العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

نظرية الصدمة.. ورأسمالية الكوارث

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢١ ٢٠١٦ - 03:00



تخيل نفسك، أنك ممدد على سرير أبيض، وحولك مجموعة من المختصين، وبيد أحدهم جهاز يعرض عقلك لصدمة كهربائية، أنت الآن واقع تحت تأثير الصدمة الكهربائية، تصرخ، تتألم، تنقبض عضلاتك، تنتفض، ثم تسترخي كل عضلاتك، ويتوقف عقلك عن التفكير، ثم يغمى عليك.
تخيل نفسك أنك تتعرض لمثل هذه الصدمة الكهربائية بمعدل كل يوم تقريبًا، ليس ذلك فحسب، وإنما وبعد الانتهاء من جلسة الصدمة الكهربائية تلك تسجن في غرفة منفردة مظلمة، لا تكاد ترى أحدا أو تتكلم مع أحد أو تسمع أحدا، حواسك كلها معطلة.
ولا يكتفي المختصون بذلك، وإنما بالإضافة إلى الصدمة الكهربائية والسجن المنفرد في غرفة مظلمة فإنك تتعرض، بصورة يومية أيضًا، لغسيل مخ بمواد كيميائية بهدف مسح كل ما هو موجود في ذاكرتك، حتى أنك تنسى -كما نقول بالمحلية- حليب أمك.
يا ترى كم يمكنك أن تصمد؟ ستعيش في فراغ، لا اسم، لا هوية، لا ماضيَ ولا ذاكرة، صفحة بيضاء، لا تعرف أحدا، حتى لغتك الأم تمحى من ذاكرتك، أنت الآن لا شيء سوى فراغ، فضاء هائل لا يحمل أي ذاكرة الآن، كانت قد تراكمت منذ طفولتك وماضيك حتى حاضرك، أنت لا شيء، عندئذ تشعر أنك تعيش في واقع لا تعرفه، وحاضر لا يقرب إليك ولا تفهمه، أنت تعيش الآن لحظة ما يعرف بـ«الصدمة».
ولم ينتهِ الموضوع عند هذا الحد، وإنما يأتي هؤلاء الاختصاصيون ويجملون أنفسهم لك وأنت غائب في مرحلة الصدمة، ويصورون لك أنهم الأبطال الذين سوف يخرجونك من هذه الأزمة التي تعيش فيها، وأنهم قادرون على فعل كثير من الأمور التي لا يستطيع أي بشر القيام بها، لذلك فإنهم يمنحونك اسما جديدا، وهوية جديدة، وذاكرة وتاريخا جديدا، كلها لا تمت إلى شخصيتك وماضيك وحياتك بشيء، وحياة جديدة تمامًا، وربما زوجة وأولادا، وأمًّا وأبًا وأشقاء وشقيقات، ومنزلا وعملا وسيارة، وثروة صغيرة، وكل ما يتمناه الإنسان في الحياة الآنية، عندئذ حتمًا ستدين للاختصاصيين بالولاء، فهم الذين أخرجوك من حالة الصدمة، وهم الذين منحوك الحياة التي كنت تفتقدها خلال فترة السجن والصدمات الكهربائية وغسيل المخ، وهم الأبطال الذين أنقذوا حياتك وحياة أسرتك، وهم الأبطال الذين احتضنوك في ساعات الضياع والغربة، وأنهم منحة من السماء والقدر لإنقاذ البشرية من كل ذلك الضياع التي تعيش فيه.
ولم يكتفوا بذلك، وإنما يخلقون لك وفي قاع مخك ومخيلتك عدوا وهميا، هذا العدو يريد أن يقضي عليك، يمحو وجودك ويسحق كيانك وحياتك وحياة أسرتك، عندئذ فإنك -بلا شك- ستلتصق بشدة بهؤلاء الاختصاصيين الذين يريدون لك كل الخير، وربما تقدم لهم حياتك كلها حتى ينقذوك من الوهم الذي هم صنعوه.
الآن تخيل معي أن ما تم أجراؤه على شخص واحد يتم إجراؤه على شعوب كاملة، كما حدث في تشيلي والأرجنتين وأفغانستان والعراق وسوريا والعديد من الدول، حكومات تسقط بسبب انقلابات عسكرية وتجتث ما يعرف بالديمقراطية وتأتي حكومات عسكرية ديكتاتورية تتحكم في خيرات البلاد، فترتفع الأسعار بصورة جنونية، وترتفع مستويات البطالة، ويزيد التضخم، وتتزايد الاعتقالات التعسفية والاختطافات العلنية وأعمال الشغب والقتل والتشريد والانفجارات، وتحدث فوضى عارمة في البلاد، عندها يغيب الشعب عن وعيه ويعجز عن فهم وإدراك ما يدور حوله، ويصاب بالشلل في التفكير والفهم والإدراك، وتنغلق كل الأبواب في وجهه، ولا يلوح في الأفق أي حل يمكن أن يخرجه من الواقع الذي يعيشه، ويستمر الحال على ذلك حتى يقع هذا الشعب في حالة «الصدمة» ويصبح مستعدًا لقبول أي حلول، حتى لو كانت من مصادر خارجية، وحتى لو كانت جاهزة، كان من المستحيل في يوم ما أن يقبلها سابقًا، إلا أنه سوف يقبلها الآن من أجل الخروج من هذه الصدمة وهذا الفراغ الذي يعيشه.
عندئذ تتقدم الدول الرأسمالية وعلى رأسها الدولة العظيمة الحنون والأم الرؤوم «أمريكا» وتقدم بكل حنانها وبكل تواضعها وبكل حبها لإنقاذ البشرية كل الحلول الممكنة للخروج من هذه الأزمة أو هذه الصدمة التي افتعلتها هي على يد أبطال صنعتهم هي في مدارسها، وربتهم على ترابها، وسقتهم من حليبها، وزرعت في عقولهم بذرة الشر فنبتت أشجارا وحدائق من رأس الشيطان، بهدف تدمير الأوطان وتفريق المفرق وتمزيق الممزق، وهي تظهر أمام الجميع أنها لا تريد شيئا، وفي الحقيقة فإنها تريد فقط ولاء الشعوب والحكام ونفطهم وثرواتهم، وتمزيق الشعب والأمة، فقط هذا الذي تريده.
هذا بالضبط ما قالته الكاتبة (نعومي كلاين) في كتابها (عقيدة الصدمة.. صعود رأسمالية الكوارث) الذي صدر عام 2009، ويقع هذا الكتاب في حوالي 750 صفحة من القطع المتوسط.
يقول الكاتب (ثائر دوري) عندما قام بعرض الكتاب: «يمكن اعتبار هذا الكتاب الموسوعي الضخم أهم ما صدر عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة في العالم منذ ثلاثين عامًا، وخاصة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. تسمي الكاتبة هذه السياسات بسياسة «المعالجة بالصدمة»، وتشرح ما جرى في البلدان التي تعرضت للعلاج بعقيدة الصدمة، كما تشرح تأثير سياسات صبيان مدرسة شيكاغو على الدول التي طبقتها، سياسيًا واجتماعيًا، من إندونيسيا سوهارتو إلى تشيلي والأرجنتين والبرازيل ثم روسيا وشرق آسيا وصولاً إلى العراق.
ويقوم مذهب رأسمالية الكوارث على استغلال كارثة، سواء كانت انقلابًا، أم هجومًا إرهابيًا، أم انهيارًا للسوق، أم حربًا، أم تسونامي، أم إعصارًا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. فالكارثة تضع جميع السكان في حال من الصدمة الجماعية، وتخدم القنابل المتساقطة والعنف المتفجر والرياح العاتية، كلها، لتطويع مجمل المجتمعات».
وأنا أقرأ هذا الكتاب المذهل، واسمع محاضرة للكاتبة عبر اليوتيوب تذكرت أمرين، أحدهما متعلق بموضوع تغير المناخ والآخر ما يتعلق بطالبان وداعش وهذه الفئات التي تدعي الإسلام.
أما فيما يخص تغير المناخ، فإن لم تخني الذاكرة أنه في عام 2010 عندما كان العالم يستعد لقمة الأرض التي تنعقد كل عشر سنوات مرة بشأن البيئة والمناخ، أو ربما بعد ذلك لا أتذكر، ولكن كل الذي أتذكره أني قرأت في ذلك الوقت تقريرا جريئا يشير فيه بعض الباحثين الذين كتبوا التقرير إلى أن ما يشاع حول موضوع «تغير المناخ» ما هو إلا كذب وتلفيق وأمر غير حقيقي، وأن الدول العظمى -وعلى رأسها أمريكا- قد سخرت العديد من العلماء الذين اشترتهم بملايين الدولارات للتحدث حول هذا الموضوع ولخلق حالة هلع ورعب جديدة من عدو وهمي عام ومشترك يهدد البشرية بالابتلاع والغرق، وهذه المرة كان العدو الوهمي هو موضوع تغير المناخ، ويشير التقرير أيضًا أنه حتى ما يحدث من فيضانات وكوارث طبيعية مثل تسونامي وغيرها لا تحدث إلا بفعل فاعل، فهذه الدول تضع أطنانا من الديناميت والمتفجرات في أماكن معينة من قاع البحر، وتدرس كل الاحتمالات وتضع تصورات رياضية لكل ما يمكن أن يحدث، وفي ساعة الصفر تنفجر كل هذه المتفجرات في لحظة واحدة، فتحدث كارثة يتصورها العامة أنها طبيعية، ولكنها في الحقيقة غير ذلك، المهم أنها حالة «الصدمة» تتكرر هنا، حينئذ تتقدم الشركات الصناعية العظمى الآتية من ما وراء المحيطات لمد يد العون ومن ثم شراء تلك المناطق المنكوبة بثمن بخس، دراهم معدودة، لتقيم عليها مشاريعها الجبارة لتمتص بعدها دماء الشعوب.
نفس الفكرة، صدمة ناتجة من كارثة طبيعية، عدو وهمي وهو في هذه الحالة (الطبيعة وتغير المناخ)، ثم تتقدم الدول الرأسمالية لتقديم الحلول، فتوافق عليها الشعوب المنكوبة.
أما بالنسبة إلى طالبان وداعش، فإني أتذكر أنه في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان الصراع محتدما بين فصائل من مجاهدي الأفغان والاتحاد السوفيتي، كانت أمريكا ودول الغرب تتفرجان على الأحداث، وعندما أعلن المجاهدون أنهم على مشارف كابول -العاصمة الأفغانية- انبرت من العدم حركة «طالبان»، بكل أسلحتها ورجالات وجيوشها، لا نعرف من أين أتت ومن أين جاءت بكل تلك الأسلحة المتطورة، وكيف انبرت في ساحات المعارك، وبدأت تقاتل وتقاتل، ودخلت كابول وخرجت من اللعبة الفصائل المجاهدة التي أعلنت سابقًا أنها تنوي إقامة الدولة الإسلامية، وسيطرت حركة طالبان على المشهد الأفغاني. ولكننا عرفنا بعد ذلك أن طالبان صنيعة الأمريكان وكذلك القاعدة، وما حدث في أفغانستان يحدث اليوم في سوريا والعراق، ولكن بمسمى يختلف نوعًا ما، فهنا اسمها «داعش» وهناك اسمها «طالبان»، وفي مكان ثالث اسمها «حزب اللات» والعديد من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وفي اللحظة المناسبة ستتدخل أمريكا وتقدم الحلول على أطباق من الذهب، فتقبلها الشعوب على مضض، لأنها تريد الخروج من حالة «الصدمة» التي تعيشها.

Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news