العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
«فوجي» بين السياسة والدين

بقلم: د. خليل حسن j

السبت ٢٠ ٢٠١٦ - 03:30



دعيت في اليوم العاشر من شهر يوليو الماضي الى الاحتفالية السنوية لافتتاح جبل فوجي للتسلق، والذي هو أعلى جبل في اليابان، ويمتاز بجمال قمته، بغطائه الثلجي الأبيض. فعادة تمنع سلطات هذه المنطقة هواة تسلق الجبال من تسلق جبل فوجي في فصل الشتاء، والذي يبدأ في هذا الجبل من نهاية شهر أكتوبر حتى بداية شهر يوليو. ويحتاج صعود هذا الجبل، الذي يصل ارتفاعه إلى 3776 مترا الى حوالي ست ساعات، بينما يحتاج النزول إلى ثلاث ساعات. وتقوم السلطات الحكومية للمنطقة مع ممثلين من المؤسسة الدينية بتنظيم هذه الاحتفالية، وتدعو اليها مسئولين من السفارة البريطانية والحكومة والبرلمان والاعلام. وتنقسم هذه الاحتفالية إلى قسمين، جزء «سياسي» يتم في ساحة عامة صغيرة خارج معبد جبل فوجي، ويفتتحه حاكم منطقة فوجي، وتلقى فيه ثلاثة خطابات، لحاكم المنطقة وممثل المنطقة في البرلمان وممثل عن السفارة البريطانية، ويحضره رجال السياسة والإعلام والدبلوماسية وأهالي المنطقة مع الطلبة، «بدون» رجال الدين. اما الجزء «الديني» فينقسم إلى أربعة أقسام ويحضره الجميع مع رجال الدين.
وتدعى الى هذه الاحتفالية سنويا سفارة المملكة المتحدة، بسبب أن أول من تسلق جبل فوجي كاملا حتى قمة الجبل من الأجانب هو السير رادرفورد الكوك البريطاني في عام 1868، كما أن أول امرأة أجنبية تسلقت جبل فوجي هي السيدة فاني بارك، وهي زوجة السفير البريطاني سير هاري بارك، في عام 1869. كما أن آخر مرة انفجر بركان هذا الجبل كان في عام 1707، ويعتبر جبل فوجي أحد الجبال الثلاثة المقدسة في اليابان، مع جبل تاته، وجبل هاكو، ويعتبر جزءا من التراث العالمي ضمن قائمة اليونسكو، حيث ألهم هذا الجبل الشعراء والفنانين، وكان موقعا للحجيج على مدى قرون طويلة. وتضم منطقة هذا الجبل 25 موقعا منها ضريح «فوجي سان هونجو سنجن»، وستة أضرحة شنتو ومعابد بوذية أخرى، كما تضم أيضا بيتين خشبيين تقليديين قديمين، وبحيريتي ياماناكا وكاواجوشي، وثمانية ينابيع معدنية حارة. كما بني في منخفض من هذا الجبل معبد «تايسكيجي» في عام 1290، ويعتبر هذا المعبد مركزا مهما لإحدى الطوائف البوذية في اليابان، وهي بوذية نشرين شوشو، التي هي المدرسة الأرثوذكسية لفرع بوذية «نشرين»، والتي تعتمد على تعليمات القس الياباني المشهور نشرين دايشونون، الذي عاش في الفترة بين عام 1222 وعام 1282، وكان متعصبا لطائفة معينة من البوذية، اعتبرها سببا للخلاص من الفقر والمرض والكوارث الطبيعية. واعتمدت تعاليمه على تغيير التفكير السلبي بالتفكير الإيجابي، مع التأمل لتهدئة العقل، والتركيز على طهارة النفس، والحكمة لشلّ الرغبات السلبية، مع التوجيه لحقيقة بوذا الكونية، التي تضم ثلاثة من أسرار قوانينها، وهي العبادة، والتأمل، والوصول إلى حكمة الرصانة والانضباط.
وتتكون كلمة فوجي في اليابانية من قسمين، يعني الجزء الأول منها الثراء، بينما يعني الجزء الثاني الإنسان في مرتبة بارزة. ولكون جبل فوجي ظاهرة طبيعية مميزة لليابان، وتعتبر روحه من أعظم خلق الخالق جلت عظمته، حيث تعتقد عقيدة الشنتو اليابانية أن جميع الظواهر الطبيعية، من نباتات وحيوانات وجبال وأنهار ووديان ومحيطات وبحار، لها أرواح مقدسة، يجب أن تحترم وتبارك ويحافظ عليها. لذلك تكون احتفالية جبل فوجي احتفالية هامة في المجتمع الياباني، والملفت للنظر في هذه الاحتفالية الفصل التام بين السياسة والدين، فالجزء السياسي القصير من الاحتفالية يتم خارج المعابد، ولا يشارك فيه رجال الدين، بينما يتم الجزء الديني الطويل منه في عدة أضرحة شنتو ومعابد بوذية حول جبل فوجي. ويبدأ الجزء الأول من الاحتفالية الدينية في معبد الشنتو لجبل فوجي، حيث يجلس الحاضرون على كراسي أمام ما يشبه المسرح، والذي يضم طاولة مستطيلة طويلة، وعلى جانبيها عمود خشبي، معلق عليه لوحة دينية. وتتم هذه الاحتفالية بدخول ثمانية من قساوسة الشنتو، يترأسهم العميد، الذي يقوم بتحريك عصا خشبية، معلق عليها مجموعة من قصاصات ورقية بيضاء، لرش البركات على الحاضرين، ومن ثم يبدأ بتلاوة موشحات دينية. وبعدها يقوم فريق من القساوسة الشباب بجلب مجموعة من الصحون بها الأرز، ثم السمك، وثم حلوى الأرز، ومن ثم مجموعة من الخضراوات، وبعدها مجموعة من الفواكه، لتقدم لكامي المعبد. والكامي بمفهومنا الديني الشرق اوسطي هو كملك من ملايين ملائكة الكامي اليابانية، التي تحوم حول جمال الطبيعة من بحار ومحيطات، وجبال وأنهار، وأشجار وغابات، كما تزور الأضرحة والمعابد. ثم ينهي عميد القساوسة الاحتفالية بتلاوة دينية، مع وقوف المدعوين، تتبعها انحناءتان بسيطتان.
وينتقل الحاضرون بعد ذلك بالسيارات إلى معبد بوذي على مدخل جبل فوجي، لتتم «عملية تطهير أجسام ونفوس وعقول» مجموعة من الشباب البالغين من خلال انصباب ماء الجبل على أجسادهم، مع وقوف الرهبان البوذيين والمدعوين، مع تكرار تلاوة موشحات دينية. ثم ينتقل الجميع إلى بوابة مسار الجبل للصعود، وقبل أن تبدأ عملية الصعود تتم احتفالية أخرى وقوفا، وتجمع بين بعض تلاوات دينية، مع ألحان موسيقية من آلة نفخ صدفية. وبعدها ينتقل الجميع للجلوس حول حلبة، بها صندوق خشبي كبير، مغطى بأغصان الأشجار، ليقوم احد الرهبان بإلقاء عدة سهام حارقة في أربع جهات منها، الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبعدها يعطى للحاضرين قطعة خشبية، ليكتب كل اسمه عليها، ولتبدأ بعدها احتفالية تطهير هواء الجبل، بدخان يصدر من حرق الصندوق الخشبي، وليقوم الحاضرون في صف، لإلقاء القطع الخشبية في وسط الصندوق المحترق. وبعد ذلك يتم زيارة موقع التذكار المرمري، لأول متسلق أجنبي بريطاني، ووضع اكليل من الزهور بجانبه، ولتنتهي الاحتفالية بقيام طلبة المدارس بحفلة ترحيب لممثل السفارة البريطانية وعائلته، حيث يبدأ ذلك بخطاب ثم بحفلة موسيقية بالناي، وبعدها يقدم الطلبة للضيف لوحة مرسوما عليها جبل فوجي، وأربعة شمعدانات تمثل كل منها فصلاً من فصول السنة، ولتنتهي الاحتفالية بتناول الغداء.
والجدير بالذكر ان هناك مجموعة من رجال الدين اليابانيين الذين يهتمون بروحانيات جبل فوجي ويعرفون «باليامابوشي»، وهم رهبان يعيشون العزلة والزهد والتصوف على قمم الجبال، ويعتقدون في عقيدة «شوجندو»، والتي هي عقيدة توافقية تجمع بتناغم بين البوذية والشنتو والتاوية الصينية، والتي تعتمد على التنوير بفهم العلاقة الروحانية بين الإنسان والطبيعة، كما يشكلون كونفدرالية مع عدة معابد أخرى، وترجع أصولهم للقرن الثامن الميلادي، كما ان هناك تشابها بين تعليماتهم وتعاليم الساموراي في الحياة المعيشية والعسكرية. وتعتمد عقيدتهم على التحمل والبحث عن الروحانيات والقوى فوق الطبيعية. كما يركزون خلال عزلتهم وتصوفهم في قمة الجبل على دراسة الطبيعة والروحانيات والدين والرياضة العسكرية، لتحسين نفوسهم وعقولهم وأجسامهم. وقد جمعت هذه الفئة قديما في التاريخ الياباني بين التصوف والرهبنة في العبادة، وقوة وجرأة وسلوك وخلق الساموراي في العسكرية، مع الانضباط والتنظيم في السياسة. وقد برزت قوتهم في القرن الثالث والرابع عشر لينتظموا على شكل محاربي «الكونشا»، وليأخذوا تعليماتهم من مراكز معابد طائفتهم.
وقد ساعدت طائفة «اليمابوشي»، في القرن الرابع عشر، الامبراطور جودايجو في محاولته للتخلص من لوردات الحروب الكاماكورا، كما استخدموا مميزاتهم الجسمية والعقلية والنفسية للانتصار على عساكر السموراي، ودعم السلطة المركزية للديوان الإمبراطوري. كما لعبوا دورا مهما بين المستشارين العسكريين لتوحيد اليابان، فبعضهم استطاع تحت قيادة «تاكيدا شنجن» مساعدة أودا نوبوناجا ضد يوسوجي كنشن في عام 1568، وبعضهم الآخر دعم توكوجاوا اياسو. كما أن بعضهم حارب مع «الايكو ايكي» ضد نوبونجا، والذي استطاع في النهاية القضاء عليهم وإنهاء الدور العسكري للرهبان، بعد أن بدأ في عملية توحيد اليابان.
وقد كان «الايكو ايكي» مجموعة من الثوار الفلاحين والرهبان البوذيين والقساوسة الشنتو والنبلاء المحليين، الذين ثاروا على حكم الديمو في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والذين آمنوا ببوذية الأرض الطاهرة، وشكلوا تحالفاً للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، كما شاركوا في عدة انتفاضات شعبية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ومع انتهاء حرب أونين في عام 1477، سيطر كثير من أعضاء الايكو ايكي على المعابد والأضرحة والكنائس ودقوا الأجراس الحذرة ليلا ونهارا ليبعثوا القلق في قلوب الأثرياء، ولم يكونوا منظمين في البداية، وكانوا تابعين لتعاليم الراهب رنيو، المؤمن بعقيدة نشرين البوذية، وقد اضطر ان يهرب من كيوتو في عام 1465 ليشكل معبد يوشي زاكي. وفي عام 1484 اشتعلت انتفاضة منظمة لجماعة الايكو ايكي، فتخلصوا من حاكم المقاطعة، وسيطروا على الحكم، لتكون اول تجربة يابانية في الحكم الذاتي. وقد تعرضت طائفة الايكو ايكي للاضطهاد، فانتقلت جمعيتهم للعمل السري، باسم جمعية كاكوره نيبوتسو، والتي كانت تمارس بوذية جودو شنشو السرية في جزيرة كيوشو اليابانية، في فترة الاضطهاد الطائفي من عام 1555 حتى عام 1865، قبل بدء عصر التنوير في عهد الإمبراطور ميجي.
فالملفت للنظر في احتفالية جبل فوجي الفصل البارز جدا بين الدين والسياسة. فالقانون الياباني يفصل بحدة بين الدين والسياسة، وذلك بعد تجربة قرون طويلة مريرة مدمرة من الخلط بينهما. حيث عانى المجتمع الياباني من تاريخ دموي طويل ومدمر من الصراعات بين رجال السياسة ورجال الدين، بل بين الطوائف الدينية والمذهبية العديدة والمختلفة. حيث كانت هناك مئات متعددة من الطوائف البوذية، بالإضافة الى المسيحية، كما أن هناك ما يقارب مائة وستين ألف معبد بوذي وشنتو منفصلة، بالإضافة الى بعض الكنائس والمعابد اليهودية والمساجد. وكانت اليابان قبل القرن السادس عشر منقسمة لعدة ولايات صغيرة تقودها لوردات حروب، بمساعدة عساكر السموراي، بينما كان الحكم المركزي للإمبراطور مشلولاً عمليا. وقد لعبت عصبية بعض رجال الدين دورا كبيرا في الصراعات السياسية والطائفية في اليابان، بل يعتقد البعض أن أفكارهم «المتطرفة» هي التي أدت للدفع بالجيش الياباني للغزو الآسيوي، والدخول في الحرب العالمية الثانية. حيث كان «يؤمن» بعض الرهبان بأن هناك حرباً عظيمة مستقبلية قادمة، وعلى اليابان أن تكون مستعدة لقيادة آسيا في هذه الحرب ضد الغزو الغربي. ولم تنته هذه الفوضى الدينية المذهبية الطائفية إلا حينما بدأ القانون الياباني فصل الدين عن السياسة والدولة، مع إبعاد لوردات الحروب وعساكر السموراي عن الحكم المركزي للإمبراطورية. وقد فصل الدستور الياباني بعد دمار الحرب العالمية الثانية فصلاً «مطلقا» بين الدين والسياسة، ليحدث تناغماً مجتمعياً ملموساً، وليتفرغ رجال الدين للتعبد وملاحظة المعابد والأضرحة وتطويرها، ولتتطور اليابان إلى ثاني اقتصاد عالمي خلال عقود قليلة من خلال تركيزها على العلم والعمل والأخلاق. والجدير بالذكر أن رجال الدين اليابانيين لا يتصورون اليوم أن الوعظ والإرشاد مسئولية من مسئولياتهم، بل يعتبرونها ظاهرة «معيبة» أن يحاول رجل الدين وعظ وإرشاد المواطن الياباني، وكأنه مواطن غبي وبدون قيم أو أخلاق، بل يؤمنون بأنها مسئولية التعليم، من خلال التربية المنزلية والمجتمعية والحصص المدرسية في الآداب والسلوك الاخلاقي. كما لا يدرس الدين والمثيولوجيا في المدارس اليابانية. ولنا لقاء.
j سفير البحرين في اليابان






كلمات دالة

aak_news