العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

مؤشرات الأداء بين القطاع العام والقطاع الخاص

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٤ ٢٠١٦ - 03:00




لا يختلف القطاع العام (الحكومي) عن القطاع الخاص أو القطاع الحر كثيرًا، فكل القطاعات تقوم بأعمال خاصة بها، ولكن الاختلاف يكون في المنتج الذي يصل إلى العملاء والزبائن والمستهلكين.
والمنتج في القطاع العام يمكن نوعًا ما يركز على الخدمات التي يقدمها لشريحة عريضة من الزبائن والعملاء، وإن كانت هذه الخدمات لا تقدم بالمجان، فهي تقدم إليهم نظير مبالغ مالية تدخل في خزينة الدولة، ومن المفترض أن تصرف هذه المبالغ على تنويع مصادر الدخـل القومي، وإنشاء المشروعات الاقتصادية الكبيرة الحجم والمتقدمة تقنيًا وإداريًا، وكذلك تغيير نمط الدخل عن طريق الخدمات الاجتماعية والإعانات وغيرها من أشكال الإنفاق العام، وهذا يعني أن القطاع العام يعد أحد أهم المحاور التنموية لتعجيل عملية التنمية الاقتصادية في البلاد.
ويلاحظ أن معظم ما يقدمه القطاع الحكومي يقع ضمن نطاق حاجيات المواطن وتطلعاته وهذه الخدمات تعتبر احتكارية بالدرجة الأولى، فلا توجد جهات أخرى يمكن أن تقدمها للمواطن، مثل: خدمات البلدية وجوازات السفر وخدمات الأمن الداخلي والخارجي والمرور والمدارس والمستشفيات وما إلى ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك فإن ملكية الدولة تمتد لتشمل السيطرة على كثير من الموارد الأخرى المهمة في حياة الشعوب مثل الموارد الطبيعية وبالتحديد النفط والمعادن والمياه والغابات والثروة البحرية والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى الموانئ والطرق والمواصلات، ويندرج أيضًا تحت هذا البند المستشفيات والعلاج وحتى أنواع من المدراس والجامعات، وكل هذه الملكيات الحكومية وغيرها لها هدف واحد وهو الربح المادي.
هذه النظم التي تبنتها الحكومة في تقديم خدماتها ومشاريعها وأنشطتها الاقتصادية جعلها تقدم خدماتها ومشاريعها بأي طريقة كانت، فلم تكن تفكر في تحسين تلك الخدمات أو المشاريع، إذ لا يوجد من ينافسها في تقديم مثل تلك الخدمات أو تلك المشاريع أو الأنشطة، ولكن الأمور بدأت تتغير قبيل الدخول في الألفية الثالثة أي تقريبًا منذ حوالي التسعينيات من القرن العشرين، إذن بدأت وفق أسلوبين:
الأول: إن الحكومة قامت بإدارة المشروعات الحكومية العامة بطريقة المؤسسات الخاصة، بمعنى أنها كلفت مجموعة من الأشخاص والأجهزة وربما الشركات الخاصة للقيام بمشاريعها وخدماتها ولكن تحت أمرتها وبإشرافها وبتوجيهات منها مباشرة، ولكن العمل بهذا الأسلوب يعني تنفيذ السياسة العامة للدولة وإخراجها إلى حيز الواقع، وهي بذلك تمثل مجموع الأنشطة والعمل الحكومي الموجه نحو أداء الخدمات العامة والإنتاج الحكومي وتنفيذ القوانين، ويترتب على هذا المفهوم بعض النتائج الإيجابية.
الثاني: وعندما تتراجع فاعلية الحكومة عن إدارة مشروعاتها بالطريقة السابقة فإنها تقوم بخصخصة العديد من مشروعاتها وخدماتها حتى ترتقي إلى مستوى القطاع الخاص، ولكن هذه الخصخصة يثقلها الكثير من المشاكل، وخاصة عند توقيع العقود، إذ ربما تدخل فيها بعض المصالح.
ولكن على الرغم من كل ذلك تبقى العديد من الخدمات الحكومية وأنشطتها لا تتم إلا في أروقة مؤسساتها ووزاراتها، وربما أكثرها تلك الخدمات والأنشطة التي لا تقدم إلا ضمن إطار هذه المؤسسات الحكومية، لذلك فإنها تحتاج إلى الارتقاء بمثل تلك الخدمات والأنشطة حتى وإن كان القطاع العام يقدمها ضمن النظام العام، وذلك لأسباب كثيرة، سنتحدث عنها.
لماذا يجب أن ترتقي الحكومة بتقديم خدماتها؟
1- سرعة إنجاز المعاملات تقلل من تسرب الموظفين من أعمالهم لإنجاز المهام المطلوبة منهم في المؤسسات الأخرى، فإن كان لديك موظف يعمل في مؤسستك (ب) ولديه عمل شخصي في المؤسسة (أ) فإنه يضطر إلى أن يستأذن ويخرج من المؤسسة (ب) حتى يؤدي عمله في المؤسسة (أ)، فإن كانت الأعمال تتأخر وتتراكم في المؤسسة (أ) فكيف ينتهي موظفك من عمله الشخصي في مؤسستك؟ ليس ذلك فحسب وإنما هو مضطر إلى أن يخرج من عمله مرات ومرات ويستأذن حتى ينجز عمله في المؤسسة (أ)، وبالتالي فإنه سيؤخر مصالح المواطنين الذي يتعاملون مع مؤسستك أنت (ب).
2- زيادة الكفاءة الإنتاجية لدى الموظفين؛ فلنتصور أن هذا الموظف الذي يعمل في المؤسسة (ب) خرج من المؤسسة (أ) راضيًا من الخدمات التي قدمت إليه، فماذا يمكن أن يفعل عندما يعود إلى وظيفته؟ من الطبيعي أن يزيد من كفاءته الإنتاجية حتى يكون بمستوى الموظفين في المؤسسة (أ)، حتى وإن كان هذا الموظف من المسوفين أو الكسولين، ولكن ماذا يمكن أن يحدث إن حدث العكس؟
3- إن إقناع العملاء والمواطنين بأن المؤسسة الحكومية حريصة على إتمام معاملاتهم بأفضل صورة وبأسرع وقت ممكن يؤدي إلى انتشار وسيادة الرضا العام بين المواطنين المتعاملين مع هذه المؤسسة؛ وهذا بدوره يؤدي إلى التخفيف من ضغوط الحياة على المواطنين.
4- عندما يسود الرضا بين السواد الأعظم من المواطنين فإن ذلك ينعكس على الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية، وذلك بسبب:
{ أن المواطنين الذين يرغبون في إنجاز معاملاتهم ويشعرون بأن المؤسسات الحكومية ما وضعت إلا بهدف خدمتهم، فإنهم –من المرجح– أن يتعاملوا مع الموظفين بكل هدوء وراحة نفس، ومن غير توتر وعدائية.
{ تقول المعادلة إن رضا العملاء من رضا العاملين؛ فالعامل هنا هو عميل ومستهلك هناك، والعكس أيضًا صحيح، وهذا يعني أنه كلما أصبح العميل والمواطن المتعامل مع المؤسسة الحكومية في دائرة الاهتمام وبدأ يستشعر الرضا فإن الموظفين -بالتالي- سوف يشعرون أنهم في دائرة الاهتمام، وهذا يعني أن كفاءتهم الإنتاجية سترتفع، ويزيد ولاؤهم الوظيفي والوطني.
{ إن افتقاد الموظفين للولاء الوظيفي والوطني يمكن أن يؤدي إلى العديد من الاضطرابات في الدول.
5- تنعكس جودة الأعمال وتقديم الخدمات بأسرع وأفضل ما يمكن على الرؤساء والمسؤولين في المؤسسة الحكومية، فيشعرون بالسعادة والرضا من العمل الجاري في المؤسسة، وبالتالي ينعكس ذلك على جانبين، هما:
{ الموظفون، حيث يقوم المسؤولون بالتعامل معهم بطريقة ودية وخالية من الغضب والإزعاج.
{ المسؤولون الأكبر والأكبر، حيث يشعر هؤلاء بأن المؤسسة تعمل وفق أنظمة منهجية جيدة ترضي السلطات الحكومية، والحكومة نفسها.
6- بالإضافة إلى أنه أصبح هناك رقابة دولية من قبل العديد من المنظمات التي تقيس سعادة الشعوب وشقاءها، وبالتالي فهذا يغير من درجة وجود الدول في ميزان وجداول التنمية البشرية ومؤشرات الأداء وما إلى ذلك التي تنشر على مستوى العالم، مما يوضح شقاء الشعوب وسعادتها.
وهناك أمر آخر، إن المؤسسة التي تحسب الخدمات التي تقدمها بمبالغ مالية فإنه يحتم عليها أن تعيد التفكير في الكفاءة الإنتاجية للعاملين فيها والموظفين لديها، فمثلاً:
{ لو ذهب موظف من مقر عمله في المؤسسة (ب) كما أشرنا سابقًا، إلى المؤسسة (أ) لإنجاز عمل، فإن ذلك يكلف الدولة مبلغا من المال، وتحسب كذلك: خروج الموظف يؤدي إلى فراغ في محل العمل وهذا هدر، ولنقل إنه يكلف الدولة 40 دينارا.
{ عملية الانتقال من مقر العمل (ب) إلى مقر العمل (أ) يؤدي إلى استخدام سيارة وصرف بنزين وانبعاثات غازات واستخدام طرق وما إلى ذلك، كل هذا يؤدي ازدحام وضوضاء ومشاكل في الطرق، ولنقل إن هذا يكلف الشخص مبلغا من المال.
{ تأخير معاملة الموظف في المؤسسة (أ) يكلف الدولة مبلغا من المال ولنقل 50 دينارا.
{ المؤسسة (أ) التي صرفت على الموظف الذي من المفترض أن يقوم بإداء العمل بكفاءة ممتازة ولكنه يسوف ويؤجل يكلف الدولة مبلغا من المال، وهذا يشمل راتب الشخص والبيئة التي يعيش فيها والأدوات التي يستخدمها، ولنقل إن ذلك يكلف 50 دينارا.
* عودة الموظف إلى مقر عمله مرة أخرى يكلف مبلغا من المال.
في الإجمالي فإن أي تأخير معاملة لأي مواطن يكلف الدولة مبلغا من المال، ولكن هذه الأمور الخفية لا تحسب، وهذا خطأ تقع فيه كثير من المؤسسات، وهذا يكلف ميزانية الدول الشيء الكثير، وهذه من المصاريف العامة الخفية التي تطير من غير حساب، علمًا أن ما تم ذكره ما هو إلا غيض من فيض وهناك تفاصيل كثيرة يصعب الإتيان بها في هذا المقام.
بصورة عامة، فإن الارتقاء بالكفاءة الإنتاجية في المؤسسات العامة والحكومية تعني الرضا بصورة عامة، وهذا مطلوب في دولنا العربية كلها، حيث تتشابه كل تلك المؤسسات بطريقة أو بأخرى، وهذا يدعونا أيضًا إلى أن نرتقي بمؤشرات الأداء في القطاع العام، وذلك من أجل الحفاظ على المال العام وميزانية الدولة.
الارتقاء بمؤشرات الأداء
إن وصل الأمر في المؤسسات الحكومية إلى هذا المستوى من الارتقاء وهذا الهدف أي السعي لإرضاء العملاء، وربما يقولها بعضهم بمثل هذه العبارة: «النظر لإنجاز الخدمات بمنظار العميل» فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى الارتقاء بمؤشرات الأداء، فلن يرضى العاملون في قطاع الخدمات الحكومية بالنظر إلى أعمالهم وإنجازاتهم بمنظور متواضع وربما متواضع جدًا، وإنما سيطمحون إلى هذا الارتقاء، ليس ذلك فحسب وإنما سيطمحون إلى أن تكون مؤشرات الأداء لديهم تنافس ما هو موجود في القطاع الخاص، وإن لم تكن كذلك فإننا حتمًا سنحتاج إلى (هندرة) المؤسسات الحكومية.
و(الهندرة) أو هندسة العمليات الإدارية موضوع آخر سنتحدث عنه في مقالات لاحقة إن شاء الله.
Zkhunji@hotmail.com




كلمات دالة

aak_news