العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

بريد القراء

ذكرياتي مع (أم جان)

الخميس ٢٥ ٢٠١٦ - 03:00



منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي (القرن العشرين) حتى سنة 1959 أو 1960 تقريبا، كنا نشاهدها في مستشفى أم جان أثناء عودتنا من مدرسة الهداية عصرا، ويستأذن مرافقي منها للدخول إلى المستشفى أثناء موسم ثمر الإكنار، ونهز الشجرة المزروعة جهة الجنوب بين المستشفى وبيت الشيخ سلمان بن حمد ونجمع الثمر المتساقط، الشخص الذي كان معي في الغالب هو المرحوم يإذن الله الأخ محمد عبدالغفار العلوي، ولد عبدالغفار العلوي مستشار التوظيف في شركة بابكو فيما مضى من الزمن، وأم جان لا ترد له الطلب، لأنها تزور بيت جدته المطوِّعة فاطمة الأنصاري، خلف مجلس الدوي في فريج الزييانة، باستمرار وكنا نشاهدها تدخل بيت المطوِّعة وفي يدها «طست» يستعمل أثناء توليد الحوامل، وشنطة فيها لوازم التمريض، والظاهر أنها تتبادل مع المطوِّعة الخبرة، أم جان تدرب المطوِّعة على المطهرات ومبادئ التمريض، والمطوِّعة فاطمة تعلم أم جان التوليد الشعبي والمساج والتدليك بزيت النارجيل، وغماز الأطفال في اللوز، وربما الكي بالنار (غير متأكد) وأم جان تشاهد وتراقب لتأخذ خبرة وفكرة وليس للتطبيق، ومن أسباب زيارتها لبيت المطوِّعة لأن ابنها عبدالغفار يتحدث اللغة الإنجليزية ويشتغل في شركة نفط، ويحضر لها كل سنة التقويم السنوي الصادر من الشركة، وكان في ذلك الوقت التقويم غير شائع ومن يحصل عليه لا يفرط فيه طوال العام، وكذلك تتبادل مع عبدالغفار الأخبار المحلية والعالمية، كنا نسمعهم يتكلمون وهما واقفان في حوش بيت المطوِّعة، أحيانا يتحدثان بالعربي وأحيانا بالإنجليزي، ولا أنسى حتى هذه الساعة دماثة أخلاق أم جان وتواضعها وتفانيها في مهنة التمريض وتقديم المساعدة والمشورة للجميع من دون تفرقة، ولم تكن مادية أو تتعرض لسيرة الناس في غيابهم ونشر أسرارهم، لأنها تولد الحوامل وتدخل البيوت وتتطلع على الأسرار، لذلك لم يذكرها إنسان بسوء أو يمنعها من دخول بيته، ولم أسمع أن أحدا أهانها أو وبخها جراء تصرفها، كان مرورها من المستشفى بحقيبة التمريض مشيا إلى الحالة، وبيت المطوِّعة فاطمة بالذات، عابرة فريج بن رشدان ثم فريج الصنقل مألوفا لدى المحرقيين، وأنا طفل في بداية خمسينيات القرن الماضي وفي بيت المطوِّعة فاطمة بالحالة مازلت أذكر مشهد أم جان حين تدخل «دهريز» البيت، ثم تقف لحظات وتلقي علينا نظرة حنونة وتسلم وتقول كلمة ترحيب أذكر على سبيل المثال: «بارك الله فيكم» و«إشلونكم يا أولاد وَيَا بنات»، كنا بالفعل ذكورا وإناثا ندرس عند المطوِّعة، ونحن جالسون على الحصر، والعرق يتصبب منا ونحاول قدر الإمكان تعريض وجوهنا لمروحة على طاولة متواضعة كي تجفف العرق ونغفل عن القراءة في المصحف للتحديق في سحر المروحة وقدرتها على جلب الهواء وتوزيعه، وفي سنوات عمرها الأخيرة شاهدنا منظرا مؤثرا في حياة أم جان، ينم عن صبرها وإخلاصها في العمل وعزة نفسها، حيث سكنت في شقة متواضعة جدا وحدها في المحرق، في الطريق المؤدي إلى «فريج الصنقل»، واستغربت -كما استغرب عدد من أصدقائي في الفريج- ترك هذه الممرضة المخلصة من دون تكريم، وعلى الرغم من ذلك لم تشكُ أو تعاتب أحدا على التقصير في حقها، وهذا دليل على حبها للمدينة ولأهل المحرق، ولم تغير سكنها؛ لأن عشقها للبحرين محفور في وجدانها، وكنت أتساءل وأنا في بداية عملي في التدريس: هل يعجز بعض الموسرين في فريجنا فقط وليس في المحرق كلها من احتواء موضوع أم جان بدفع إيجار شقتها وتزويدها بحاجياتها من طعام وشراب وملبس، وتسديد فاتورة الكهرباء والماء؟ وكلما التقيها وأسلم عليها تذكرني بأيام الدراسة لدى المطوِّعة، وتتذكر جيدا من ولدت أمهاتهم في المستشفى، وتتذكر جيدا من يعملون في الشركات، وخصوصا شركة بابكو، وتطلب من الجميع تبليغ السلام والتحية إلى من تعرفت عليهم، تذكر الرجال والنساء بالاسم، وظل هاجس التقصير في حق تكريم أم جان لا يفارقني، ونظرًا إلى قلة خبرتنا وانعدام ظاهرة تكريم المتقاعدين في تلك الفترة، وكذلك للغفلة التي استحوذت على حياتنا، لم يخطر ببالنا التطرق لموضوع تكريم أمثال هؤلاء المتفانين في خدمة البحرين، من الأجانب الذين اعتبرهم البحرينيون مواطنين مخلصين بسبب إخلاصهم وتفانيهم في حب وعشق البحرين، وربما -والله أعلم- تم تكريم أم جان في وقت أو مناسبة لا أعلم بها، وبالمناسبة كان المرحوم الصحفي اللامع والكاتب والناقد البحريني المعروف -رحمه الله وغفر له- الأستاذ محمد الماجد، يكتب في جريدة «أخبار الخليج» ولديه زاوية يومية مختصرة ومعبرة يقبل عليها جمهور عريض من القراء، هذا الأخ ونظرًا إلى حبه للخير وللمحرق والأوفياء، أذكر أنه تعرض في زاويته لحالة وظروف أم جان، في آخر أيامها في البحرين ووجه اللوم والعتاب لمن يعرفها ولها فضل عليه أو عليها، ولم يبادر بالسؤال عنها وتكريمها، أذكر أنه. كتب في زاويته: «عيب على أهالينا ترك أم جان تسكن في شقة إيجار، ولا يسأل عن حالها أهل المحرق، فهذا ليس من شيمة أهل البحرين»، انتهى كلام الأستاذ الماجد، ولا غرابة في ذلك فهذا الكاتب والناقد والقاص والصحفي العصامي كان مرهف الحس والمشاعر، وفيا وكريما مع أصدقائه، وبناء عليه عز عليه إهمال الأوفياء أمثال Um gan.
محمود محمد عبدالغفار





كلمات دالة

aak_news