العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

أحاديث حول قضايا ثقافية

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢١ ٢٠١٦ - 03:00



هذه أحاديث ليست عابرة حول قضايا ثقافية أحببت أن يشاركني القرّاء عطاءها وما حققته لي في حياتي الثقافية، وهي تجارب قد تكون شخصية، وهذه هي طبيعة التجارب، ولكنها لها عطاء عام قد يستفيد منه آخرون ولا يحتاجون إلى أن يتعرضوا إلى ما تعرضت له، ويكون خلاصة ذلك دروسا نتعلم منها أين نضع أقدامنا، ومتى نتحرك ومتى نقف لنراجع ما حسبناه صواباً وقد يكون خطأً، ولكننا لا نشعر ولا نكتشف أنه خطأ إلا بعد فوات الأوان.
قرأت منذ زمن ليس بالقريب مقالاً للأستاذ محمد جلال كشك في إحدى المجلات اللبنانية، ولعلها مجلة «الوطن العربي» وأحسست بعد قراءتي المقال بأن الأستاذ محمد كشك ناقم على كاتب اسمه سلامة موسى، وكان يسفه في هذا المقال رأي من يدعو إلى الاحتفاء بسلامة موسى، وأنه لا يستحق منا كل هذا الاهتمام، لأنه عميل يعمل ضد أمته ووطنه، ويعلن تبرؤه من العرب، ويدعو إلى اللحاق بالغرب، والانتماء إلى الأمة الأوروبية، وأنه -أي سلامة موسى- يقول: إن المصريين أقرب إلى الأوروبيين منهم إلى العرب. ثم يعدد الأستاذ محمد جلال كشك سيئات سلامة موسى، فصدمت لما قرأت هذا المقال للأستاذ كشك، وكنت وقتها أجهل من هو سلامة موسى؟ لأَنِّي لم أقرأ له كتاباً واحداً، بل كنت أحسبه كاتباً مسلماً لأنّ اسمه لا يوحي بأنه غير ذلك لأننا نحن المسلمين نسمي أبناءنا: موسى، وإسحاق، وعيسى، وغيرها من الأسماء التي ربما اختص بها إخوتنا المسيحيون، وهم كذلك يفعلون مع بعض أسمائنا.
حين انتهيت من قراءة مقال الأستاذ محمد جلال كشك عن سلامة موسى، أخذت أتساءل: هل سلامة موسى بهذا السوء الذي ذكره الأستاذ كشك، وهل هو عميل للغرب حاقد على الشرق وبالذات العرب، وبالأخص المسلمين، قلت ربما يكون الأستاذ محمد جلال كشك حاقدا وكارها لسلامة موسى لخلاف شخصي بينهما لا نعلم عنه شيئاً؟
ولأنه لا يوجد مصدر موثوق أعتمد عليه لمعرفة حقيقة الرجلين سلامة موسى وجلال كشك، فرأيت أنه لا بد أن أقرأ بعض مؤلفات سلامة موسى لأتبين حقيقة التهم التي يُتهم بها سلامة موسى من محمد جلال كشك أو من غيره، وخاصة أن الأستاذ كشك عزا بعض هذه التهم إلى بعض مؤلفات سلامة موسى.
ذهبت إلى مكتبة قديمة اعتدت التردد عليها لأَنِّي أجد فيها بعض الكتب القديمة التي أحرص على اقتنائها، فوجدت فيها مجموعة من مؤلفات سلامة موسى تزيد على عشرة كتب، فسررت بذلك، وحملتها وعدت بها إلى البيت، وبدأت القراءة فيها، واكتشفت أن الأستاذ محمد جلال كشك كان رحيماً بِنَا، إذ لم يتوسع في ذكر كل سوءات سلامة موسى، وأشار إلى بعضها، وهو برفضه دعوة الاحتفاء بسلامة موسى لأنه يرى أن في هذه الدعوة نشرا لمبادئ سلامة موسى الهدَّامة، وترويجاً لبغضه للعرب والإسلام، ونحن لا نحمل سلامة موسى (القبطي) مشقة أو عناء ذكر الإسلام بخير؛ لأنّ هذا ضد طبيعته التي يروج لها، والتي اعتادها، ولكن نطالبه بكف لسانه وقلمه عن الإساءة إلى الإسلام، وفي هذا معاملة بالمثل، فكما أن المسلمين لا يذكرون الدين المسيحي والمسيحيين بسوء، بل هم يبجلون نبي الله عيسى (عليه الصلاة والسلام)، وإيمانهم لا يكمل إلا بالإيمان بالمسيح (عليه السلام)، فلا أقل من أن يعاملنا سلامة موسى وأنصاره بالمثل.
وقصة أخرى حدثت لي مع الأستاذ خالد محمد خالد، فقد قرأت بعض كتبه الأخيرة مثل: «كما تحدث الرسول» و«جاء أبوبكر» و«بين يدي عمر» و«وداعاً عثمان» و«في رحاب علي» ومعجزة الإسلام عمر بن عبدالعزيز» و«رجال حول الرسول»، فرأيت فيه أنموذجاً للكاتب المسلم الملتزم، ووجدت في كتاباته حرارة إيمانية لم أجدها فيما قرأت عند غيره من الكتاب، ولكني حين قرأت كتاب الأستاذ فتحي يكن «الإسلام فكرة وحركة وانقلاب» صدمت حين رأيت أن الأستاذ فتحي يكن صنف الأستاذ خالد محمد خالد ضمن قائمة أعداء الإسلام الكارهين له، وأصبت بالحيرة وقلت: ربما الأستاذ يكن يتكلم عن خالد محمد خالد آخر لا أعرفه، أما خالد محمد خالد الذي قرأت له هذه المؤلفات التي ذكرت بعضها يستحيل أن يكون عدواً للإسلام مناوئاً له؟ هذا التساؤل المشوب بالحيرة، ولا أبالغ إذا قلت المشوب بالصدمة، هو وما حدث لي مع سلامة موسى، قادني كل ذلك إلى التعرف على كلا الكاتبين، فتبين لي من قراءة بعض كتب سلامة موسى حقيقة هذا الكاتب الكاره للإسلام وللعرب، وتبين لي من قراءة ما كتبه الآخرون عن خالد محمد خالد، أنه شيخ أزهري، ولكنه تعرض في بواكير حياته لصدمة قادته إلى أن يكتب أول كتبه، وهو «من هنا نبدأ»، الذي أنكر فيه صلة الإسلام بالدولة، ونفى أن يكون للإسلام صلة من قريب أو بعيد بالسياسة، وأنه علاقة بين الإنسان وخالقه سبحانه، وتبين لي أن الأستاذ فتحي يكن حين صنف الأستاذ خالد محمد خالد ضمن قائمة أعداء الإسلام كان يتحدث عن خالد محمد خالد في مراحل حياته الأولى وعن كتابه «من هنا نبدأ».
من هنا توصلت إلى قاعدة ثقافية وهي: «عليك أن تقرأ عن الكاتب قبل أن تقرا للكاتب»، وذلك حتى تتعرف على تطوره الفكري، ومراحل تحولاته الثقافية حتى لا تفاجأ -وأنت تقرأ له- بموقف أو برأي ينتسب إلى المراحل الأولى من حياته الثقافية، فتظن أن هذا الكاتب ليس له موقف ثابت، وأنه متلون وليس له مواقف مبدئية يعول عليها.
وقبل هذه القاعدة توصلت إلى أخرى، وهذه أسوقها إلى من يود تحويل العادة إلى ما يشبه العبادة، فتكون القراءة وصحبة الكتاب جزءاً مهماً من حياته، وفقرة أساسية من فقرات برنامجه اليومي لا ينساها ولا يتناساها، هذه القاعدة تقول: «اقرأ ما تحب حتى تحب ما تقرأ»، وأقصد بذلك: أنك حين تقرأ في الموضوعات التي تحبها وتميل إليها، فإنّ هذا الميل، وذاك الحب سوف يكون لك عوناً على الصبر على القراءة وصحبة الكتاب، فإذا اعتدت على ذلك، فسوف تحب كل ما تقرأ بعد ذلك.
هذه أحاديث ليست سطحية عن بعض القضايا الثقافية، أحببت أن أشارك فيها القرّاء، لعل فيها شيئاً من الفائدة التي قد ينتفعون بها. 

 aalbinfalah@gmail.com






كلمات دالة

aak_news