العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

أهمية التخطيط الإستراتيجي لدول الخليج العربية

بقلم: حسن علي البنفلاح

الأربعاء ١٧ ٢٠١٦ - 03:00




كثيرا ما نسمع أو نقرأ عن موضوع التخطيط الإستراتيجي المطبق والمعمول به كأسلوب تخطيطي مستقبلي في كثير من دول العالم، سواء المتقدم منها أو النامي، والتي عادة ما ترغب في أن تضفي على مستقبلها زخما متفائلا من الرؤى الواضحة في مجال تنمية مختلف قطاعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الأمنية، وإبراز الأهداف المناسبة لحياة شعوبها، من أجل تحقيق المقاصد الخيّرة للوطن والمواطنين. ودائما ما يُنظر إلى قضية التخطيط الاستراتيجي على أنها قضية مهمة، بل جديرة بالاهتمام، باعتبارها ركيزة أساسية لتحفيز الحكومات على المضي قدما في اتباع منهجية الفكر الاستراتيجي الذي يعتبر الأرضية الخصبة التي تحتضن في باطنها البذرة الأساسية للنمو والتحول نحو الأخذ بأسلوب التخطيط الاستراتيجي الشامل لكل شؤون مرافق الدولة الحديثة التي ترغب في تحقيق نتائج إيجابية لكل أنشطتها. إن الفكر الاستراتيجي الواضح التوجه يخدم التخطيط الاستراتيجي ذا الرؤية البعيدة المدى لمستقبل زاهر يعطي كثيرا من الاحتمالات المتفائلة ضمن سيناريوهات إنتاجية إيجابية متعددة الجوانب والمجالات تأخذ على عاتقها رسم تصورات قابلة للتنفيذ في شكل برنامج تخطيطي استراتيجي سليم يعطي نتائج ناجحة للمستقبل المتوسط والبعيد، وخاصة إذا تم تأسيس هذه التصورات على دراسات بحثية تحليلية دقيقة تأخذ على عاتقها كثيرا من الإمكانات المتوافرة والقدرات الممكنة، المادية منها وغير المادية، لمختلف قطاعات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية بالدرجة الأولى، كما تجعل الدولة على علم ومعرفة وإدراك بقدرتها على معالجة مختلف الاحتمالات السلبية التي قد تطرأ أثناء تنفيذ الخطة الاستراتيجية.
من المؤسف أن الفكر الاستراتيجي ذا المضمون المحفز للفكر الإداري الحديث الذي يعتمد بالدرجة الأولى على أساليب علمية وتكنولوجية مستخدمة في مجال الإدارة الحديثة يكاد يكون غائبا عن عالمنا العربي، باستثناء بعض من دوله التي تنبهت إلى هذا الفكر الرصين وأخذت ببعض جوانبه وليس كلها.
التخطيط الاستراتيجي أساسه فكر استراتيجي واضح وسليم يهدف إلى وضع خطط بعيدة المدى تأخذ في حسبانها المتغيرات الداخلية للدولة، والخارجية المبنية على العلاقات بين دول الإقليم وبقية دول العالم، ولكي يكون التخطيط الاستراتيجي ناجحا وفاعلا فلا بدَّ أن يبنى على قاعدة أساسها الإجابة عن السؤال التالي: أين تتجه الدولة في حاضرها ومستقبلها المنظور وغير المنظور؟ وهل لديها رؤية واقعية تأخذ في اعتبارها الإحاطة بما لديها من إمكانيات وقدرات اقتصادية وإدارية وتكنولوجية تمكنها من رسم مستقبلها المتوسط والبعيد، بعد أن تدرك وتستوعب نوعية ارتباطاتها وعلاقاتها مع دول الإقليم، وتحدد من هو الصديق ومن هو العدو في كثير من الجوانب التي تمس أمنها واستقرارها وسلامة شعبها.
إن دول مجلس التعاون الخليجي وهي تعايش واقع المستجدات والأحداث التي مرت بها في الماضي والحاضر، لتشعر بواقعية مدى تأثيرات هذه الأحداث على قطاعاتها الإنتاجية، وبالتالي فهي في أمس الحاجة إلى الالتفات -بنظرة جدية وثاقبة- إلى أهمية وضرورة تطبيقات الفكر الاستراتيجي في إدارة شؤونها ومراعاة ظروفها، وعليها أن تحثّ الخطى لاعتماد نظريات التخطيط الاستراتيجي السليم المتكامل في مرافقها ومختلف قطاعاتها السياسية والاقتصادية والأمنية من أجل تأكيد صحة مسار قطاعاتها العامة والخاصة، والاقتناع بأن الأخذ بهذه النظريات يُعد منهجا واضحا يرسم الأهداف ويبيّن الغايات ضمن خطوات عملية واقعية تحدد المدى الذي تستطيع هذه الدول بواسطتها تحقيق آمال شعوبها، مستغلة في ذلك كل إمكانياتها وقدراتها المادية والبشرية والمعنوية بقصد خلق مستقبل سياسي واقتصادي وعسكري قادر على ردع أي تهديدات أو مخاطر تأتي ممن يضمر لهذه المنطقة الشر. إن التخطيط الاستراتيجي المسبق دائما ما ينير الطريق نحو رؤية واضحة لما سيتم تنفيذه في حاضر الدول ومستقبلها؛ لأنه نظام متكامل يعتمد خطوات قابلة للتنفيذ تعطي مردودا جيدا من العوائد والمزايا التنموية الخيّرة، وخاصة إذا تم بناؤه على أرقام تحليلية وإحصائية وعناصر عملية متاحة تستطيع أن تبلور نتائج المستقبل بصورة لا لبس فيها. ومن أهم عوامل نجاح أي تخطيط استراتيجي مستقبلي أن تكون أطره قائمة على توقعات متأنية قابلة للتحقيق ومدروسة ضمن تصور واقعي لقدرات المجتمع، بالإضافة إلى سلامة الاحتمالات المنطلقة من حقائق الواقع وقادرة على تحقيق أهداف قطاعات الدولة بالإمكانيات والقدرات التي تمتلكها والقادرة على إنجاز التطور المستهدف. إن الدول التي تقدر أهمية إنجاز الأعمال وفقا لفكر استراتيجي ناضج فإنها -لا شك- ستجني النتائج المرجوة لمستقبل زاهر يحفظ كيانها وقوتها ومستقبل أبنائها.
كما أن ميزة العمل وفق منهجية التخطيط الاستراتيجي السليم يعطي الدول مساحة من الوقت للتركيز على معالجة عوائق مسارات أنشطتها وتقييم مراحل إنجازاتها، وتأكيد صحة وسلامة أهدافها، وخاصة إذا بادرت أولا بأول بتصحيح أي انحرافات أو عثرات تطرأ على خطها الاستراتيجي.
كذلك فإنّ العمل وفقا لمخطط استراتيجي واضح المعالم مبني على فكر استراتيجي سليم لم يصبح ترفا للدول والشعوب، إنما هو ضرورة وحتمية مصيرية لأي دولة تريد أن تأمن على مصالحها ومستقبلها، لذا فإنّ دول الخليج العربية مدعوة إلى الأخذ بهذا المنحى كأسلوب علمي حديث لإدارة مرافقها وقطاعاتها إذا أرادت تحقيق النجاح في برامج تنميتها وسعادة شعوبها. ومن أجل تطبيق هذا الأسلوب في إدارة الدولة بنجاح فلا بدَّ من المبادرة إلى إنشاء مراكز بحثية تساعد على اتخاذ القرارات الصائبة ضمن منهجية التخطيط الاستراتيجي، فكثير من دول العالم تنشئ مثل هذه المراكز لأهميتها، بل تطعّمها بالخبرات الجيدة القادرة على رسم مستقبل قطاعات الدولة بنجاح، تسهيلا لاتخاذ القرارات المهمة المصيرية المتعلقة بأوضاعها الاستراتيجية التي تضمن لها التنمية المستدامة في مناخ من الأمن والاستقرار. المؤلم في النفس أننا نرى دول الغرب السيئة السمعة تتعاون مع دولة إقليمية حاقدة متعصبة لنشر الفوضى وعدم الاستقرار في هذه المنطقة، وذلك بالتخطيط المبرمج من أجل تغيير حالة الهدوء والأمن والاستقرار التي تنعم بها دول الخليج العربية لتحقيق مآربهم وأطماعهم. نتمنى على شعوب المنطقة وهي تسمع وتقرأ عن هذه النوايا الخبيثة أن تتحرك كل بجهدها لضمان سلامة مستقبلها وحماية منجزاتها ومكتسباتها وتحقيق أهدافها وغاياتها من أجل سعادة أجيالها.
وفي هذا الصدد يقول البروفيسور الأمريكي جيفري ساكس، من جامعة كولومبيا: «إن نجاح أي حكومة في العالم مرهون بارتفاع مؤشر السعادة لدى الشعب، وسمي ذلك (الناتج الإجمالي للسعادة)، واعتبره أهم من الناتج الإجمالي للاقتصاد»، ومن أقوال الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل رحمه الله: «العقول الكبيرة تبحث الأفكار، والعقول المتفتحة تناقش الأحداث، والعقول الصغيرة تتطفل على شؤون الناس. وتاريخ كل أمة خط متصل، قد يصعد الخط أو يهبط، وقد يدور حول نفسه أو ينحني ولكنه لا ينقطع».
الموقع الإلكتروني: https://halbinfalah.wordpress.com




كلمات دالة

aak_news