العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

آثـار الـتـقـوى فـي الـفـرد والـمـجـتـمـع (1)

بقلم: د. علي أبوهاشم

الجمعة ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



أمر الله تعالى عباده بالتقوى، وبين لهم أنها طريق الصلاح والإصلاح للفرد والمجتمع، وبين سبحانه أن التقوى ثمرة العبادة الصحيحة والدين الحق والعقيدة السليمة. فقال تعالى: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون» سورة البقرة:21، ولعل هنا للتعليل وليست للترجي لأنها من الله، أي: لعله أن تتقوه. وذلك لما للتقوى من آثار عظيمة على الفرد والمجتمع من شتى الجوانب، وقد أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالتزام تقوى الله في كل زمان ومكان. كما روى الترمذي وغيره عن أبي ذر الغفاري. قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وأخرج الطبراني في الكبير عَنْ مَيْمُونِ بن أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ. إن التقوى جماع الخير كله، وهي وصية الله للأولين والآخرين وهي زاد المؤمنين ليوم الدين، وبها تكون النجاة من كُربات الدنيا وأهوال الآخرة، وهي سبب لسعة الأرزاق، واستتباب الأمن وسبب للنصر على الأعداء، فما هي التقوى؟ للتقوى معان كثيرة عرفها العلماء تعريفات كثيرة متنوعة، كلها تؤدي معنى الخوف من معصية الله تعالى، والبعد عن كل ما يُغضبه سبحانه، فقال أحد التابعين: التقوى ألا يراك الله حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعبد الله على نور من الله وبرهان، وأن تجتنب محارمه على نور من الله وبرهان. ومما رُوي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه عرف التقوى فقال: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد للموت قبل الرحيل» والتقوى تُهذب السلوك، وتسمو بالأخلاق، وترتقي بالعبد إلى أعلى درجات العبادة، حتى تُثمر في القلب الخوف والخشية من الله، فيستقيم على طاعة الله عز وجل، والتقوى تعصم العبد من نزغات الشيطان، فيُبصر طريق الحق وينأى عن طريق الغواية والضلال. يقول تعالى: «إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون» الأعراف:201-202، والتقوى أمان للمجتمع من المهلكات وباب للخير وسعة الأرزاق، يقول تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون. أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون. أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون. أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون» الأعراف:96-99، إن التقوى صلاح للفرد والمجتمع، وإصلاح للنفس ووقاية للمجتمع من بأس الله وعقابه، يقول تعالى: «وما كنا مُهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون» القصص:59، ويقول تعالى: «ويُنجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون» الزمر:61، والتقوى سبب لدخول العبد في معية الله، فيحفظه ويرعاه، ويوفقه للخير ويرشده للحق. يقول تعالى: «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» النحل:128، ومعية الله قوة ونصر وتوفيق وهداية وأمن وأمان وفرح واستبشار، كما وقع للرسول-صلى الله عليه وسلم- وصاحبه في الغار، حينما التف الكفار حول الغار، فخشي أبوبكر أن يراهما المشركون وهما في الغار، وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا. فأجابه الرسول. صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما. لا تحزن إن الله معنا، يقول تعالى: «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم» التوبة:40، إن تقوى الله تعالى صدق في القول مع الناس، وصدق في الخبر حين يُخبر ويتكلم، صدق في الشهادة حين يشهد، حقا إن التقوى صفة المؤمنين الصادقين المخلصين. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما» الأحزاب: 70-71، ويقول تعالى: «والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون» الزمر:33، إن من آثار التقوى أن يلتزم المؤمن بالصدق في جميع سلوكه وتصرفاته، ويجتنب الكذب في كل أحواله وأقواله كما جاء في توجيهات الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأمته فيما أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أَبي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عبداللهِ قَالَ: قَال: َرسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فإن الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فإن الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ولعظيم منزلة التقوى كان الصحابة يُوصون بها أولادهم. أخرج الطبراني في الكبير عَنْ إسماعِيلَ بن أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: أَوْصَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَهُ بِثَلاثِ كَلِمَاتٍ: أَيْ بنيْ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ. وقد أمرنا الله تعالى بالتقوى والصدق، وقرن بينهما ليدل على تلازمهما وارتباطهما، وأن كلا منهما لا يتم ولا يتحقق إلا بتحقق الآخر. يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» التوبة: 119، كما أن التقوى شرط لقبول النفقات في سبيل الله، يقول تعالى: «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى» الليل:5-7.






كلمات دالة

aak_news