاجية؟ وهل أدى هذا «التداخل» لارتفاع نسب وصف الأدوية الجديدة الغير مجربة والمكلفة جدا، مع زيادة نسب إجراء العمليات الجراحية؟ وهل ترافق ذلك بارتفاع نسب الأخطاء الطبية في الرعاية العلاجية والجراحية، بل لتكون اليوم أحد الأسباب الرئيسية للوفيات؟ ولنكرر باختصار شديد هل عادت نظرية مثقال وقاية خير من قنطار علاج حقيقة مهمة؟
حاولنا للإجابة على هذه الأسئلة في الأسبوع الماضي مناقشة مجموعة من المقالات التي برزت في الإعلام الأمريكي، ولنكمل هذا الأسبوع باقي هذه المقالات. حيث ننتقل إلى موضوع نقاش آخر حول أهمية المحافظة على الصحة بالوقاية، وتجنب الأمراض وعلاجاتها بالأدوية والعمليات الجراحية، وهو موضوع الأخطاء الطبية في المستشفيات، والسؤال المهم اليوم: هل فعلا المستشفى مكان آمن للعلاجات الدوائية والجراحية؟ وللإجابة على هذا السؤال لنتدارس معا مقالا كتبه مارتن شكرلي، بصحيفة الواشنطون بوست، في الرابع من شهر مايو الماضي، وتحت عنوان، الأخطاء الطبية السبب الثالث للوفاة في الولايات المتحدة، ليقول: «كابوس من القصص عن ممرضات تعطي أدوية خطيرة لمريض خطأ، بدلا من المريض الذي يحتاج إليه، بل وإزالة الجراحين خطأ عضوا سليما من مريض، بدلا من العضو المريض المصاب. فقد نشر في المجلة البريطانية الطبية في هذا الشهر دراسة تبين بأن الأخطاء الطبية شائعة جدا في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، وقد تكون السبب الرئيسي الثالث للوفاة في الولايات المتحدة، والتي تسبب وفاة مائتين وواحد خمسين ألف مريض سنويا، أي أكثر من وفيات الأمراض التنفسية والحوادث والجلطة الدماغية ومرض الزهايمر. وقد وضح البرفيسور مارتن ماكاري، أستاذ الجراحة في كلية الطب بجامعة جون هوبكنز الأمريكية المشهورة، الذي قاد البحث الطبي، في مقابلة صحفية، بأن القضية تشمل كل شيء من أطباء سيئين حتى الأنظمة، ومن التواصل الخاطئ منذ انتقال المريض من قسم إلى آخر، ولتنتهي بموت المرضى من الرعاية التي تقدم لهم، بدلا من المرض الذي يتعالجون منه. وقد أصبح سلامة المرضى موضوعا أساسيا اليوم في الرعاية الطبية والصحية». ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل حان الوقت لتجنب المرض، وتجنب علاجات المرض، وتجنب عمليات المرض، وتجنب دخول المستشفى، بالمحافظة على صحتنا من الأمراض، ألم تؤكد هذه الأبحاث بأن مثقال وقاية خير من قنطار علاج مرة أخرى؟
لقد نشر في عام 1999 تقرير مؤسساتي يبين أن الأخطاء الطبية في الولايات المتحدة سبب في وفاة ثمانية وتسعون ألفا سنويا، بينما جمعت أبحاث البروفيسور ماكاري أربعة تقارير كبيرة منذ عام 2000 وحتى عام 2008 والذي قدر بأن هناك مائتين وواحد وخمسين ألف وفاة سنويا بسبب الأخطاء الطبية، بحوالي سبعمائة وفاة يوميا، ولتمثل 9.5% من أسباب جميع الوفيات سنويا، ويؤكد البروفيسور ماكاري أنه قد عمل مع فريقه حول هذا البحث لأن معظم المؤسسات الطبية تتجنب الخوض فيه، بل لا توجد أنظمة دقيقة للبحث عنها والتصريح بها أو الإعلان عنها. كما أن مراكز التنظيم والوقاية الأمريكية لا تطالب بذكر الأخطاء الطبية في رموز تقاريرها، وقد تكون هذه الأرقام قمة الجبل الجليدي للأخطاء الطبية، لذلك هناك حاجة لكي يعلن الأطباء والمستشفيات أية أخطاء طبية في ممارساتهم اليومية، لكي نعرف النسب الحقيقية، ومدى مناقشتها علنيا. وتبين الدراسات بأنه لم تبرز تغيرات إيجابية في هذا المجال ما عدا موضوع أنتانات المستشفيات، التي تبين تحسن في الإعلان عنها. ومن التحديات الكبيرة هي اختلاف أنظمة العلاج في المستشفيات في الولايات المتحدة، وكيفية الإعلان عن الأخطاء، وكيفية علاجها والوقاية منها.
وقد قارن بروفيسور ماكاري الخدمات العلاجية بخدمات الطيران فقال: «هناك تحمل كبير لاختلاف نوعية الرعاية الطبية بين المستشفيات، عما نراه في الصناعات الأخرى. فحينما يدخل المسافر للطائرة، هناك مستوى محدد لاستقباله، من خلال طريقة التعامل معه وكلام المضيفة وتجهيزه للرحلة، بينما لا توجد هذه المعايير العامة في المستشفيات. لذلك يصعب اكتشاف مواقع الأخطاء وعلاجها والوقاية منها مستقبلا، لذلك على الحكومات أن تعمل مع المستشفيات لمحاولة تحسين هذه الأوضاع. كما على المستشفيات أن تعالج الأخطاء بنفس طريقة إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، حيث تقوم هذه الإدارة أولا بمعرفة درجة المعضلة في حالة حوادث الطيران، ومع أن المستشفيات تدرس الوفيات في حالة الأخطاء الطبية، ولكن إمكانياتها لهذه المهمة ضعيفة، بل علينا أن ندرس هذه الحوادث على المستوى الوطني، حيث أن كل طيار يمكن أن يستفيد ويتعلم من أخطاء تجارب هذه الحوادث، كما يجب أن تعلن هذه النتائج رسميا في الإعلام. فحينما تتحطم طائرة لا نكرر بأن هذه معلومات سرية تملكها شركة الطيران، بل نعتبرها جزءا من الملكية العامة. ولذلك يجب أن تكون مسؤولية المستشفيات في نفس المستوى». كما أكد الدكتور فريدريك فان بلت، بأن هناك خطورة أخرى يتناساها البعض، هو عدد الإصابات الخطيرة نتيجة الأخطاء الطبية، فيعتقد البعض بأن الأرقام الحقيقة التي تؤدي إلى الوفاة أكثر بأربعين مرة من نسبة الوفيات المعلنة، وقد تختفي هذه الأخطاء في المعاناة من الآلام التي يعاني منها المرضى بعد العلاجات الجراحية. ويختتم الصحفي مقاله بالقول: «العملية الجراحية لظهرك قد تكون أكثر فائدة (ربحية) لطبيبك أكثر منك كمريض».
ونتذكر عزيزي القارئ كلفة الرعاية الصحية حينما تترافق بجشع الربحية مع أخطاء طبية مكلفة في العلاج، حيث ارتفعت كلفة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة إلى 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع الخبراء بأن ترتفع هذه الكلفة لحوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي مع قبول عام 2050. ولنتذكر أيضا بأن هناك ما يقارب الأربعين مليون أمريكي ليس لديه تأمين صحي، فمع تلك الكلفة العالية والممارسات الجشعة تبقى الرعاية العلاجية مترافقة بأخطاء مخيفة. وقد كتب إريك بيانين في صحيفة الفيزكال تايمز في 12 مايو الماضي يقول: «زيادة القلق من ارتفاع كلفة الرعاية العلاجية أدت للتدقيق في خطورة تضارب المصالح الشخصية للأطباء مع زيادة كلفة الرعاية العلاجية، فقد بينت في شهر مارس الماضي دراسة لمنظمة بروبابليكا الغير ربحية، بأن الأطباء الذين يقبلون الأموال والهدايا من شركات الأدوية يميلون أكثر لوصف أدوية مكلفة جديدة، من الأطباء الذين يرفضون الأموال والهدايا من هذه الشركات. كما أن هناك تقرير من اللجنة المالية للكونجرس الأمريكي تبين بأن الأطباء يزيدون دخلهم بتشجيع المرضى المصابين بإصابات ظهر خطيرة لإجراء عمليات ظهر مكلفة، تستخدم فيها أجهزة ومعدات من شركات لهم مصالح مادية معها. وهم حلقة وصل بين هذه الشركات المنتجة والمستشفيات، ويستفيد الأطباء من بيع هذه المنتجات من خلال الرعاية الحكومية للمسنين وقليلي الدخل، وهؤلاء منتشرين في 43 ولاية أمريكية على الأقل، كما بين التقرير بأن هؤلاء الجراحين المرتبطين بالشركات المنتجة، ويقومون بنسبة عالية من العمليات عن زملائهم الجراحين الغير مشاركين في هذه الحلقة وبنسبة 44%، كما أنهم يقومون بجراحة الظهر بنسبة الضعف عن زملائهم الغير مرتبطين بهذه الحلقة بي. أو. دي. أي أطباء يملكون توزيع المعدات والأجهزة، ويستلم هؤلاء الجراحين عمولة على كل عملية بيع، لذلك يتشجعون في إجراء عمليات أكثر لتزيد عمولتهم. وهنا يطرح التقرير سؤالا مهما: إذا كان هناك مصالح مادية للجراح في بيع الأجهزة والمعدات فهل يراعي الجراح مصلحة المريض أم مصلحته حينما يقرر عملية جراحية خطيرة؟ ويؤكد خبراء الجراحة أن عمليات دمج فقرات الظهر من أصعب وأخطر العمليات والأكثر كلفة، ويوصون بها فقط حينما تكون مشكلة الظهر خطيرة جدا. كما يؤكد التقرير أن شراء المستشفيات لهذه المعدات تعتمد على طلب خيار الجراح، بمعنى كلما زادت طلبات الشراء، كلما زادت عمولة الجراح. وقد بحثت اللجنة في هذه الممارسات وقدمت تقريرها للقضاء ليتم محاكمة بعض الجراحين باتهامهم الاستفادة من إجراء عمليات غير ضرورية وخطرة، لزيادة عمولتهم. ويبقى السؤال: هل تحتاج دولنا لمراجعة دور القطاع الخاص في الرعاية الصحية؟ وهل ستضع برلماناتنا تشريعات لاكتشاف الأخطاء الطبية، ودراستها، ومعرفة أسبابها، والإعلان عن نتائج دراستها، لكي يستفيد الأطباء منها لتجنبها مستقبلا؟ ولنا لقاء.
* سفير مملكة البحرين في اليابان





كلمات دالة

aak_news