العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

تجربة الأردن الناجحة في توجيه الشباب إلى السلام

بقلم: د. عبدالإله بن سعود السعدون

السبت ١٣ ٢٠١٦ - 03:00



المجتمع العربي الأردني يتميز بتعلقه بالثوابث الإسلامية والمكارم العربية الموروثة من تاريخه المجيد في علاقة راسخة تجمع كل أفراده في بوتقة المجتمع الواحد، فشعوره الإنساني الفطري بني على ترحيبه بالضيف وكرم وفادته وميله إلى السلام الاجتماعي في تفاعل علاقات أفراده، بعضهم مع بعض، ومؤخرا تسللت بعض قوى الشر بين صفوفه مستغلة هذا الشعور الراسخ والمتأصل بين كل أفراده لتستغل عفوية البعض وطيبتهم وشدة إيمانهم، وذلك لغرس أفكارهم المتطرفة وبرمجة عقول هذا البعض المستهدف ببرنامج شيطاني لغسيل أدمغتهم وتوجيههم نحو الإجرام الإرهابي بشعار جهادي مزيف، وقد تعرض الوطن الأردني لحوادث مؤسفة من إجرام العصابات «القاعدية» و«الداعشية» راح ضحيتها نخبة مختارة من أبناء هذا الوطن العربي الهاشمي العزيز على كل عربي ومسلم، وهذه الدماء التي سالت على مسرح جرائمهم النكراء دعت المنظومة الأمنية الأردنية إلى تهيئة إستراتيجية متطورة استباقية الأهداف لمكافحة هذا الوباء الإرهابي الإقليمي والدولي، معتمدة على خطط وسياسات في التركيز على الأمن الفكري كفلسفة وهدف لإبعاد الأفكار المتطرفة عن كل مكونات المجتمع، بدءًا من العائلة والمدرسة والمسجد الجامع وتحصينه بتطوير مفاهيم الوطنية والمواطنة وحماية أمن الدولة من المتطرفين وأفكارهم الشاذة والتي تجعل الجريمة وسيلة لبلوغ أهدافهم الشيطانية الساعية لإثارة الفوضى والاضطراب الأمني بإثارة العرقية والطائفية لزعزعة الوحدة الوطنية الأساس لاستقرار وأمن الدولة.
ولأهمية ملف توجيه شباب الأمة نحو التصالح الاجتماعي والسلام منحت هذه المسؤولية الوطنية لإشراف سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله رمز الشباب المثقف في هذه المملكة الناهضة، وكانت كلمة سموه حين ترأس مجلس الأمن الدولي في جلسته الدورية بعنوان (دور الشباب في مكافحة التطرف العنيف)، حيث ركز سموه على تمكين الشباب وإتاحة كل الفرص لهم حتى لا تنجح الجماعات الإرهابية في استهدافهم.
بهذا التركيز الجامع وضع سمو ولي العهد الأردني الأصبع على الجرح النازف لاستغلال هذه المجاميع لحالات الإحباط والفراغ الفكري لشبابنا الضائع وتعريضهم لحالات نفسية تعد المستهدف لتحويل حالة الإحباط لديه إلى حالات من الانتقام المردود على المجتمعات المستقرة لتخريبها من الداخل تحت عباءة الإسلام الجهادي وتشويه سمو الإسلام وأهدافه الإنسانية.
وكان لكلمة الأمين العام للأمم المتحدة معنى ومغزى متقدم كرمز للشباب العربي القيادي، حيث قال: «إن الأمير الحسين هو أصغر شخص عمرًا يتولى رئاسة اجتماع في مجلس الأمن، وهذا أمر مثالي، وأنه لم يبلغ بعد الحادية والعشرين من العمر، ولكنه أصبح بالفعل قائدًا في القرن الحادي والعشرين».
تميزت عمان باحتضانها المؤتمرات الإقليمية والدولية، وحصة الشباب منها كبيرة لمناقشة قضاياهم المتعلقة بمستقبل جيل الغد وكان المؤتمر الأول لملتقى الشباب في مدينة مأدبا والذي انعقد عام 2006م تحت عنوان (قضايا واحتياجات الشباب)، ونظمه مركز الأميرة نسمة للتنمية، والمؤتمر الثاني في المدارس العمرية في عمان في العام التالي تحت عنوان (الشباب مستقبل الأمة وعنوان نهضتها)، ومن توصياته المهمة:
- إن المؤتمر عبر عن صورة حضارية ويعبر عن شعور كل شاب مسلم مع إدراك توجيهات الشباب بشكل عام. وأكّد المؤتمر دور الأهل في تربية الأبناء والحث على الثقافة والتوعية للشباب واتباع النهج الإسلامي التربوي وتكثيف الحوار بين الشباب والسير على نهج القدوة الأولى على مر التاريخ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك كان المؤتمر الذي نظمه منتدى الفكر العربي في عمان بالتعاون مع الصندوق العربي الإنمائي الاجتماعي في الكويت، وكان لي شرف المشاركة في هذا المؤتمر الشبابي المهم تحت عنوان (الاقتصاد العربي وتمكين الشباب للمستقبل)، وحظي هذا المؤتمر برعاية سمو الأمير الحسن بن طلال وتطرق سموه في كلمة الافتتاح قائلًا إنه لا يمكن إغفال دور الشباب في النهوض بالمجتمع والمشاركة الفاعلة في مختلف حقول المعرفة والإنتاج والإبداع وبناء جسور المعرفة والتواصل والتشبيك بين أعلى المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وأن للشباب دورًا مهمًا في خطط الإصلاح وعمليات التطوير التي تحتاج إلى منهجية واضحة في التفكير والتطوير، ويحتاج إلى رؤية واضحة منفتحة على العالم ليكون في تواصل وتفاعل مع الرؤى التنويرية الأخرى، وأننا بحاجة إلى ترسيخ ثقافة العمل وتأكيد دور الذهنية الإيجابية المسؤولة في التعاطي مع تحديات الواقع وعلى ضوء انتشار ظواهر التطرف والاغتراب والتهميش والإقصاء للشباب، ولا بدَّ من تشجيع انخراط الشباب في المجتمع بدلًا من الانعزالية وإتاحة فرص المشاركة في صنع القرار في النشاطات الإنسانية.
وأدار جلسات المؤتمر معالي الدكتور محمد أبو حمور أمين عام المنتدى، وقد ألقى كلمة شاملة لدور الشباب في الاقتصاد وتأثيره في مستقبلهم العملي وبيّن الآثار السلبية التي يواجهها الشباب في عالمنا العربي نتيجة تداعيات الصراعات والحروب وبطش الاحتلال والعدوان والتهجير، ولا بدَّ من تمكين الشباب للمستقبل بتحديات لكل القضايا التي تواجههم ونظراتهم المستقبلية.
ومثلت الشباب المشارك في المؤتمر الدكتورة أمل المعايطة، وبينت أن الفئات المستهدفة من الجماعات الإرهابية هم الشباب، مما يدعونا إلى التعرف على الدوافع التي تؤدي بهم إلى الانضمام إلى هذه الجماعات والتنظيمات، ومن هذه الأسباب اغتراب الشباب في وطنهم، ما يدفعهم إلى لعب التعبئة والحشد فيما جرى تسميته «الربيع العربي»، مشيرة إلى ارتفاع نسب البطالة في عالمنا العربي وقلة فرص العمل في سوق العالم العربي.
وحضور الأردن المميز في المحافل الدولية التي تعنى بقضايا الشباب ومستقبلهم المهني تمثل في اشتراكه بوفد عالي التمثيل في مؤتمر جاكارتا برئاسة الدكتور جواد العناني نائب رئيس الوزراء الذي حمل للمؤتمرين في المنتدى الاقتصادي الإسلامي العالمي الكلمة الملكية السامية نيابة عن الملك عبدالله الثاني والتي أكّد فيها جلالته استفادة الدول الإسلامية من قدرات وطاقات شبابها عبر تحويل الأفكار الإبداعية إلى أعمال ناجحة، وخصوصًا ضرورة أن تنضج المشاريع الصغيرة وتتحول إلى شركات متوسطة وكبيرة لتوليد فرص عمل للشباب والمساهمة في تحقيق النمو المستدام.. وأهمية حماية شبابنا من أخطار أولئك الذين يرتكبون القتل باسم الدين بوحشية وهمجية كالذي يمارسه الإرهابيون خوارج عصرنا هذا.
وأكّد جلالته أن الحرب على التطرف والإرهاب يجب أن تدعم بجهود لتمكين المهمشين والفقراء والعاطلين عن العمل في كل المجتمعات، والأهم من ذلك تمكين الشباب الذين يشكلون الأغلبية في بلادنا، وإذا نجحنا في تمكين الشباب من خلال تزويدهم بأدوات الابتكار وإطلاق طاقاتهم لصنع مستقبل أفضل فإننا نوفر لهم بذلك الحماية ضد الكراهية وأفكارها الهدامة المتطرفة.
واختتم جلالته كلمته السامية بتبيان الظلم بربط الإرهاب بالإسلام، وهو منه براء، حيث قال الملك عبدالله الثاني إنها حرب فكرية داخل الإسلام تتطلب منا حماية القيم الحقيقية لديننا الحنيف، قيم السلام والاعتدال والمحبة واحترام الإنسانية ضد قوى الشر التي تسعى لتدميرها وتشويه الإسلام، وهذه حرب لا بدَّ أن نخوضها معًا كمسلمين، بالتعاون مع المجتمع الدولي.
عمان عاصمة الهاشميين تفتح أبوابها للأشقاء العرب ليستظلوا بالأمن والأمان وكرم الضيافة بعد أن أحرقهم ما يسمى «اللهيب العربي» الذي حقق هدفه بالفوضى الخلاقة التي أضاعت دول الشرق الأوسط الكبير بجنون العصابات الإرهابية الداعشية وأخواتها في الإعداد والتدريب والتمويل.
«إننا نفخر بأن بيتنا الأردن لم يسبق له أن رفض جارًا طلب الملجأ والإغاثة، إنه بيت كل من ينشد السلام والتقدم، لأنّ السلام ليس مجرد سياسة وليس قيمة عليا فقط، بل إنه سمة إنسانية، وهو الدعامة الأساسية للبيت الذي يجمعنا كأسرة عالمية واحدة.. فأهلًا وسهلًا بكم في بيتكم الأردن..»، هكذا تحدث أمير الشباب العربي الأردني الحسين بن عبدالله.

abdulellahalsadoun@gmail.com





كلمات دالة

aak_news