العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

(من وحي الإسلام)
الفنون الإسلامية: صناعة الخزف وتصميم الفخار(1)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



عرفت الإنسانية حضارات كان لها الأثر الكبير في عمارة الأرض التي جعلها الخالق عز وجل منفذاً ومستودعاً للإنسان الذي عمل على الاستفادة الكاملة مما حوله من نعم ومقومات كان لها الأثر العظيم في بلورة فكره ودفعه إلى العمل والإنتاج من أجل اتساع مداركه، وتلبية حاجاته، وعلى أثره أنتج أعمالا فنية تحاكى بها أحفاده الذين أتوا بعده، مثل ما بقي من أعمال كالمعابد والمقابر والنقوش الجدارية ومن تحف وأوان أو وثائق ومعدات.
ولا ريب بعد ذلك أن نجد من أروع تلك الحضارات هي الحضارة الإسلامية التي نهضت واشتقت من الحضارات الأخرى التي سبقتها بعض مقوماتها، ولكن لم تكن بالناقل المقلد، فقد أصهرت ذلك وفق ما يتماشى مع روح الدين الإسلامي الحنيف الذي يحرم البدع والأساطير، وكل ما يضاهي خلق الله تبارك وتعالى وينافي العقيدة!
فإلى جانب الأساليب القديمة ابتكر المسلمون أساليب جديدة جديرة بالبقاء، فأبهرت الأمم والمجتمعات التي أتت بعدها والتي اشتقت من الكثير من الجوانب الحضارية، مما جعلها في عصرنا الحاضر في موضع القمة والصدارة في الصناعات وتبوأت مكانة مرموقة، وأصبحت في مقدمة الركب الإنساني.
ولذلك كان من الضروري التعريف بتلك الحضارات السابقة على الحضارة الإسلامية للوقوف على أهم الملامح والأساليب التي استعان بها المسلمون في بناء حضاراتهم وذكر مآثرهم أو الاقتداء بأعمالها والوقوف على نهضتها وازدهارها!.
* الخزف والفخار وأهميتهما:
إن الفخار والخزف يتحدان في المادة الطينية، ويختلفان في أساليب صناعتها، وقد ورد ذكرهما في القرآن الكريم، لفظ الفخار مرة واحدة فقط في سورة الرحمن حيث قال تعالى: «خلق الإنسان من صلصال كالفخار. وخلق الجان من مارج من نار. فبأي آلاء ربكما تكذبان. رب المشرقين ورب المغربين. فبأي آلاء ربكما تكذبان» (سورة الرحمن، الآيات 14 – 18) صدق الله العظيم.
وجاء لفظ الطين احدى عشرة مرة في القرآن حيث نراه في سورة آل عمران والمائدة والأنعام والأعراف والمؤمنون، وكذلك في سور: القصص والسجدة والصافات وص الذاريات والإسراء. ويتبين لدينا -والله أعلم- أن تعدد الآيات عن الطين الغرض منه لاستعمال الطين لتنوع استخداماته في حياتنا وأغراضه النافعة وأهميته واستعمالاته المتباينة في المعايش. وفي هذا المقام نكتفي بذكر آية واحدة وهي قوله تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقه فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين» (المؤمنون 12- 14). ويذكر عز وجل في سورة الفيل مرادفا لمادة الطين فيقول: «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول» (الفيل الآيات 1-5). والسجيل هنا الطين، ولكنه غير الطين العادي، وربما كانت الحجارة من حجارة بركانية أو صخور نارية لتفني جيش الأحباش الغازين للكعبة المشرفة بقيادة أبرهة الحبشي فكانت الحجارة تسري من الرأس إلى الدبر كأنها النبال!
* معنى الفخار والخزف والفارق بينهما:
ونقول ان الفخار هو أى شيء صنع من الصلصال (الطين ) ثم أحرق في النار بعد جفافه ثم يكتسب صفات جديدة طبيعية وكيميائية، فيتغير لونه ويتحول إلى جسم صلب مسامي له رنين، ولا يمكن إرجاعه إلى حالته الطينية اللازبة مرة أخرى لفقدانه ماء الاتحاد بسبب الحرق!
أما الخزف فهو إذا طلي وغطي المنتج الفخاري (الطين المحروق والمشوي بطبقة رقيقة من مادة الزجاج ويسمى الطلاء الزجاجي) الجليز) ثم يحرق مرة أخرى فيصبح الجليز ناضجا وينصهر، ويلتصق بالجسم الفخاري، فتغلق المسامات ويصبح المنتج لامعا، ويكتسب بريقا وجمالا، وفي هذه الحالة يطلق على القطعة الجديدة اصطلاح الخزف.
* اختلاف نوعية الطينات:
تحتاج مرحلة تحضير الطينات اللازبة الى عملية التشكيل، فالطينات الجيدة هي التي تكون على درجة مناسبة من اللدانة.. فاللزابة هي القابلة للتشكيل على الدولاب أو العجلة، وأما اللدانة فتعني التماسك والليونة، وقابليتها لأي ضغط او رص.
وتختلف جودة الطينات تبعا لطبيعة الطينة نفسها، والتي تختلف تبعا للمكان الذى تكونت فيه، وهذه الطينات تتكون كما يلي:
اولا: الطينات الجيرية ويصنع منها الفخار الشعبي الرخيص والمنتشرة في الأرياف، ثم تأتي بعدها ثانيا: الطينات السليسية وهي الحمراء، ويصنع منها أدوات الطهي والتخزين الثقيلة والتحف، وتتحمل الحرارة المتوسطة وبعد تجفيفها وحرقها يعاد التشكيل.
ثانياً: الطينات البيضاء ويصنع منها الفخار الجيد والخزف الراقي، وأدوات المائدة والزينة والتحف الراقية فتحرق حرقا عاليا بعد إتمام شكلها.
ثالثاً: الكاولين والطينة الصينية ويصنع منها الصيني الحقيقي (البورسلين) والخزف الكهربي والكيماوي ويمتاز بنقائه وصفائه.
ويتسلق الفخارون الجبال باحثين عن الاماكن للحصول على الطينات المختلفة، وإذا ما اشتبه عليهم الامر في نوعية الصخور فإنهم يخضعونها للمعامل التي تكشف عن نوعيتها تماما، فهناك مناجم لاستخراج الفخار يصل طولها في بعض الأحيان إلى 25 مترا في جوف الجبل طولا، وتختبر الطينة بعرضها على لهيب النار بعد صناعتها وتجفيفها.
وفي العصر الإسلامي شهدت صناعة الفخار تطورا ملحوظا سواء في تقنياتها الصناعية ذاتها أو في ابتكار أشكال جديدة من المنتجات الفخارية وزخرفتها بطرق متنوعة وبتشكيلات فريدة.
الهوامش: (الفنون الإسلامية حتى نهاية العصر الفاطمي: الدكتورة حنان عبدالفتاح مطاوع: ط1 الاسكندرية، قصة الفن التشكيلي (العالم القديم) تأليف الدكتور محمد عزت مصطفى – القاهرة، فنون الإسلام: آرنست كونل: ترجمة الأستاذين أحمد موسى وزكي محمد حسن – القاهرة عام 1948م).






كلمات دالة

aak_news