العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الأوضاع السياسية في أمريكا أفرزت دونالد ترامب

بقلم: د. جيمس زغبي j

الثلاثاء ١٦ ٢٠١٦ - 03:00



لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية قد كشفت كثيرا من الحقائق وعرت كثيرا من الشروخ والتصدعات التي تشوب مجتمعنا وتطول بعض المؤسسات الرئيسية التي تقوم عليها ديمقراطيتنا. لذلك، إذا لم نتلاف الأمر ونغير الوجهة فإننا سنتجه صوب الجحيم ونفتح على أنفسنا أبواب جهنم.
بداية، لا بد لي أن أتحدث عن الوضع الصعب الذي وجد فيه الجمهوريون أنفسهم وهم يشاهدون عاجزين ما يحدثه مرشحهم الخارج عن كل سيطرة من ضرر. هذا الحزب قاده فيما مضى ابراهام لنكولن، وكان يسمى «حزب ابراهام لنكولن»، كما أن هذا الحزب كان يقوده قبل نحو جيل من الزمن الرئيس الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، اللذان عملا بإرادة قوية على إخراجنا من الحرب الباردة.
الحزب الجمهوري هو أيضا الحزب الذي أنجب قادة في الكونجرس من أمثال هوارد وبوب ميتشيل، اللذين كانا دائما يعملان على إيجاد وبناء توافقات وطنية حول بعض المسائل الحساسة التي تهم الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها. مع الأسف فإن وضع الحزب الجمهوري قد اصبح اليوم مختلفا، إذ ولت أيام أولئك القادة.
كنت سأشعر بالأسى على الوضع الذي انتهى إليه الحزب الجمهوري اليوم لولا أنني أعلم علم اليقين أن هذه الكارثة التي حلت بالحزب الجمهوري هي اساسا من صنع الجمهوريين أنفسهم. فهذا ما جنته براقش على نفسها. فقد ظل الجمهوريون على مدى الأعوام السبعة الماضية يؤججون مشاعر الكراهية ضد كل ما يمثله باراك أوباما.
لقد اعتقد بعض قادة الحزب الجمهوري أنهم أذكى من غيرهم عندما عمدوا إلى تأسيس «حزب الشاي» وسعوا إلى مغازلة تلك الحركة المتعصبة التي تعادي المهاجرين والأقليات وتتحدث باسم المولودين في الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء القادة الجمهوريون الذين كانوا يظنون أنفسهم أذكياء ظلوا أيضا يغذون المشاعر المعادية للمسلمين والمهاجرين. الآن فقط بدأ هؤلاء الجمهوريون يعبرون عن مخاوفهم بل وصدمتهم عندما رأوا بأعينهم ما صنعت أيديهم وأفكارهم ولمسوا نتاج عملهم على مدى الأعوام السبعة الماضية.
إن دونالد ترامب يمثل اليوم من جوانب عدة نتاج سياسات العبث التي انتهجها بعض القادة الجمهوريين على مدى العقود القليلة الماضية. يسعى اليوم بعض الجمهوريين إلى النأي بأنفسهم عن المرشح الذي بات يمثلهم والذي سيخوض الانتخابات باسمهم غير أن هذا التنصل غير كاف، بل إنها مواقف تنم عن الخداع في أسوأ الحالات. مازلت أذكر كيف أن هؤلاء الجمهوريين أنفسهم هم الذين دعموا الحملة التي قادها نيوت جنجريتش ضد مشروع بناء المركز الثقافي الإسلامي في مدينة نيويورك.
مازلت أذكر أيضا تلك الابتسامات التي كانت تعلو وجوههم وهم يستمعون إلى تلك الخطب التي كانت تقطر كراهية والتي كانت تلقيها زعيمة حزب الشاي سارة بالين، مثلما أذكر تخاذلهم عن مواجهة الحركة المعادية للمهاجرين والأقليات باسم الدفاع عما يسمونه الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة ألأمريكية.
مازلت أذكر أيضا ذلك الارتياح الذي بدا على وجوههم فيما كانت ولاية أريزونا تشرع قوانين مناهضة للهجرة والمهاجرين بل ورفضهم القاطع وضع أي قيود على الأسلحة رغم الجرائم التي كانت ترتكب والتي يذهب ضحيتها مواطنون أمريكيون أبرياء. إن هؤلاء الجمهوريين هم الذين ساندوا تلك الأفرع والتيارات التي تضافرت اليوم وأفرزت لهم مرشحهم للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب.
لذلك، فإن النأي بالنفس أو حتى التعبير عن مواقف التنديد والادانة لم تعد مع الأسف تكفي. يجب على هؤلاء القادة الجمهوريين أن يواجهوا الشعب الأمريكي ويعبروا عن ندمهم ويمارسوا نقدهم الذاتي ويقروا بذنبهم.
لاشك أن المحطات الاخبارية التلفزيونية قد ساهمت بدورها في هذه القصة البائسة، حيث إنها ظلت تعمل على النفخ في دونالد ترامب حتى حولته إلى ظاهرة. لقد كان دونالد ترامب في نظرها مادة للتندر والفكاهة والكوميديا وتحقيق أعلى نسب المشاهدة ليس إلا.
عندما قرر دونالد ترامب مقاطعة محطتي فوكس نيوز سارعت محطة السي أن أن إلى استغلال الموقف وانتهاز الفرصة. فقد وضعت السي أن أن «ساعة العد التنازلي»، التي تظهر على الجانب الأسفل من الشاشة كما أنها ظلت تعمل بلا هوادة من أجل الترويج لاجتماعات وتجمعات دونالد ترامب وتعمل على تغطيتها تغطية كاملة شاملة.
السي أن أن وبعض المحطات الاخبارية الأخرى التي حذت حذوها هي التي ظلت تستضيف دونالد ترامب في مختلف برامجها الحوارية كما أنها استعانت بالمتحدثين الرسميين باسم دونالد ترامب وجعلت منهم «محللين» أو «معلقين»، الأمر الذي منح دونالد ترامب فرصة غير مسبوقة للتغطية الاعلامية المجانية.
نحن الآن في الفترة الفاصلة من عقد مؤتمري الحزبين الجمهوري والديمقراطي وعيد العمل، وقد دخلنا المرحلة النهائية من هذا السباق الانتخابي المزعج. في هذه المرحلة الحساسة، نرى أن نفس العوامل الدينامية لا تزال حاضرة. فدونالد ترامب لا يزال على عهده يرتكب الهفوة تلو الأخرى، ويزل زلة بعد أخرى، كما أن قادة الحزب الجمهوري لا يزالون يرددون كل مرة انهم فوجئوا بالأمر ويبدون الخجل والحياء على أمل أن يتلافى الأمر ويتحكم في نفسه ويصبح بالتالي «مرشحا جادا وجديا» يليق بسباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية. إنهم يتخذون مواقف دفاعية ويحاولون أن يفسروا ما لا يمكن تفسيره ويشرحوا ما لا يمكن شرحه.
أصبحت هذه الشبكات الآن تزعم أن دونالد ترامب قد بات «في عداد الأموات»، مستدلين على ذلك بنتائج استطلاعات الرأي التي تظهر أنه يتأخر في السباق الانتخابي بما بين 4 نقاط و11 نقطة كاملة.
في نفس الوقت تستضيف نفس هذه المحطات برامج حوارية لا تكاد تنتهي ما بين المدافعين عن دونالد ترامب ومعارضيه لمعرفة ما إذا كان يشجع أصحاب الأسلحة على اغتيال منافسته أو ما إذا كان يعني حقا كلامه عندما قال أن «باراك حسين أوباما أسس تنظيم داعش»؟ لقد تحول الأمر إلى كثير من الضجيج والتغطية الاعلامية المجانية لدونالد ترامب.
تسلط هذه التغطية الاعلامية على التجمعات التي يعقدها دونالد ترامب، حيث تسمع آلافا من الأشخاص الذين يرددون كل كلمة يقولها ويسعدون بكل الشتائم التي يطلقها، كما أنهم يشاطرونه غضبه الموجه ضد أعدائهم وأعدائه، وهم كثيرون. فهم لايأبهون حقا بما إذا كان دونالد ترامب يشتم عائلة مسلمة قتل ابنها في الحرب الأمريكية أو بما إذا كان يهدد باغتيال منافسته في السباق الانتخابي أو بما إذا كان يردد على مسامعهم ذات الأكاذيب، مرارا وتكرارا. فهو يعتبر في نظرهم بطلهم ويبدو أنهم يعتبرون أن الانتقادات والهجمات الموجهة له إنما هي موجهة لهم أيضا.
وأنا أشاهد تلك التجمعات الانتخابية رحت أتمعن في وجوه الحاضرين وأتساءل: «من هؤلاء القوم؟ كيف حدث كل هذا، ولماذا وصلنا إلى هذا الوضع؟». إن المشكلة لاتتعلق بدونالد ترامب بقدر ما يتعلق بما أصبح نسميه «الترامبية» كما أن هؤلاء الناس الذين يناصرونه اليوم هم مواطنون أمريكيون كما أنهم جيراننا الذين تجالهنا طويلا غضبهم وسخطهم.
يجب على الديمقراطيين أن يعترفوا بالتقصير من هذا الجانب. فقد ظل الحزب يعتبر على مدى فترة طويلة أن هذا العامل الديمغرافي غير مهم في تحقيق انتصاراتهم. لقد ظلوا يخوضون المعركة الانتخابية تلو الأخرى ويركزون بالدرجة الأولى على ما يعتبرونه قاعدتهم الانتخابية، أي النساء المتعلمات والأقليات والمثليين والناخبين الشبان ومختلف الجماعات المدافعة عن القضايا.
وبالمقابل فقد تجاهل الحزب الديمقراطي ما أصبح يسمى «الطبقة العاملة من البيض» و«الطبقة الوسطى من البيض». فالديمقراطيون يتحدثون عن أعضاء هاتين الفئتين أحيانا ويتحدثون إليهم أحيانا أخرى من دون أن يسعوا إلى فهمهم أو مد الجسور معهم أو إشراكهم ليتركوهم بالتالي لقمة سائغة لمن يريد أن يستغلهم سياسيا ويحولهم إلى ورقة للدعاية الانتخابية.
تعاني هاتان الفئتان أيضا من التفكك الاقتصادي والاجتماعي السياسي، علما أن هذا التجاهل الذي يعاملون به يزيد في غضبهم. لذلك فقد راح الجمهوريون يتقربون منهم ويغازلونهم بشتى الأساليب ويؤججون فيهم مشاعر الكراهية وانعدام التسامح. ندرك إذن أن عقودا من الاهمال والتهميش وتأجيج العنصرية وكراهية المهاجرين وشيطنة المسلمين قد أوصلتنا إلى الوضع الذي أصبحنا عليه الآن.
يجب أن ندرك مغزى ما قاله جيسي جاكسون ذات مرة. لقد قال إنه يجب أن نراجع الخطوات التي خطوناها والتي أوصلتنا إلى مثل هذه الحفرة العميقة التي نجد اليوم أنفسنا فيها. لقد عبر بيرني ساندرز عن هذه المسألة عندما تقاسم مشاعر الغضب مع أولئك الذين يشعرون أنهم مهمشون وهو ما يجعلهم يصبون جام غضبهم على النظامين السياسي والاقتصادي اللذين أفقراهم.
استطاع بيرني ساندرز أن يقرأ الخريطة السياسية ويوظف طاقات هذه الجماعات التي تشعر بالتهميش ليبني حركة متعددة الأعراق والاثنيات من أجل التغيير. هناك درس مستفاد يجب أن نعيه جيدا. فبدل أن نتجاهل غضب هؤلاء أو نستغله كورقة لضرب جماعات أخرى لا تقل عنها تهميشا وهشاشة علينا أن نسعى لفهم جذور وأسباب غضبهم ووجعهم، بل ونساعدهم أيضا على فهم أنفسهم.
لا شيء من هذا سيحدث في هذه الانتخابات، لكن إذا لم نبذل جهدا كبيرا ونسعَ لفهم ما قمنا من أعمال وما اتخذناه من قرارات وما لم نقدم على الخطوات اللازمة للتغيير فإن هذه الأسباب التي كانت وراء بروز «الترامبية» ستتفاقم وتزداد تعفنا.

j رئيس المعهد العربي الأمريكي






كلمات دالة

aak_news