العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

هل يستطيع العالم التخلص من كارثة «التمييز»؟

بقلم: د. محمد العباسي j

الاثنين ١٥ ٢٠١٦ - 03:00




قرأت مؤخرًا تعليقًا صغيرًا على «الإنستغرام» استوقفني وأطلق في مخيلتي كثيرا من التساؤلات!! «المولود يدخل الدنيا من غير خيار ولا اختيار».. نعم، ففي لحظاته الأولى يكون موصوفًا بجنسيته ولون بشرته وملامحه.. يتم إضفاء اسم عليه ليس من اختياره وليس له في ذلك قرار.. وينطق بلسان جماعته ويرتدي ما يرتدون من أنواع الثياب.. ويُسجل في أوراقه دينه، رغم أنه لا رأي له ولا علم ولا خيار.. ويجد نفسه ملزما بتبعيته لملة ودين أو عقيدة.. ويتوقع منه أهله وعشيرته طوال عمره أن يتبع ملتهم من دون سؤال.. أن ينصاع لكل ما يقال.. أن يؤمن بكل ما هو محرم عندهم أو حلال.. من يوم ولادته حتى الرحيل عن عالمنا!!
تصوروا معي مولودًا يخرج إلى الدنيا حيثما كان.. فيكون محددا بملامحه الآسيوية أو السمراء أو السوداء أو البيضاء أو خليط، بحسب أصول الأمهات والآباء طوال عمره.. يتبع دين ملته وما يتبعون، فيكون من أتباع ديانة بعينها، كالبوذية أو الهندوسية أو الكونفوشيوسية أو الشنتو أو الجانية أو السيخية أو الزرادشتية أو الطاوية (ومعناها الطريقة.. ولها مسميات مثل «دي» و«تشي» و«كي» بحسب اللغة).. أو يكون من الصابئة أو إبراهيميًا من أهل الكتاب، مسلمًا أو مسيحيا أو يهوديًا.. أو في حالات أخرى يتبع أي دين من تلك التي يعبدون فيها الطاقات كالنار والشمس والأجرام السماوية والأعاصير أو بعض الحيوانات.. أو ممن يقدسون بعض البشر أو حتى الأصنام والحجر.. أو يؤمنون بالتناسخ وعودة الروح في أجساد الحيوانات والحشرات!!
اللهم لا اعتراض على لون البشرة والصبغة والملامح.. فالمولود بين أهله وعشيرته كلهم سواء.. أما الجنسية والتبعية، فالحمد لله على كل حال.. على الأقل يكونون محسوبين على ملة من البشر.. قد يكبرون ويكتشفون كم المزايا والمشكلات في موطنهم.. لكن الوقت يكون قد فات.. جل ما باليد هو ما يفعله كثيرون من محاولات الهجرة والهروب من الدول المعدومة.. وتلك الدول التي تكثر فيها المجازر والحروب والقتل على الهوية.. وفي أحيان كثيرة تصبح الملامح التي رضينا بها بشكل طبيعي وتلقائي وبالاً علينا حيثما نلجأ.. فالآسيوي والإفريقي والعربي الأسمر لا يستطيع الانخراط في دول الغرب مثلاً ولا الذوبان في تلك المجتمعات مهما غير اسمه أو لسانه أو حتى دينه بقصد الاندماج والانخراط، هربًا من تبعات التمييز وسوء المعاملة.. ولكم فيما حلّ باليابانيين في أمريكا بعد قصف القواعد البحرية في «هونولولو» في (1941) مثلاً، للتمييز بحسب الملامح فقط.. ثم ما حصل لبعض الهنود السيخ الملتحين في أمريكان غداة الهجوم على برجي التجارة العالمية.. وتلك المعاملة المتشككة في كل من يحمل الملامح الشرق الأوسطية أو الباكستانية في أغلب مطارات الولايات المتحدة إلى يومنا هذا!
ثم ما هو ذنب المولود الذي تطأ قدماه الأرض مسلمًا في قرى «الروهينغا» في مقاطعة «أراكان» في بورما (ماينمار) ليتم قتله ونحره وحرقه.. فقط لأنهم يعتبرونه دخيلاً على أصحاب الأرض الأصليين من أتباع البوذية؟ وفي الهند مثلاً أن يُولد مسلمًا بين الهندوس أو بالعكس أو لمجرد أن يكون من طبقة المنبوذين (وهذه حكاية أخرى).. وقياسًا على ذلك، ما ذنب أطفال العراق وسوريا واليمن؟؟ فبرغم أنهم في أوطانهم وبين الغالبية من ذات الدين.. لكنهم يتعرضون لشتى المآسي والتفرقة بسبب الاختلافات المذهبية والطائفية والأصول العرقية.
أحيانًا يتم اضطهادهم فقط بسبب الأسماء التي فرضت عليهم.. فهذا اسمه «عمر» و«عثمان» و«عبدالرحمن» وذاك اسمه «جعفر» و«عباس».. هذا سني وهذا شيعي وهذا زيدي وهذا حوثي وهذا سلفي وهذا إباضي.. هذا كردي وهذا تركي وهذا آشوري.. هذا مسيحي ارثوذوكسي وهذا كاثوليكي وهذا معمداني وهذا قبطي وهذا كلداني وهذا سرياني.. هذا يهودي وهذا بهائي وهذا مجوسي.. هذا من أصول أرمنية أو ساسانية أو أذرية.. بل، هذا فارسي وهذا أفغاني وهذا من بلوشستان وهذا من العرب.. هذا حضري وهذا ريفي وهذا أبيض وهذا أسود.. وهذا «أصل أصول جد أجداد جده» من هنا أو هناك!!
فبأي حق نفرض على المولود هذه التبعية مدى الحياة؟ ونفرض عليه فرائض دين ومذهب وملة لم يكن له في أي منها قرار؟ بل نتوقع منه أن يقضي عمره يقاتل ويحامي ويدافع عن اعتقاد لم يكن له فيه خيار.. وتخبو عنده كل العواطف الإنسانية السوية.. تنمو عنده نزعات همجية رعناء من أجل أمور في كثيرها موضع شك وريبة.. وفي الأخير ربما بينها اختلافات ليست جوهرية.. بل تفسيرية يستغلها البعض من أجل مكاسب دنيوية.. ونحن من ندفع أثمانها!!
فما أروعها من آية قرآنية «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».. وقد روى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ).. فبأي ذنب يتم اليوم قتل أطفال سوريا والعراق واليمن عطشًا وجوعًا وقصفًا.. أو تعذيبًا في أقبية المعتقلات.. أو ذبحا داعشيًا لا يفرق بين البشر و«لا يبقي ولا يذر».. وتُرفع روؤسهم على أسنة الرماح.. فهل ينجح المسلمون في نشر قيمهم الإنسانية الحضارية في كل أرجاء المعمورة والتي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجرًا ولا تهدموا بناءً).

j أكاديمي بحريني متقاعد
mazeej@gmail.com




كلمات دالة

aak_news