العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

جمعيات الرفق.. بالإنسان!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٤ ٢٠١٦ - 03:00



تفاخر الحضارة الغربية بأنها أنشأت جمعيات الرفق بالحيوان، وأنها شرعت القوانين لحمايتها والدفاع عنها، بل بالغ الغربيون في ذلك، فأنشأوا لها فنادق خاصة بها، وأعدوا لها من الأطعمة الخاصة لها، وحرصوا على حماية نسلها من أن يتلوث أو تشوبه شائبة من الحيوانات الضالة التي ليس لها أصول عريقة!
ومن تجليات نفاق الحضارة الغربية ومبالغتها في الاهتمام بالحيوانات أنها صارت تحتج على ما يفعله المسلمون في مناسباتهم الدينية حين يقومون بذبح الأضاحي في عيد الأضحى المبارك اتباعا لأبي الأنبياء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، ويعتبرون ذلك وحشية يجب عدم السكوت عنها، ونسوا -أو تناسوا- ما يُفعل بالثيران في حلبات مصارعة الثيران في إسبانيا، وكيف تعذب هذه المخلوقات البريئة التي لا حول لها ولا قوة، كما أنهم نسوا -أو تناسوا- ما يقوم به أصحاب الحضارة الغربية (المنافقة) من إجراء مسابقات صراع الديكة والكلاب، ثم كيف يذبحون البقر والخراف بالصعق الكهربائي، وأرحم لهذه الحيوانات أن تذبح بالطريقة الإسلامية.
ثم هل وجد في أدبيات هذه الحضارة تعاليم توصي خيراً بالحيوانات كما فعل الإسلام (الرحيم)؟ لقد أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن امرأة دخلت النار في هرة (قطة)، قال صلى الله عليه وسلم: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» متفق عليه.
ولقد شدد الإسلام النكير على من اتخذ طائراً هدفاً لرميه، فعن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنه مرَّ بفتيان من قريش قد نصبوا طائراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوْا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، «إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً» متفق عليه.
لقد أشفق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على حمرة معها فرخان حين أخذ الصحابة فرخيها، فجاءت الحمرة وجعلت تعرش، فجاء النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: «من فجع هذه بولدها؟! ردوا ولدها إليها» ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: «من حرق هذه؟» قلنا: نحن. قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وحين رأى الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) مدى اهتمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحرصه على العناية بالحيوان الأعجم سألوه صلى الله عليه وسلم: وإنّ لنا في البهائم لأجراً؟! قال صلى الله عليه وسلم: في كل ذات كبد رطبة أجر!!
وتأملوا وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالحيوانات حتى الضارة منها، يقول صلوات الله وسلامه عليه: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم.
إن الحضارة الغربية في اهتمامها بالحيوانات، وبتأسيسها جمعيات الرفق بها لا تستطيع أن تزايد على الحضارة الإسلامية التي تستمد أصولها من الوحي المنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والسؤال الذي أجلنا الإجابة عنه هو: هل اهتمام الحضارة الغربية بالإنسان يعادل أو حتى يقارب اهتمامها بالحيوان أم أن الإنسان، وبالأخص المنتسب إلى غير هذه الحضارة، هو أدنى منزلة من الحيوان؟ لا نقول هذا تعصباً ضد هذه الحضارة، ولا افتئاتاً عليها، بل نقوله لأنّ ما يفعل بالإنسان من قتل وتدمير وسحق لا نستطيع أن نجد له وصفاً ينطبق عليه أو يناسبه، لقد نشبت حربان عالميتان أكلتا الأخضر واليابس، وسحقتا من البشر ما سحقتا، في الحرب العالمية الأولى (1914م-1918م) قدر ضحاياها من البشر بين قتيل وجريح ومفقود حوالي تسعة ملايين نسمة (ويكيبيديا)، أما ضحايا الحرب العالمية الثانية (1939م-1945م) ما بين 50 و85 مليونا، ولهذا اعتبرت الحرب العالمية الثانية أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية. (ويكيبيديا).
أما تمرد تايبنغ، وهو حرب أهلية واسعة النطاق في جنوب الصين، وامتد من سنة 1850م إلى سنة 1864م ضد حكم مملكة كينغ بقيادة المانشو، راح ضحية هذا التمرد نحو 20 مليون شخص معظمهم من المدنيين (المرجع السابق).
أما خسائر الحرب الصينية اليابانية، فقد كانت بحسب التقديرات في الجانب الصيني المحلي مليون وثلاثمائة ألف قتيل، ومليون وسبعمائة وتسعين ألف جريح، ومائة وعشرين ألف مفقود، وأما في الجانب الشيوعي، فكانت الخسائر كالتالي: مائة وستين ألف قتيل، ومائتين وتسعين ألف جريح، وسبعة وثمانين ألف مفقود، وخمسة وأربعين ألف أسير.
هذا غير الحروب التي وقعت في دول الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية والإسلامية، التي نتجت بسبب مواجهة الاستعمار كما حدث للشعب الجزائري مع الاستعمار الفرنسي، حيث قدم الشعب الجزائري أكثر من مليون شهيد.
هذا الكم الهائل من ضحايا الحروب، هل اهتزت مشاعر الحضارة الغربية له؟ وهل نهض له المدافعون عن حقوق الحيوان، الداعون إلى إنشاء جمعيات الرفق بالحيوان، المستنكرون لما يتعرض له الحيوان من إمتهان؟ أليس الإنسان أولى بهذا الاهتمام والرعاية؟!!
لماذا تصمت الحضارة الغربية صمت أهل القبور، وهي تصابح وتماسي ما يفعله سفاح الشام في شعبه الأعزل من القتل والتنكيل والإبادة الجماعية، ألا يوجد في الحضارة الغربية رجل واحد رشيد يقول: كفوا أيديكم عن الإنسان، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ويدعو إلى إنشاء جمعيات الرفق بالإنسان أسوة بجمعيات الرفق بالحيوان، فإن لم يكن لنسبه الأعلى إلى آدم (عليه السلام) فلصلته الأدنى بالحيوان، والإنسان هو الأولى والأجدر بكل رعاية واهتمام.
إن ما يجري للإنسان على يد الطغاة والمتجبرين والمستبدين من البشر لوصمة عار تجلل جبين الحضارة الغربية، وتحط من قدرها، وتكشف مدى زيفها وباطلها.
وإذا كان إنشاء أو تأسيس جمعيات الرفق بالحيوان مظهراً حضارياً تفاخر به الحضارة الغربية، فلماذا لا تصنع للإنسان ما صنعته للحيوان، أليس الاهتمام والرعاية بالإنسان، والدفاع عن حقوقه المهدورة هو قمة التحضر، وأعظم مظهر من مظاهر هذه الحضارة (المزعومة)؟!!
إن الإنسان في العالم كله وصل به التدني والانحطاط على يد صناع الحضارة إلى أنه بدأ يطالب بمساواته بالحيوان في المعاملة، وفي احترام حقوقه، وحين تستجيب هذه الحضارة لصرخات الإنسان المستنجدة وتنصفه من ظالميه عندها فقط نقر لهذه الحضارة بإنسانيتها وعظمتها وأهليتها لتصدر ركب الحضارات.
إن الإنسان هو المقياس الصحيح، وهو الميزان القسط الذي يحكم للحضارة الغربية أو عليها.
وبعد، فهل آن الأوان الآن لتأسيس جمعيات الرفق.. بالإنسان، لينال شيئاً من حقوقه المغتصبة؟!!
aalbinfalah@gmail.com






كلمات دالة

aak_news