العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات
خطاب الحب في الثقافة الـعـربيّة الإسـلامــيّة

السبت ١٠ ٢٠١٦ - 03:00



أعرفُ من اشتغالي على خطاب الحب في الثقافة العربيّة الإسلاميةّ أنَّ العرب هم أكثر أمة تركت لنا مصنفاتٍ على قدر كبير من الأهمية فيه؛ وقد تنوّعت تلك المصنفات بين الأخبار السردية إلى دواوين الشعر الغزليّ والمعلقات إلى المصنفات التي تناولت الحب بالمدح أو القدح إلى جانب الرسائل الفلسفية والطبية التي ربطت بين العشق والجنون والمجاميع الحكائية الأخبارية الضخمة التي تقُدر بالعشرات. والطريف أنَّ تلك الكتابات جاءت بكتابة رجل حتى الأخبار التي ترد فيها المرأة معظمها يأتي مسرودًا من خلال سلسلة سند رجالية تغيب عنها المرأة إلا في القليل النادر. وبالتالي تندرج هذه المتون الحكائية الأخبارية ضمن ما يُسمّى «أدب المجلسيات عند العرب»، وهي مجالس في جلّها رجالية. وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة أكاديمية لتناول كيف جاءت المرأة المسرود عنها في سلسلة أخبارية ذكورية.
أعطيكم مثالاً على ما أقول، عشرقة المحاربية شاعرة جاهلية جاء ذكرها في مصادرَ نادرةٍ جدًا. وهذه «الشاعرة ُالحيزبونُ العجوزُ الزولة» كما وُصِفَتْ في كتاب «الأمالي» حَفِظَتْ لها الذاكرة الشعرية العربيّة القديمة بيتين فقط يعُدان من أجرأ ما كُتِبَ في الشعر العربيّ القديم، وخاصةً عندما ينُسب إلى امرأة شاعرة يفُترض في وظيفتها الأدبيّة أن تكونَ نادبة بكَّاءة فقط في المقام الأول والأخير. تقولُ عشرقة:
جريتُ مع العشاقِ في حلبةِ الهوى ففقتهم سبقًا وجئتُ على رسلي
فما لَبِسَ العشاقُ من حُللِ الهوى ولا خلعوا إلا الثيابَ التي أبلي
ولا شربوا كأسًا من الحبِ مرةً ولا حلوةً إلا شرابهم فضلي
يشكّل نصُ عشرقة المحاربية انتهاكًا وخرقًا لذاكرة شعرية أعلنتْ وصايتها على الذات الأنثوية المبدعة. إنَّ المرأة الشاعرة يجبُ عليها وفق هذه الطقوس أن تتحول إلى نادبة بكّاءة، كما فعلت الخنساء، وأن تندغم في الجماعة التي تشكَّل فضاءاتها الإبداعية. أمَّا حين تعلن العصيان والتمرد والخروج على عباءة شيخ القبيلة فإنها ستسبحُ في فضاءات النسيان وتصبحُ الهامش أو آخر الآخر. وهذا ما فعلته الثقافة العربية بنص عشرقة المحاربية. إنَّ هذا النصَ يعاني اغترابًا؛ فهو نصٌ مسكوتٌ عنه إذ لم يردْ ذكره سوى في مصادرَ قليلة. من منا ياترى سمع باسم هذه الشاعرة العربية الجاهلية؟!
تاريخ كتابة المرأة العربية هو تواريخ من الصمتِ والطمس والإلغاء والحذف، وأعني هنا الكتابة الذاتية الوجدانية أمَّا الكتابة عندما تندغمُ في سياقاتِ الجماعة فإنها قد تحظى ببعض الظهور.
لا شكَّ أنَّ الحديث ذو شجون ويتفرعُ بنا إلى مسائلَ كثيرة متشابكة من الممكن الحديث عنها بالتفصيل في مقالات قادمة، لكني أود هنا الإشارة إلى بعض المقاربات النقدية الحديثة المهمة التي تناولت خطاب الحب عند العرب بمقاربات منهجية متنوعة لعلَّ من أشهرها مقاربة طه حسين في كتابه «حديث الأربعاء» الذي أفرد فيه مساحات كبرى لتناول الشعر الغزليّ العذريّ والمحقّق أو الصريح. ومنها تشكيكه في وجود مجنون ليلي أو قيس بن الملوح اعتمادًا على منهجية الشك التي اعتمدها في كتابه «في الشعر الجاهلي». ومن المقاربات المهمة كذلك مقاربة الطاهر لبيب الأكاديمي التونسي وأستاذ علم الاجتماع في كتابه سوسيولوجيا الغزل العربيّ». ومقاربته قائمة على توليفات منهجية منها تطبيق مفهوم «رؤية العالم» عند لوسيان غولدمان لافتراض أنَّ جماعة الغزل العذري أصدرت خطابًا واحدًا متشابهًا فيما يتصل بالحب وكونه. وأشير أيضًا إلى مقاربة منهجية على قدر كبير من الأهمية وهي مقاربة التونسية رجاء بن سلامة في كتابها الضخم «العشق والكتابة» وهي مقاربة اعتمدت التفكيكية لتفكيك مئات المصنفات التي تناولت أخبار الحب في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. وأعد في مقالات قادمة إن شاء الله بالحديث المفصَّل عن خطاب الحب في الثقافة العربية الإسلامية فمقالة واحدة لا تكفي.
أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،
كلية الآداب، جامعة البحرين






كلمات دالة

aak_news