العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

قيمة جميلة تضم كل القيم

بقلم: د. رافدة الحريري

الاثنين ١٥ ٢٠١٦ - 03:00



في خضم العولمة وسيطرة الآلة على الإنسان وتشابك المصالح تلاشت كثير من القيم السامية التي أبرزها قيمة الصداقة، تلك القيمة الرائعة التي تقرب ما بين الأشخاص وتدفعهم إلى التشارك في الآمال والآلام والأفراح والأتراح. ولأهمية الصداقة فقد قيل فيها كثير من الحكم وتغنى بها الشعراء وصدحت حولها الأصوات الجميلة، فقد قال عنها أرسطو: الصديق هو روح واحدة تعيش في جسدين. وقال شكسبير: الكلمات سهلة مثل الريح لكن الصديق المخلص يصعب العثور عليه.
وقال الكاتب الأمريكي مارك توين: صديق جيد وكتاب مفيد وضمير هادئ هي الحياة المثالية. وقال أحد الشعراء:
عاشر أناسا بالذكاء تميزوا * واختر صديقا من ذوي الأخلاق
وقيل: الغنى ليس بالمال بل بالأصدقاء. ويقول المثل الدارج: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت. وغنت فيروز للصداقة أغنية (صديقتي جميلة) ويقال إنها كانت تغني للبطلة الجزائرية جميلة بو حيرد. هذا غيض من فيض عما قيل في الصداقة التي هي معان لا يفهمها إلا من يمتلك صديقا حقيقيا صدوقا.
والصداقة كقيمة لها جذورها المتأصلة ومعاييرها الثابتة فهي لا تقبل السعي وراء المصلحة الشخصية وحب الذات واستغلال الآخر، إنها أشبه بالإخوة الصادقة، وكم رددنا في الصغر النشيد الذي مطلعه يقول: يا صديقي يا صديقي أنت لي نعم الشقيق. والمثل يقول: رب أخ لك لم تلده أمك. لم يكن هناك تقارب بين عمرينا، فهي في عمر ابنتي قدمت من الولايات المتحدة الأمريكية إلى البحرين لتعمل في المؤسسة التربوية التي أعمل فيها، كان مكتبها قبالة مكتبي مما جعلني أتجاذب معها أطراف الحديث كل يوم تقريبا، ومع مرور الوقت تبينت لي دماثة خلقها ونبل سجاياها وحسن عشرتها ودافعيتها اللامتناهية في العطاء ومد يد العون لكل من يطلب ذلك، وكنت أولهم. كنت أقرأ رسائلها التي ترسلها عبر البريد الإلكتروني والمتعلقة بأمور العمل، لأقف مذهولة بأسلوبها الإنساني الفريد، إذ كانت تختتم كل رسالة بالقول: إذا لم يكن لديك ما تقدمه للآخرين فامنحهم جزءا من قلبك، ويا لها من مقولة رائعة. هذه الإنسانة تركت في نفوس طلبتها بصمة جميلة وذكريات عبقة ودعمت بعض مدارس البحرين بورشات عمل متتالية قدمتها تطوعا منها وحبا لهذا البلد الأمين. إنها الأستاذة جميلة البشير، سودانية الأصل، عريقة المنشأ، تميزت بحضورها الدائم في كل محفل وموقف، وللأسف لم تتعد إقامتها في البحرين عاما واحدا؛ لظروف أسرية اضطرتها إلى العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تاركة بيننا روائح مسكها التي مازالت تضوع في أجواء تلك المؤسسة، وما زال طلبتها يسألون عنها ويتمنون التواصل معها. ارتبطت بهذه الإنسانة برابطة سامية، ألا وهي رابطة الصداقة والحب في الله، فاستمر التواصل بيننا عبر وسائل الاتصال المتاحة وعاهدت نفسي على أن أتجشم عناء السفر لزيارتها، عرفانا وتقديرا لإنسانيتها الفذة. شددت الرحال إلى لندن كمحطة انطلق منها إلى أمريكا، وسعدت بلقاء أبنائي وأسرهم، حيث قدموا لقضاء إجازة الصيف، ورغم المتعة التي كنت أشعر بها وأنا بينهم، لم أتنازل عن قراري في السفر للقاء تلك الإنسانة النادرة الوجود، وسافرت، فلم أشعر بأي تعب خلال تلك الرحلة الطويلة التي كنت أهدف من ورائها إلى اللقاء بإنسانة عزيزة على القلب، عظيمة الشأن، رفيعة المقام، صادقة أمينة محبة، خدمت مملكة البحرين بكل ما لديها. التقيتها فاستقبلتني بحفاوة بالغة، وكانت قد أعدت لي برنامجا علميا منتجا، إذ دعت رئيسة قسم الدراسات النسوية بجامعة كناتكت الأمريكية الدكتورة تريسا من شرق آسيا، وهي إنسانة راقية في مواصفاتها، واسعة العلم والثقافة، ملمة بالعادات العربية والإسلامية، متواضعة وخدومة إلى أبعد الحدود، اصطحبتنا إلى الجامعة على الرغم من أن ذلك اليوم كان عطلة نهاية الأسبوع (السبت)، فهي تحمل مفاتيح القسم، وأطلعتنا على كل ما يتعلق ببرامج قسمها ونشاطاته وخططه المستقبلية، وزودتنا بكتيبات ومطويات توضيحية، وحدثتنا عن استقطابها بعض الكفاءات العربية النسوية ودعوتها لهن لزيارة الجامعة وإمداد الطلبة بخبراتهن وتجاربهن التربوية والحياتية في الدول العربية، ومنها السودان، بلد الطيبة والنقاء. ذكرني هذا الإعداد المسبق الذي أعدته لي الأستاذة جميلة للاستفادة من الزيارة بمقولة أعجبتني كثيرا، مفادها: إن العقول العظيمة تتباحث في الأفكار، والعقول المتوسطة تتباحث في الأحداث، أما العقول الصغيرة فتتناول الناس، وكنت بالطبع مع عقلين عظيمين. كانت رحلة ممتعة وشيقة ومفيدة وجميلة أيضا، تأكدت من خلالها أن الصداقة الحقة تحمل بين دفاتها العديد من القيم، فالصداقة قيمة تشتمل على الصدق والكرم والإيثار والتسامح والاحترام والتعاون والتضحية والأمانة والتقدير والمشاعر المرهفة، وتقود إلى العمل المنتج وتبادل الأفكار والتعامل الإنساني، فالصداقة هي الحب والعطاء والتميز، إنها نعمة حبانا بها الله وشجعنا عليها بقوله تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
تحية إكبار وإجلال إلى كل من يسعى إلى أن يجعل من الصداقة عملا هادفا صادقا نقيا منتجا قائما على الحب والإيثار وخدمة الآخرين. وتحية مفعمة بالحب والعرفان للأستاذة جميلة البشير التي تركت أثرا لا يمحى في المؤسسات المدرسية بمملكة البحرين العزيزة، وأفرغت كل ما في جعبتها من أفكار لخدمة حقل التربية والتعليم في بلد يسعى دائما إلى تحقيق الجودة الشاملة في كل الميادين «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».






كلمات دالة

aak_news