العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

«اللاجئون».. ورقة تركيا للعودة إلى أحضان أوروبا

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



في 3 سبتمبر 2016، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الـ28 مع الوزير التركي للشؤون الأوروبية «عمر جليك» بالعاصمة السلوفاكية «براتيسلافا»، للمرة الأولى منذ محاولة الانقلاب بتركيا في 15 يوليو 2016، والتي تسببت في توتر العلاقات بسبب انتقاد دول أوروبية لما سمي حملة التطهير داخل أجهزة الدولة التركية.
فالعلاقات التركية الأوروبية شهدت توترات بعد أن حاول جزء من الجيش الانقلاب على الحكومة التركية في 15 يوليو 2016، ليبدأ «أردوغان» ما اسماه حملة تطهير واسعة النطاق نالت حتى الآن أكثر من 18 ألفا، من بينهم 6 آلاف عسكري، و9 آلاف شرطي، و3 آلاف قاض، و30 محافظا، وثلث الجنرالات والأدميرالات، وملحق «أردوغان» العسكري، بالإضافة إلى إقالة 15 ألف عامل بوزارة التربية والتعليم، فضلا عن طلب مجلس التعليم العالي استقالة 1577 عميدا يعملون داخل البلاد، وإعلان وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» بأنه سيتم التَخلص من السفراء الذين هم على صلة بالانقلاب.
وبالعودة إلى العلاقات التركية الأوروبية قبل محاولة الانقلاب – تحديدا خلال عام 2015 - نجد أن تركيا تمكنت من احتلال المرتبة الخامسة بين أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وسويسرا وروسيا؛ وازدادت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى تركيا بنسبة 6% مقارنة بـ2015، لتصل إلى 79 مليار يورو، وفي الوقت نفسه شهدت الواردات التركية للاتحاد الأوروبي نموا بنسبة 13%، لتصل إلى 61.6 مليار يورو.
توتر العلاقات أضر بتركيا كثيرا، فهي تسعى جاهدة منذ أكثر من أربعة عقود إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي بسبب التأثير الإيجابي والاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي في الاتحاد الأوروبي، وتعمل على تحسين العلاقات الاقتصادية والسياسية في ظل شروط تعجيزية، مستغلة الرغبة الأوروبية في الحفاظ على تركيا كدولة جسر نحو إيران وسوريا والعراق وجنوب شرق آسيا، بما يحقق مصالحه من دون منحها عضوية كاملة، لتدور تركيا في فلك «الاستيعاب أو الاستبعاد».
عودة العلاقات كان الأقرب للحدوث نظرًا إلى الملفات التي تجمع الجانبين، وأبرزها ملف «اللاجئين» الذي مثل مشكلة لأوروبا ومصلحة لتركيا؛ فكان التعاون والتفاوض بين الجانبين هو فقط سبيل التعامل مع تدفق اللاجئين، وبالتالي سعى الاتحاد الأوروبي إلى تخفيف التوتر مع تركيا بعدما انتقد علنا الحملة التي يشنها الرئيس التركي «أردوغان» في أعقاب الانقلاب الفاشل.
«اتفاق اللاجئين»، الذي أبرم بين الطرفين في مارس 2016، نص على إعادة جميع اللاجئين الجدد الذين يصلون من تركيا إلى الجزر اليونانية بصورة غير شرعية، واتخاذ التدابير الضرورية بمساعدة المفوضية العليا للاجئين والاتحاد الأوروبي، وسيتكفل الاتحاد بنفقات الإعادة وهي 6 مليارات يورو كمساعدات.
ونص الاتفاق أيضا على إعمال مبدأ «واحد مقابل واحد»، ففي مقابل كل سوري يعاد من الجزر اليونانية إلى تركيا سيُستقبل آخر من تركيا بالاتحاد الأوروبي، وتعطى الأولوية للذين لم يحاولوا الوصول إلى هناك بصورة غير شرعية، وحُدد سقف بـ 72 ألف لاجئ، وفي حال الاقتراب من هذا السقف ستُراجع الآلية، وفي حال تخطيه ستُوقف.
كان للاتفاق أثره الإيجابي على العلاقات، فيُسمح بإعفاء مواطني تركيا من تأشيرات الدخول إلى أوروبا في مهلة أقصاها نهاية يونيو 2016، على أن تستوفي تركيا المعايير الـ72، وتعهد الاتحاد بتسريع تسديد المساعدة الأوروبية لتركيا (3 مليارات يورو) من أجل تحسين ظروف معيشة اللاجئين الذين يقدر عددهم بنحو 2.7 مليون، وحين تصبح هذه الموارد على وشك النفاد سيقدم الاتحاد الأوروبي تمويلا مماثلا بحلول نهاية عام 2018.
لم يخل الأمر من مناوشات خفيفة بين الطرفين، حيث انتقد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» الاتحاد الأوروبي، محذرا من انهيار الاتفاق إذا لم يلتزم الاتحاد ببند إعفاء الأتراك من تأشيرة دخول أوروبا، ما أثار حفيظة أعضاء الاتحاد، وعبرت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» عن هذا الغضب بوصف التحذير التركي بــ«الابتزاز».
وتقع العلاقات التركية الأوروبية في بئر محاولة الانقلاب، فقد أثارت الحملة التي اسماها «أردوغان» بالتطهير الشامل حفيظة دول ومنظمات وصفتها بالانتقامية واللا قانونية، معربة عن مخاوفها من التداعيات؛ وقالت إنها لا تمت بصلة لسيادة القانون، ولا تلتزم بأي معايير لحقوق الإنسان في التعامل مع المشتبه بدعمهم لمحاولة الانقلاب، وخصوصا بعد تصريحات المسؤولين الأتراك عن احتمال إعادة العمل بعقوبة الإعدام، وفي المقابل ترفض حكومة «أنقرة» هذا الاتهام، بل تتهم الاتحاد الأوروبي بتضامنه «الفاتر» مع تركيا، ويبرز التوتر في إلغاء تأشيرات دخول الأتراك إلى أوروبا، والتهديد بعدم انضمام تركيا إلى الاتحاد.
وعلق الرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند» لوكالة «رويترز» على التصريحات التركية قائلا: «لا يمكن لتركيا أن تعيد العمل بعقوبة الإعدام، إذا كانت ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، وهو ما اتفقت معه المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل».
واعترض وزير الخارجية الفرنسي «جان مارك أيرولت» على عمليات الاعتقال التركية قائلا: «إن الإجراءات التركية تمثل تطورا خطيرا في المسار الديمقراطي، وهو ما يؤثر على فرص عضويتها في الاتحاد الأوروبي»، ويأتي ذلك بعد أن أعلنت فرنسا تأييدا حذرا لضم تركيا الى الاتحاد الأوروبي قبل محاولة الانقلاب العسكري.
ودعا رئيس وزراء النمسا «كريستيان كيرن» الى استبعاد رؤية تركيا كمرشح محتمل لعضوية الاتحاد الأوروبي، ووصف مفاوضات الانضمام بأنها «نوع من الخيال الدبلوماسي».
في مقابل الإجراءات والتصريحات الأوروبية استخدمت تركيا ورقة «اللاجئين» للضغط على أعضاء الاتحاد، حيث هددت أنقرة بالانسحاب من الاتفاق بشأن المهاجرين إذا لم تحصل على قوانين للسفر أكثر مرونة وإلغاء تأشيرات الدخول إلى دول الاتحاد، وقال وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو»: «تركيا لن يمكنها إيقاف الهجرة غير الشرعية إلى الاتحاد الأوروبي بمفردها ما لم يفِ بالتزاماته».
أدرك الطرفان أن استمرار التعنت سيضر بمصالحهما جميعا، فقررا عقد اجتماع في «براتيسلافا» للتفاوض حول الملفات المشتركة، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد على أنقرة في مراقبة حركة المهاجرين إلى دوله إلى تخفيف التوتر.
وزير الخارجية الألماني «فالتر شتاينماير» عبر عن التوجه الأوروبي قائلا: «نأمل أن ينجح هذا الاجتماع في التخلص من التوترات الدبلوماسية مع تركيا»، وأضاف: «اللقاء يمكن أن يكون إشارة على الخروج من مرحلة الحديث عن بعضنا بعضا والعودة إلى مرحلة الحديث مع بعضنا بعضا»، معترفا باحتمالية أن يكون الاتحاد الأوروبي قد ارتكب أخطاء في التواصل مع تركيا، موضحا: «ربما يتعين علينا من باب انتقاد الذات أن نعترف بأن هذا التضامن لم يصل إلى تركيا في شكله المطلوب، ولا في شدته اللازمة».
أما مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي «فيدريكا موغيريني» فصرحت: «تركيا وافقت على المضي قدما في تنفيذ اتفاق الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، وسيواصل الجانبان العمل فيما يتعلق بموضوع الإعفاء من تأشيرات الدخول».
وعلق «جليك»: «الاجتماع مع وزراء خارجية الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أسفر عن توافق كبير فيما يتعلق بضرورة أن يعمل الجانبان معا بشكل أوثق، بعد أن توترت العلاقات في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة».
وجاء الموقف الفرنسي متسقا مع توجه عودة العلاقات إلى طبيعتها، حيث قال «أيرولت»: «تركيا عنصر رئيسي في استراتيجية الاتحاد الأوروبي لاحتواء تدفق اللاجئين على أراضيه، وهو ما تم في اتفاق مارس 2016 بتقليص عدد اللاجئين بشكل ملحوظ مع إحياء مفاوضات انضمام أنقرة إلى الاتحاد».
وهكذا تدخل العلاقات التركية الأوروبية مرحلة جديدة من التقارب وتبادل المصالح، إذ تمكن الجانبان من تضييق فجوات الخلافات بينهما بشأن تنفيذ القوانين التركية المناهضة للإرهاب، وهو ما جعله الاتحاد الأوروبي شرطا لمنح الأتراك حرية الحركة بلا تأشيرات، وفي المقابل تلتزم تركيا باتفاق اللاجئين.





كلمات دالة

aak_news