العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المجتمع المدني البحريني والحاجة إلى التنمية بالمشاركة

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ١٧ ٢٠١٦ - 03:00



أخذت أدبيات التنمية في السنوات الأخيرة تدفع فيما يسمى التنمية بالمشاركة، وذلك في ضوء الإخفاق الذي مُنيت به التجربة التنموية المرتكزة على القطاع العام، وعَبّر عنه انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الكتلة الشرقية، وفي ضوء إخفاقات التجربة التنموية المرتكزة على اقتصاد السوق الحر، وانفراد القطاع الخاص بالنشاط الاقتصادي، كما عبرت عنها الأزمات الاقتصادية المتتابعة للنظام الرأسمالي، وكان أخرها الأزمة المالية العالمية 2008 والتي مازالت توابعها مستمرة حتى الآن، وتعاني منها اقتصاديات دول العالم أجمع.
إلى هذا أخذت هذه الأدبيات تستدعي ما تسميه برأس المال الاجتماعي، أي ما كونه المجتمع من منظمات أهلية غير حكومية تشغل المجال بين الأسرة والحكومة، إلى مسار التنمية، ووجدت أن عدم استهداف هذه المنظمات المكونة لهذا المجتمع المدني، تحقيق أقصى الأرباح، وقيامها على الطوعية والاختيارية، من شأنه حين وضعها في مسار التنمية، أن يحقق لهذه التنمية التوازن الذي يعوض إخفاقات القطاعين العام والخاص.
وأخذت هذه الدعوة في التنامي حتى تلقفتها المؤسسات الاقتصادية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي الذي وجد فيها أهم آليات محاربة الفقر، ومنظمة العمل الدولية التي اعتمدتها وسيلة لمحاربة البطالة، والأخيرة أطلقت الدعوة لما تسميه الاقتصاد الاجتماعي، الذي تمثل الجمعيات الأهلية والتعاونيات قوامه الأساسي، مرتكزة إلى الخبرة الغربية، خاصة تلك الموجودة في جنوب أوروبا وتقودها إسبانيا من خلال المنتدى اليورو متوسطي للاقتصاد الاجتماعي، والتشريعات التي أصدرتها لتنظيم دور منظمات هذا الاقتصاد وتيسير عملها.
البحرين تمتلك رصيدًا ضخمًا من هذه المنظمات، كانت نواته في مطلع القرن العشرين، وبدأ بإنشاء نادي البحرين الرياضي في 1918، تبعه تأسيس النادي الأدبي بالمحرق في 1919، ثم أخذت هذه المنظمات في التزايد حتى صدر أول قانون ينظم تأسيس وإدارة الأندية والجمعيات عام 1959، ثم جاء قانون 1989 ليحل محل القانون القديم، واكتسب نمو هذه المنظمات قوة دفع ضخمة بانطلاق المشروع الإصلاحي لجلالة الملك «حمد بن عيسى» في بداية الألفية الجديدة، فارتفع عددها من 66 منظمة قبل تولي جلالة الملك المسؤولية إلى نحو 540 منظمة حاليًا، وخلال مسيرتها منذ بداية القرن الماضي إلى الآن غدت هذه المنظمات تغطي جميع أجيالها، من المنظمات الخيرية إلى المنظمات الاجتماعية والثقافية والمهنية إلى المنظمات التنموية والحقوقية.
عزز هذا النمو في منظمات المجتمع المدني الدعم المعنوي من القيادة السياسية وعلى رأسها جلالة الملك، وارتفاع نسبة التعليم في المملكة، وتنامي حجم ودور الطبقة المتوسطة في المجتمع، وتطور البيئة القانونية التي تعمل فيها، ودور الحكومة البحرينية في رعايتها ومساندتها، من خلال تقديم الدعم الفني والتدريب والمنح المالية التي تدعم مساهمة هذه المنظمات في التنمية الشاملة، هذا إلى جانب اهتمام المؤسسات الحكومية بالمشاركة في فعاليات هذه المنظمات، وتدشين جائزة الشيخ «عيسى بن علي» للعمل التطوعي، وفي هذا يذكر سمو رئيس الوزراء الأمير «خليفة بن سلمان»، لدى استقباله الفائزين بهذه الجائزة في 16 سبتمبر 2013 «الثقافة التطوعية لدى المواطن البحريني جزء من تكوينه، ويجب العمل على تطويع ميزة التقارب التي يضيفها العمل التطوعي وما يتيحه التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني».
ومن المعلوم أن ما تحقق للبحرين من تقدم وازدهار في جميع المجالات، حتى غدت من بين الدول الأعلى عالميًا في التنمية البشرية، وبلوغ متوسط دخل الفرد قرابة 30 ألف دولار سنويًا، حتى أصبح للمملكة اقتصاد متنوع يسهم فيه القطاع النفطي بأقل من 25% من الناتج المحلي الإجمالي، إنما قام على استثمار الميزة الأكبر لديها، وهي ثروتها البشرية، وعلى امتداد العقود الماضية اضطلعت الحكومة البحرينية بالدور الأكبر لدولة الرعاية في جميع مجالاتها من صحة وتعليم وإسكان وحماية اجتماعية، فضلًا عن قيامها بتكوين البنية التحتية الحضرية وتحقيق أمن واستقرار البلاد، والمحافظة على استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها، والارتقاء بمكانتها الإقليمية والعالمية، دون أن تكلف الإنسان فيها بأي أعباء.
وتحملت الحكومة العجز المتفاقم في ميزانياتها في سنوات تراجع أسعار النفط، بزيادة الدين العام، كما اتضح في السنوات الأخيرة، ولم تلجأ إلى تحميل المواطن بأعباء ضريبية، أو إجراء تخفيض ذي شأن فيما تقدمه له من دعم، وذلك رغم مطالبات مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي، ورغم ضغوط ما تنشره مؤسسات التقييم الدولية من تصنيفات ائتمانية، ولكن هناك حدودًا لعجز الميزانية وارتفاع الدين العام لا ينبغي تجاوزها، كما أنه من غير المعلوم على وجه اليقين موعد عودة أسعار النفط للارتفاع حتى تصل إلى ذلك المستوى الذي يحقق توازن الميزانية العامة، كما أن البحرين مثلها مثل باقي الدول الخليجية تستعد قولا وعملا لعصر ما بعد النفط، ولهذا جاءت رؤية البحرين 2030، التي عملت عليها منذ عقود، الأمر الذي يشكل دعوة ملحة متكررة للمجتمع المدني البحريني للدخول في نظام التنمية بالمشاركة، التي تقوم على ثلاثية التعاون بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني.
وينتظر المجتمع المدني البحريني في هذا الشأن عدة أدوار، منها مسألة ترشيد استهلاك الطاقة، التي لن تأتي فقط من خلال رفع أسعار الوقود والكهرباء، وذلك لسبب اقتصادي معروف، وهو أن مرونة الطلب على هذه السلع والخدمات ضعيفة، ورفع السعر يزيد العبء؛ ولكنه لا يقلل الاستهلاك، الذي ينخفض عبر تغيير أنماط السلوك المؤدية إلى الإسراف، الذي جعل استهلاك المملكة من الوقود محليًا يفوق كل إنتاج حقل البحرين.
كما أنه في مقدمة هذه الأدوار أيضًا تمكين إصلاحات سوق العمل البحريني من النفاذ، فهذه الإصلاحات التي تهدف إلى أن يصبح العامل البحريني خيارًا مفضلًا لدى القطاع الخاص، الذي تشغل معظم وظائفه عمالة وافدة، وهذا القطاع بلا شك يفضل العامل الأكثر إنتاجية الأقل كلفة، مما يتطلب من العامل البحريني أن يمتلك من ثقافة العمل وممكناته من معرفة وتدرب ما يؤهله لحجز وظائف القطاع، وتلك مهمة قد تساعد الحكومة فيها، ولكن منظمات المجتمع المدني النشطة في مجالات العمل كالنقابات العمالية والمهنية، وفي مجال الأعمال كجمعيات سيدات الأعمال وغرفة التجارة والصناعة، يمكنها الاضطلاع بدور أكبر والتخفيف عن كاهل الميزانية العامة في هذا الإنفاق.
ومما يسهم في هذا التخفيف أيضًا نشاط منظمات المجتمع المدني في تقديم الخدمات التعليمية والصحية والإسكان الاجتماعي وخدمات البيئة، وهي بنود رئيسة في هذه الميزانية، وفي السنوات الأخيرة نشط القطاع الخاص في تقديم هذه الخدمات، ولكنه أيضًا يستهدف تحقيق أقصى ربح، وهذا حقه المشروع، بينما منظمات المجتمع المدني منظمات طوعية لا تستهدف في نشاطها تحقيق أقصى ربح، ولكنها تستهدف إشباع الاحتياجات، وتقديم هذه الخدمات بتكلفتها مما يخفض أسعارها، ويضغط على القطاع الخاص كي يخفض أسعاره أيضًا، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الحد من التضخم.
وتستطيع منظمات المجتمع المدني تحويل المجتمعات المحلية كلها إلى خلايا منتجة من خلال نظام المنزل المنتج والأسرة المنتجة، ورعاية تسويق هذه المنتجات في معارض محلية ودولية، فكثير من خطوط الإنتاج لعدد من المنتجات في الدول الآسيوية الناهضة قامت من خلال تفعيل هذا الدور، والبحرين لها سابق خبرة في ذلك حينما كان اقتصادها يقوم على صيد اللؤلؤ وتصنيع منتجاته، وكثير من المنتجات الحرفية والتراثية تقوم على هذا الدور التقليدي، الذي من خلال يستطيع المجتمع المدني التغلب على مشكلات عمل المرأة، والتوفيق بين أوضاعها الأسرية والعمل، حيث أصبح العمل من المنزل أحد الحلول الرئيسة التي تلجأ إليها أسواق العمل في عديد من دول العالم لحل هذه الإشكالية، وأصبح هذا العمل يغطي كثيرا من المنتجات كالسلع الغذائية والملابس وبرامج الحاسوب.
وإذ كانت الأدوار التنموية للمجتمع المدني تتعدد وتجعله مشاركًا قويًا في التنمية الشاملة للمملكة على أساس متوازن، بما يحقق التخفيف عن الميزانية العامة من ناحية، ويحد من مبالغات القطاع الخاص في أسعاره من ناحية أخرى، فإن دوره في تحقيق السلام الاجتماعي وتعزيز المواطنة، والابتعاد بالمجتمع عن المشاحنات والنزاعات الطائفية لا يقل أهمية، بل يعزز هذا الدور التنموي، خاصة وأن من المبادئ الرئيسة لمنظمات المجتمع المدني قيامها على عدم التمييز، وفي هذا المجال نذكر «وثيقة التسامح والتعايش الديني والمذهبي»، التي وقّع عليها عدد من منظمات المجتمع المدني البحرينية في مارس 2014 وتضمنت 14 بندًا أكدت من خلالها مبادئ قبول الآخر والتسامح واستخدام الحوار وسيلة للتفاهم.





كلمات دالة

aak_news