العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

إخراج الشباب من دائرة الضياع والتهميش

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



أثبتت التجربة التي عشناها في البحرين خلال السنوات الماضية من الأزمة التي أريد لها أن تضرب البحرين وتخرب اقتصادها ووحدة شعبها أن الخلل الأكبر الذي تبين بجلاء ووضوح يتمثل في الفراغ الذي يعانيه الشباب، هذا الفراغ تسللت منه المقاصد الخبيثة من الجماعات والحركات السياسية والدينية الطائفية على وجه الخصوص، والدليل على ذلك أننا لا نجد في الشارع خلال سنوات الأزمة إلا هؤلاء الشباب الذين أعتبرهم شخصيا ضحية حقيقية للتوظيف والاستغلال السياسي والطائفي، ويمكن أن نرصد ذلك في ثلاثة جوانب تؤكد هذه الحقيقة وتفتح الباب للعلاج والطريق السليم لإخراج الشباب من معادلة الاستغلال الانتهازي الذي عشنا أسوأ فصوله خلال الفترة من 2011 إلى2015.
الأول: إن شبابنا قد عانى نوعا من الإهمال سواء من الأسرة أو من المدرسة أو من المؤسسات الرسمية، فعلى الرغم من كل الجهود التي نقرأ عنها في الإعلام من أنشطة ونوادٍ وفعاليات لا نقلل من أهميتها، فإنها في الحقيقة لم تمس الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب المهمشين والذين يعانون عددا من المشاكل من بينها على وجه الخصوص البطالة وعدم وجود أماكن كافية للترفيه ولممارسة النشاط الثقافي والبدني والفني، وخاصة في المناطق الأقل حظا أو البعيدة عن المؤسسات التي تقدم مثل هذه الخدمات للشباب، فالجهود المبذولة على مستوى المدارس نجدها محدودة بالزمن المدرسي كما هي محدودة بالإمكانيات القليلة المتوافرة لدى المؤسسات التعليمية لاحتضان الشباب والاستفادة من طاقاتهم الإيجابية في الأنشطة المدرسية، وخاصة بعد الدوام، حيث نعلم علم اليقين أن الأنشطة المدرسية لا تشمل إلا العدد القليل منهم من الذين يحظون باهتمام أسرهم ومعلميهم لأنهم من الموهوبين أو المتميزين في النشاط الرياضي أو العلمي أو الثقافي، أما الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب فإنهم يبقون على الهامش، وخاصة في ظل الإهمال الأسري في العديد من المناطق فنجدهم إما ضائعين في المقاهي أو في الشوارع، وإما في المناطق القروية فنجد الشباب ضائعين تائهين لا يجدون من وسائل الترفيه أو من وسائل النشاط الثقافي والرياضي ما يكفي لجذبهم وإقناعهم للانخراط فيها، وإما تجد بعضهم من ذوي الأسر الفقيرة أو المحدودة الدخل يركضون وراء لقمة العيش وللأسف الشديد، فإن الإمكانيات الأسرية أو الرسمية لا تكفي، وخاصة في ظل الظروف الحالية لتوفير الرعاية الكاملة لهؤلاء الشباب بمختلف فئاتهم فجميعهم يعانون من نفس المشاكل بشكل أو بآخر يدفعهم الإهمال والنسيان إلى البحث عن حلول يصنعونها بأنفسهم ومنها ما أشرنا إليه وهذا الفراغ من الواضح جدا أنه يؤثر بشكل مدمر على حياة هذا الجيل من الأبناء الذين يمتلكون طاقة كبيرة وهائلة.
الثاني: في ظل هذا الوضع هنالك تيارات وأحزاب وجمعيات دينية وطائفية وسياسية تصطاد في الماء العكر قد اصطادت هؤلاء الشباب بالشعارات الرنانة والوعود الكاذبة فجرجرتهم إلى فخ السياسة وفخ الطائفية، وأول ما يكتسبون في هذه التجربة هو الكراهية للدولة وتشويه العقول والنفوس والميل إلى الفوضى والاستعداد لفعل أي شيء يتم توجيههم إليه، وقد شاهدنا بأنفسنا كيف تم الزج بآلاف الشباب في أحداث 2011 إلى الشوارع وإلى التخريب الممنهج للبنية التحتية بل الأخطر من ذلك الاشتراك في أعمال إرهابية وإجرامية مثل التفجيرات والاعتداءات على رجال الشرطة والقتل أما الوجه الآخر لهذه الجريمة هو الزج بهؤلاء الشباب في الحروب الإعلامية للإساءة إلى بلدهم ودولتهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام المنحرف، فيما كان الذين يشجعونهم ويوجهونهم على الخراب والإرهاب جالسين في بيوتهم وأبناؤهم يدرسون في الجامعات الأوروبية والأمريكية وفي المدارس الخاصة يبنون مستقبلهم بأموال مشبوهة.
الثالث: ماذا فعلنا نحن في المقابل، كل ما فعلناه أفرادا وأسرا ومؤسسات رسمية هي حلول جزئية وترقيعية لا تغني ولا تسمن من جوع، وحتى ما نتحدث عنه في بعض الأحيان من إستراتيجيات للشباب لم تكن في الواقع سوى حلول جزئية أو نظرية تمس جزءا بسيطا من هؤلاء الشباب ولا تصل في الغالب إلى حيث يجب أن تصل، ليس لقصور في النظرية أو الفكرة وإنما لأسباب عديدة معلومة للجميع من بينها ضرورة الاقتراب من هؤلاء الشباب أكثر فأكثر والاستماع إلى نبضهم وتطلعاتهم الحقيقية والاستجابة إلى طموحاتهم التي هي أكبر بكثير من مجرد بعض الأنشطة والمسابقات المحدودة في الزمان والمكان، فنحن إذن نتحمل جزءا من هذه المسؤولية وإلا سيظل أبناؤنا بين براثن هذه الجماعات التي لها أجندات خاصة بها وتعمل لمصالحها الخاصة ولا تفكر أبدا في مصالح هؤلاء الشباب الذين يتم استغلالهم أسوأ استغلال، وقد كانت النتيجة أمام أعيننا مرعبة عندما وجدنا شبابا صغارا لا يتوانون عن المشاركة في الأعمال الإرهابية فيخسرون حياتهم ومستقبلهم الدراسي والعملي في كثير من الأحيان.
إذن الأمر يحتم علينا أن نعمل بكل الوسائل الإعلامية والتربوية والثقافية والشبابية على إيجاد أفضل الحلول الممكنة لإنقاذ هؤلاء من الإرهاب والإجرام، والأمر هنا يتجاوز بكل تأكيد موضوع كتابة إستراتيجية أو خطة للوعي بالمشاكل الحقيقية التي يعانيها الشباب والمساعدة على إيجاد مخارج ملموسة تضع حدا لمعاناتهم وتخرجهم من دائرة الضياع والتهميش.





كلمات دالة

aak_news