العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

العقل كأساس للمسؤولية في القرآن الكريم

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



نناقش في هذه المقالة العقل في القرآن الكريم كأساس للمسؤولية. والعلاقة جوهرية وعضوية سواء بين العقل والحرية وبين قيام المسؤولية أو بين العقل والحرية، فلا حرية بلا عقل ولا عقل بلا حرية، فكل المخلوقات اختارت الايمان بالله تسخيرا فلا مسؤولية عليها ولكن الانسان اختار حرية الايمان أو الكفر فصار العقل أداة الاختيار والمسؤولية عن هذا الاختيار.
العقل في القرآن
تدور المسؤولية في القرآن على الشخص وجودا وعدما مع العقل لقوله تعالى «ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون» (البقرة 164)، وقوله «وليتذكر أولو الألباب» (ص 29) وقوله «كذلك لعكم تعقلون» (يوسف 2- الزخرف 3- البقرة 242) وقوله (محمد 24) «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها». كذلك أكد القرآن الكريم أن الإنسان يولد فردا ويموت فردا ويسأل أمام الله فردا. فالمسؤولية شخصية اساسا وقد ورد تأكيد ذلك في عبارة قرآنية لطيفة تكررت في آيات قرآنية كثيرة وهي «ولا تزر وازرة وزر أخرى» (الأنعام 164 – الاسراء 15 – فاطر18 – الزمر7)، ويضاف إليها قاعدتان، الأولى التحذير المسبق وارسال النذر في قول حراس النار «ألم يأتكم نذير» وتأكيده كذلك «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا».
أما القاعدة الثانية فهي «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها» (الانعام 164- الاسراء 15- فاطر18) . وقد أخذ الله ميثاقا من النبيين ومن بني آدم، ومن بني اسرائيل بحيث صار الانكار بعد ذلك لوجود الله، وسبق تحذيره انكارا لهذا الميثاق، وذلك واضح بيّن في قوله تعالى في سورة الأعراف آية 172 «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين». ويكاد يكون التنظيم في القانون هو نفسه في القرآن، فلا مسؤولية على غير العاقل، علما بأن المسؤولية في القانون مسؤولية قانونية أمام القانون، أما المسؤولية في القرآن فهي في الحساب أمام الله، فالأولى مسؤولية ناجزة أما الثانية فمسؤولية آجلة. ولذلك فإن ضبط وجود العقل من عدمه يعتمد على التنظيم القانوني والكشف (الطبي الشرعي)، أما في القرآن فإن توافر العقل من عدمه راجع إلى الضمير وإلى حقيقة أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كما أن الله يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، فإن أمكن للشخص أن يرتكب الغش والتدليس والادعاء والزيف في القدرة العقلية في القانون، فإن كل ذلك يمتنع في حالة القرآن.
والعقل في القرآن هو أداة الاختيار بين الكفر والإيمان وهو أداة التعرف إلى الله، وما دام الإنسان العاقل حرا فلا بد أن يكون مسؤولا، كما أن العقل هو العامل المميز للإنسان عن سائر المخلوقات، فإن اختار الكفر وانتهى إلى النار فيجب أن يكون بالعقل وإذا حدث العكس فبالعقل أيضا.
فالعقل وسلامته في القرآن ضمان الاختيار السليم ولذلك يربط القرآن الكريم بين التقوى والايمان من ناحية وبين العقل «واتقوني يا أولى الألباب». وقوله تعالى «انما يخشى الله من عباده العلماء». وأهم طرق الايمان التفكر والتدبر. وربط القرآن بين العقل والقلب وهما مصدرا المعرفة والسلوك، لقوله تعالى «انها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور».
وإذا كان توافر السلامة العقلية هو سبب قيام المسؤولية في القانون، فإن القرآن قد اشترط إلى جانب العقل والإدراك العلم بنتائج كل طريق كما في قوله تعالى «وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا» وقوله تعالي «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا».
فالعلم بما يجب فعله والتحذير والنذير هو أول شرط لقيام المسؤولية أيضا.
على أن وظائف العقل في القرآن تتجاوز مجرد الإدراك والمسؤولية، بحيث تسقط المسؤولية عن غير العاقل، حيث يؤدي إعمال العقل إلى السلوك المؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. فالعقل هو الذي يدرك كليات الدين وأصوله وسبب الوجود وفلسفة الاتفاق وفوائد الايمان وفضائله، وبذلك تختلف وظيفة العقل أو شرط العقل للمسؤولية كما هو الحال في القانون، ليكون العقل في القرآن الجسر الذي يربط الإنسان بخالقه.
يترتب على ذلك مسؤوليات الإنسان عن صيانة عقله وتطويره وتمكينه من العمل السليم.






كلمات دالة

aak_news