العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

مقترحات لتجديد آليات الخطاب الديني باستخدام التكنولوجيا (7)

بقلم: د. أحمد علي سليمان

الجمعة ٠٩ ٢٠١٦ - 03:00



نستكمل ما بدأناه، ونقول: من القضايا التي أعلم أنها ستُحدث دويًّا وجدلاً في أوساط فكرية عديدة، قضية (إدخال التكنولوجيا في خطبة الجمعة)، ولكن بشيء من التعقل والروية والموضوعية، ومشاركة العقل مع العاطفة الدينية، يمكن تجاوز هذا الجدل بصورة حضارية، تؤكد عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.. وفي البداية تعالوا لنتفق سويا على أن العالَم المعاصر يشهد طفرات تكنولوجية متسارعة ومتلاحقة، استفاد منها النابهون في معظم مجالات الحياة، غير أن استفادة المؤسسات الدينية من هذا التطور مازالت في إطار محدود، على الرغم من أن التطور سنَّة من سنن الله -تعالى- في خلقه، وهو أمر طبيعي تقتضيه عوامل البقاء على هذا الكون.. فطرائق الشرح والتدريس تتغير وتتطور وتتجدد، وأساليب التربية والتعليم تتطور، ووسائل عرض المعلومات تتطور.. وإن كانت الثوابت ثابتة لا تتغير، إلا أن التطور يلحق صور وأساليب تطبيقها على الواقع. ومن هنا فتجديد شكل وآليات وطريقة عرض الخطاب الديني لا يقل أهمية عن تجديد مضامين هذا الخطاب؛ لأن الخطاب الديني الصحيح والمؤثر هو صمام أمان المجتمع.. ونعتقد أن الاجتهاد في هذا المجال يعد اجتهادا ضروريا، ومطلبًا متوازنًا، وخصوصا إذا كان يؤكد احترام هيبة الخطيب والخطبة بشكل عام، ولا سيما في هذا العصر الذي يتسم بسرعة التطور والتعقيد، مما يضع على عاتق المؤسسات الدينية ومؤسسات إعداد وتدريب خطيب الجمعة -وهو المكلف ببث الوعي الديني للجماهير- عبئاً كبيرًا لتنمية وتطوير أدواته وآلياته التي تمكنه من النجاح في القيام بمهمته، وليكون مسايرًا لمستجدات العصر، وخصوصا في هذا الوقت من تاريخ بلادنا، وظهور تيارات دينية بأفكار متباينة. إن استدعاء المشهد الإسلامي من لدن اعتماد النبي (صلى الله عليه وسلم) إشارات بعينها يسهم في القضاء على الهوة بين النظرية والتطبيق، من خلال ضرب الأمثال وتقريب المشهد التاريخي، من خلال الصور والخرائط والرسوم وغيرها، للشعائر والفرائض والأركان، ويرسخ الأبعاد المعرفية لدى المتلقي لتظل وثيقة حاضرة في ذاكرة المسلم.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان التطور سنة كونية، فلماذا لا نجدد الخطاب الديني شكلاً ومنهاجًا؟ وإذا كنا ندعو إلى تطوير المضمون وتجديده، فهل تجديد الشكل يصبح عيبا أو حراما؟! وإذا كان كثير من العلماء قد تكلموا في تطوير محتوى الخطاب الديني ومضامينه، فإنهم تجاهلوا تجديده من حيث الشكل والأسلوب والوسائط المساعِدة على بسط آفاقه وتوسيع مجالاته، ولذلك سأركز على معالجة هذه القضية... من المعلوم لدى علماء التربية والإعلام وغيرهم أن الصورة في التعلم، تكون أبقى أثرًا في الذاكرة من الكلام والنصوص، وأشد وقعًا وتأثيرًا على المشاعر والوجدان، وأسعف وأسرع في الاستدعاء.. والصورة في الصحافة تساوي ألف كلمة.. كما أن إعمال عديد من الحواس لدى المتلقي يجعله في حالة ترقب، مما يجعل خطبة الجمعة أكثر تشويقاً ومناسبة لمختلف المستويات الثقافية والاجتماعية، وهكذا فمن الحكمة أن نستخدم كل ما يعين على الفهم، وما يزيد في البيان، فلا نكتفي بحاسة واحدة هي حاسة السمع، فليشترك البصر، وإعمال الفكر، وغيرهما في الاستعداد الكامل للتلقي والتفاعل، ولكي يتأكد موضوع الوضوح والتأثير في الخطاب، فإن الله -تعالى- لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، فلا بد إذن أن يفهموه، بشتى الوسائل التي من شأنها تحقيق هذا الهدف.. وتأكيدًا لهذه المعاني، فقد لفت الله -تعالى- أنظارنا إلى التأمل والتدبر بشتى حواسنا في كتاب الله المنظور «الكون» بما يحويه من مشاهد، ودلائل القدرة الإلهية، وآيات كونية تدل على قدرته وعظمته، لتظل حاضرة في كينونة المسلم.
الرسول (صلى الله عليه وسلم) والوسائل التوضيحية المتاحة في عصره:
لقد استخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) الوسائل التوضيحية المتاحة في عصره وهو يُعَلِّم أصحابَهُ؛ ليعلمنا أن نتفاعل مع العصر، ونستفيد من معطياته ومنجزاته العلمية والتقنية، التي تساعد على الإفهام، ونعرض هنا صورا لذلك:
- فتارة يراه الصحابة وهو يمسك عودًا ويخط خطًّا مستقيما على الأرض، ثم يخط خطوطًا متعرجةً، ويقول لأصحابه: أتدرون ما هذه الخطوط، فيقولون: الله ورسوله أعلم. فيقول: الخط الأول هو طريق الله تعالى، أما الخطوط المتعرجة فهي طرق الشيطان.
- وتارة ثانية يشير بإصبعيه السبابة والوسطى وهو يقول: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار -بإصبعيه- السبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا» في إشارة واضحة منه (صلى الله عليه وسلم) إلى أن من يكفل اليتيم سيكون قريبا منه في الجنة.
- وتارة ثالثة يراه الصحابة الكرام، وقد أخذ (صلى الله عليه وسلم) ذهباً بيمينه، وحريرًا بشماله، وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها).
- وتارة رابعة يعلّم أصحابه المنهج العلمي في كيفية الرفق بالحيوان -وهذه دعوة محسوسة- عندما كان يأكل تمرًا بيمينه، ويضع النوى في يساره ويعلف به ناضحه -أي الكبش- ويمسح على رأسه رحمة به، ويُعلم أصحابه ذلك.
- وتارة خامسة ينـزل (صلى الله عليه وسلم) من على المنبر ليحمل الحسن والحسين رحمة بهما، وليعلم المسلمين فضيلة الرفق..
وهكذا فإننا نرى أن هذا الاقتراح ليس بدعًا في الدين، بدلالة الشواهد السالفة، وغيرها كثير..
ويبقى السؤال المطروح: إلى متى سنظل بعيدين عن الاستفادة من المنجزات والتطورات والوسائل التكنولوجية الحديثة التي هدى الله البشرية إليها، والتي يمكن أن تدعم عرض مفاهيم عقيدتنا، وفقه شريعتنا بصورة تجديدية في المساجد والمراكز الإسلامية.. وبخاصة في خطبة الجمعة التي يشهدها جمع كبير من المسلمين بصورة منتظمة.
بمعنى: لماذا لا تُستخدم الوسائل الحديثة كالصور الثابتة -غير المحرمة- والرسوم والمجسمات والماكيتات والخرائط ومقاطع الفيديو والصوتيات.. وغيرها من الوسائل المتاحة، والتي قد تستجد مستقبلا، في خطبة الجمعة، التي تعد الرافد الأول من روافد الثقافة الدينية لجماهير المسلمين؟ على أن تستخدم هذه الوسائل بطريقة راقية، بحيث لا تخلّ بجلال الخطيب والخطبة وهيبتها.. وثمة موضوعات كثيرة جدًّا تحتاج بشدة إلى استخدام الخرائط والرسوم والجداول ومقاطع الفيديو والصوتيات، فعلى سبيل المثال: نجد أن المستمع لخطبة الجمعة عن شعائر الحج مثلا لا يسعفه تخيل المشاهد والأماكن والشعائر عبر الكلام فقط، ومن ثم لا يتمكن من أداء الحج أو العمرة بطريقة صحيحة بمفرده.. كأحد علماء الدين الذي سعى بين الصفا والمروة أربع عشرة مرة في أول عمرة يؤديها، وكان عمره وقتها يقترب من الستين عاما..!!. أما لو قام خطيب الجمعة المدرب والنابه باستخدام الوسائل التكنولوجية في عرض بعض الصور أو لقطات الفيديو للأماكن التي تتم فيها مناسك الحج، فيكون بذلك قد استطاع أن ينقل المصلين نقلة نوعية، حيث إن هذه اللقطات التي لا تتجاوز الدقائق المعدودات ستكون أجدى وأنفع وأثبت من عشرات الخطب المجردة؛ لأنه ليس من رأى كمن سمع، ومن ثم يستطيع أن يغرس أركان الحج ومناسكه في عقولهم ووجدانهم، على عكس الكلام النظري الذي «يتبخر» من الذاكرة سريعا.. والرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أحال أصحابه في مواقف كثيرة إلى التدريب العملي لرسوخ أثره وثباته في ذاكرة البشر طويلا، فكان يقول لأصحابه: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقال: «خذوا عني مناسككم». كما أن الأحاديث في سلسلة طويلة من الموضوعات كالإعجاز العلمي والأضحية والجهاد والغزوات التي غزاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) تقتضي أن تكون مصحوبة ببعض الخرائط والصور والمشاهد التوضيحية التي توضح طبيعة المكان وجغرافيته، والتحديات الجسام التي كانت تواجه المسلمين الأوائل في سبيل نشر الإسلام والذود عن حياضه.. وقد رأيت بعيني رأسي من نافذة الطائرة التي كانت تسير بنا بين المدينة المنورة ومكة المكرمة –ذات يوم-، رأيت جبالا سوداء كبيرة وشديدة الوعورة، تغطي معظم المسافات بين المدينتين المقدستين، فقلت في نفسي: يا لعظمة رسولنا محمد عليه السلام وأصحابه الكرام الذين قطعوا هذه المسافات في هذه المناطق الوعرة في الهجرة المباركة وغيرها، وذاقوا الأمَرين من أجل الإسلام! وأعتقد أنه لو نُقلت هذه المشاهد على ما هي عليه للمصلين بطريقة تؤكد جلال الخطيب وجلال الخطبة، لأحدثت نوعًا من القرب مع الله، وعدم التفريط في شرع الله.. وإذا كان الهدف من خطبة الجمعة هو القضاء على ظاهرة اللاوعي المظلم إلى بث الوعي الديني المنير، وإثراء الثقافة الإسلامية، وتبصير الناس بأمور دينهم، وتنظيم العلاقات بين الناس وفق ما قرره الله -تعالى-، فإن الكل يُجمع على أن خُطب الجُمع -وما أكثرها- قد فقدت قدرتها على التأثير، وأمسى الكثير منها غير مؤثر وغير محقق للهدف، كما تتسم بالتكرار الممل والرتابة التي تصرف المصلين عن الاهتمام بها، ومن هنا فإن تعظيم الاستفادة منها بشتى الطرق والوسائل التي تحفظ هيبتها وتؤكد عليها من الأهمية بمكان، ولا سيما أن من حق ديننا علينا أن نبلغه على أفضل وجه، ومن الحكمة والبصيرة أن يكون خطابنا مناسبًا للمدعوين ومؤثرًا فيهم، ولن يكون ذلك إلا بالتعاطي مع الواقع، والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة، وتجديد الخطاب الديني بصورة علمية منهجية تراعي الأبعاد السابقة.. وأعتقد –مع غيري- أن هذه الفكرة في حالة تطبيقها ستقضي على ظاهرة التخبط والعشوائية وعدم التحضير لدى الكثير من الخطباء، وتؤسس فيهم منهجية جديدة وخطابا دينيا جديدا، يستطيعون من خلاله مسايرة العصر، كما أتوقع أن تؤدي الفكرة أيضا إلى تقليل زمن الخطبة بصورة كبيرة..
وإن ما نقترحه من استخدام آليات تكنولوجية جديدة في خطبة الجمعة لهو أمل طموح في تحديث أدوات الخطيب والداعية بشكل عصري غير ممتهن، خروجًا عن النمطية والجمود؛ ليكون التواصل الفاعل مع الجماهير هو سمة المرحلة، ودعما لمرونة الفقه وقابليته للجديد النافع بمنطلقات ومرتكزات العصر، لنضمن لهذا الخطاب مقومات بلوغ الهدف من خلال الوضوح والبساطة والإقناع، ومن ثم النجاح، كل ذلك باستخدام العلم في خدمة قضايا الفكر الديني، ولن يتأتى ذلك إلا بإزالة الحواجز التي صنعها البعض بين الدعاة وبين الابتكار والتجديد..
ويمكن أن تنفذ هذه الفكرة مرحليًّا في عدة مساجد كبرى، بعد تدريب الخطباء والدعاة، ثم تأتي مرحلة التقييم والتنقيح، تمهيدًا لتعميمها، وخصوصًا أن الفكرة لا تتطلب إلا بعض الأجهزة الميسرة مثل: (الكمبيوتر أو الهاتف الذكي، والبروجيكتور، وشاشة عرض).. ويمكن لوزارات الأوقاف عمل مشروع يضم نخبة من كبار العلماء وخبراء الاتصالات ووسائل الإعلام، لإنتاج المواد التي يتطلبها المقترح، ثم نسخها وتوزيعها على إدارات الأوقاف في شتى أنحاء الجمهورية.. مع الأخذ في الاعتبار أن فكرة تطوير خطبة الجمعة لا تتعارض إطلاقا مع الشريعة -بدلالة الشواهد السابقة وبشهادة عدد كبير من علماء الأمة والدعاة، الذين كتبوا لي بخط أيديهم تأييدهم الكامل لها- بل تنسجم وتتواءم مع عالمية الرسالة الإسلامية وحيويتها ومرونتها واستيعابها للمستجدات..
وفي النهاية: أؤكد أننا لا ندعو إلى الابتداع في الدين.. ولكن ندعو إلى إعمال العقل والاجتهاد ومسايرة العصر بأدواته وآلياته، من أجل إبراز مقاصد الإسلام بصورة واضحة.. إن التجارب الدعوية الحية التي شرفني الله بها –على مدار أكثر من عقدين- والتي قمت بها في مصر وأستراليا والدنمارك والسويد وهولندا وبلجيكا وفرنسا وغيرها من دول العالم، وما قمت به من استخدام وسائل إيضاح مبسطة وبطريقة مهذبة، وأسهمت في تحقيق الفهم العميق لدى المصلين، تجعلني أقف بشدة وراء هذه الفكرة التي تؤكد حاجتنا الملحة إلى مسايرة العصر بأدواته وأساليبه بصورة تجديدية، بما يحقق أهدافنا وغاياتنا في فهم الإسلام فهمًا جيدًا، وبآليات العصر التي لا تتعارض مع الإسلام.. وإنني لعلى ثقة كبيرة بأن الله -عز وجل- لو قدر للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعيش هذا العصر الذي نعيشه الآن؛ لدعا إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا وغيرها من مستحدثات العصر، لتحقيق فهم أرقى وأوضح وأشمل للرسالة الإسلامية، ولتوضيح وتحقيق مقاصدها السامية من خلال خطاب إسلامي جديد بل ومتجدد.. كل ما أرجوه من القارئ الكريم التأني والتفكير العميق في الفكرة، وتغليب مصلحة الإسلام الكبرى وإعمال العقل والمنطق قبل العواطف والوجدان. وبالله تعالى التوفيق.






كلمات دالة

aak_news