العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان هل فعلا ابتعدت بريطانيا عن أوروبا؟

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٣ ٢٠١٦ - 03:00



يمر مجتمع العولمة الجديد بطوفان من انتفاضة عولمية تجمع بين السياسة والاقتصاد والدين. فقد خسر المجتمع الدولي ثقته بالسياسيين، لينتهي أعظم حزب في العالم الغربي، باختيار مرشحه للانتخابات الرئاسية الأمريكية ملياردير مستقل وغير سياسي أصلا، بعد ان خسر كبار مرشحي الحزب التقليديين في الانتخابات التمهيدية. فقد رفضت انتفاضة حزب الشاي ترشيحات حزبهم الجمهوري، ليختاروا مليارديرا مضادا للسياسة، بمعنى أنه لا يمثل الصدق والبطولة، ولا يتعهد بوعود يتنصل منها بعد فوزه، كما أنه غير ممول من قمة 1% الأمريكية. وقد عانى أيضا الحزب الديمقراطي من منافسة السناتور المستقل برني ساندرز، لمرشحتهم التقليدية السيدة هيلاري كلنتون، فقد حقق انتصارا كبيرا أمام مقاومة سوق المال الأمريكية، حيث اعتمد على تمويل حملته الانتخابية بقلة من الدولارات، من قبل ملايين من أفراد الفئات البسيطة في المجتمع الأمريكي، ولولا قوة المندوبين الكبار من قيادات الحزب الديمقراطي، لانقلب السحر على الساحر. فلقد تقبل المواطن الأمريكي برني ساندرز أيضا، لأنه سياسي غير تقليدي ومستقل، وحسس المواطن الأمريكي بأنه صادق مع نفسه، ومستعد لمواجهة قوى المال الأمريكية، فقد طالب برعاية صحية شامله للجميع، وتعليم جامعي حكومي مجاني للجميع، ورفع أجور الطبقة العاملة، وفرض ضرائب حقيقية على 1% من الثراء الأمريكي، وتنظيم سوق المال في «وول ستريت». فلقد دافع برني ساندرز عن 99% من الشعب الأمريكي، أمام قوة ثراء 1% منه. وقد انتهت منافسة الحزبين بفوز دونالد ترامب ترشيح الحزب الجمهوري، وبفوز السيدة هيلاري كلنتون ترشيح الحزب الديمقراطي، ولتنتهي أحلام اليقظة لـ99% من الشعب الأمريكي.
وفي خضم هذه الأحداث الانتخابية الأمريكية، جرى الاستفتاء البريطاني على البريكسيت، والذي انتهى بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مع استقالة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بل وليبرز رائد حركة البريكسيت، بورس جونسون، وليتوقع الجميع بفوزه برئاسة الحكومة القادمة، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لينزل زميله في المنافسة، وينسحب هو منها، ولتنتهي المنافسة ببروز سيدتين على منافسة رئاسة الحكومة البريطانية، ولتنتهي إحداهما بغلطة غبية، ولتفوز تريزا ماي برئاسة الحكومة البريطانية الجديدة. وقد لفت نظري خطاب تريزا ماي في ترشيحها الأولي لرئاسة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة، فقد بدى لي أنها سيدة جادة، بعيدة عن أجواء الاجتماعية للسياسيين البريطانيين، كما أنها قليلة الكلام، وكثيرة العمل، وقد أثبتت بتاريخها أنها سياسية مسؤولة، فقد ترأست وزارة الداخلية البريطانية بكفاءة نادرة، وأبلت بلاءً حسنا في مسؤولياتها المعقدة. ولكن الذي لم أتوقعه منها، كرئيسة جديدة لحزب المحافظين البريطاني، تصوراتها عن الرأسمالية، ومدى أهمية شبكة الحماية الاجتماعية فيها، والتي تفهمتها بشكل جميل الرأسمالية الإسكندنافية، التي طبقت الرأسمالية ذات المسؤولية الاجتماعية بشكل ملفت للنظر في فنلندا والسويد والنرويج والدانمارك، حيث جمعت بين العصرنة والحداثة والحماية المجتمعية، ومع التطور العلمي والتكنولوجي، بل ومع الازدهار الاقتصادي والسعادة. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل ستتحول السيدة تريزا ماي، رئيسة حزب المحافظين، إلى «برني ساندرز» البريطانية؟ وهل ستحول تشاؤم البريكيست البريطاني، الذي خسر العالم منه في يوم واحد اثنين تريليون دولار، إلى تفاؤل سويسري؟ وهل ستمر بريطانيا بمرحلة جديدة من تاريخها، لتتحول من أشلاء الإمبراطورية القديمة للمملكة المتحدة، إلى إنجلترا الجديدة الإسكندنافية؟ أليس ذلك الحلم الجيني الذي يعيشه كل إنجليزي في داخل دمه؟
للجواب عن هذه الأسئلة، ليسمح لي عزيزي القارئ ان نناقش مقالا كتبه الصحفي الغربي ستيفن ديفيدوف سولومونن بصحيفة الانترناشونال نيويورك تايمز الصادرة في طوكيو، بالتعاون مع صحيفة اليابان تايمز، في 21 يوليو الماضي، وبعنوان «الرؤية البريطانية للرادكالية المحافظة»، يقول فيه: رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، تريزا ماي، هي قائدة حزب المحافظين، ولكنها تبدو في نظر عالم الشركات العولمة العملاقة، أقرب في آيديولوجياتها من السناتور الأمريكي برني ساندرز، عن السيدة مارجاريت تاتشر، رئيسة حزب المحافظين السابقة ورئيسة وزراء بريطانيا من عام 1991 وحتى عام 2006، ففي خطاب ترشيحها لرئاسة حزب المحافظين، أبرزت تريزا ماي رؤيتها، بالمطالبة بزيادة الحماية الاقتصادية للمواطنين، وزيادة مشاركة رأي العمالة البريطانية في إدارة الشركات، مع قوانين صارمة لمحاربة الاحتكار، والحد من الإفراط في رواتب المديرين التنفيذيين. ولم ينتبه لخطابها كثيرون في الولايات المتحدة، ولكن رؤيتها المستقبلية قد تلهم طريقة جديدة لمسؤوليات الشركات العملاقة في بريطانيا وباقي العالم. فقد تحدت في خطابها في برمنجهام، في الحادي عشر من الشهر يوليو الماضي، مجمل الأفكار المطروحة في موجة الانتفاضة العولمية الجديدة، فقد أكّدت رؤية بريطانية لبلد لا تعمل فقط لقلة الواحد في المائة من المحظوظين، بل لكل واحد منا، أي 100% من الشعب. فلم تحقق القوى العاملة في الماضي ما حققه الرؤساء التنفيذيون للشركات، بل لم ترتفع الرواتب في بريطانيا منذ أزمة عام 2008 إلا ببطء، بينما ساعد نسب الفائدة المنخفضة ممتلكي العقارات، وعلى حساب الذين لا يستطيعون شراء منازلهم. كما أكّدت أن هناك قلقا وإحباطا عاما بسبب تباين الثراء، وتبين ذلك من خلال الغضب في الاستفتاء الأخير لترك الاتحاد الأوروبي، حيث أكّد هذا الاستفتاء ضرورة القيام بتغييرات جذرية في النظام الرأسمالي في البلاد. بل لتبدو تغيراتها المقترحة لمعالجة هذه التحديات، وكأنها خارجة من فم رئيس حزب العمال المعارض، أو كأنه بالأخص خطاب رئيس المعارضة لحزب العمال البريطاني، أو خطاب السناتور الأمريكي برني ساندرز في مؤتمر الديمقراطيين الأخير. فقد أعلنت تريزا ماي أنها ليست مضادة للخصخصة والتجارة، ولكنها أكّدت أيضا أن هناك حاجة ضرورية لتنظيم السوق الحرة بالقوانين والانظمة ضد احتكارات الشركات. بل إن الحكم المتزن سيساعد هذه الشركات لتقرر قرارات أفضل لمصالحها الطويلة الأمد وللاقتصاد العام.
وفي الوقت الذي أكّدت ماي أنها ليست مضادة للتجارة العالمية، ولكنها انتقدت الشركات التي يديرها مديرون من طبقة القمة الصغيرة، بل أكّدت أنه يجب ألا يسيطر على إدارة هذه الشركات مجموعة صغيرة من طبقة معينة، كخريجي جامعات إيتون، وهارو، وأكسفورد، وكامبردج. بل أصرت على ضرورة التناغم المجتمعي في هذه الشركات، بأن تشمل إدارة هذه الشركات ليس فقط المستهلك، بل أيضا العاملين فيها، كما هي في الدول الأوروبية. وطبعا هذه رؤية جذرية جديدة لحزب المحافظين البريطاني، ففي الولايات المتحدة يدير المديرون الشركات لصالح المساهمين، وليس لصالح المستهلك والقوى العاملة في الشركة، بينما تنادي رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة بأن تدير هذه الشركات والمصانع من قبل أبناء المجتمع ككل. كما انتقدت قرارات الحكومات السابقة بالسماح للأجانب بشراء الشركات البريطانية، حيث علقت على شراء شركة «كرافت» الأمريكية لشركة «كادبوري» البريطانية، كما انتقدت محاولة ضم شركة «استرازينيكا» البريطانية للصناعات الدوائية، إلى شركة «فايزر» الأمريكية للصناعات الدوائية، وذلك فقط لكي تتخلص هذه الشركة الأمريكية من دفع الضرائب. كما أكّدت ضرورة أخذ الاعتبار في هذه الصفقات للمجتمع والقوى العاملة، ويعنى ذلك بحماية الشركات البريطانية من المشترين الأجانب، وخاصة شركات الصناعات الدوائية. ويعتبر كل ذلك تغيرات جذرية في الولايات المتحدة، حيث إنه تدار عادة الشركات من مجلس من المديرين التنفيذيين الذين يعملون لصالح المساهمين، وليس لصالح الطبقة العاملة أو المستهلكين، بينما تريد تريزا ماي أن تدار الشركات من المجتمع كمساهمين وعاملين ومستهلكين.
ويبدو أن الشركات بدأت تنتبه لمقترحات السيدة تريزا ماي، حيث أكّدت شركة الاتصالات اليابانية «سوفت بانك» التي تحاول شراء شركة «ارم» البريطانية، أنها ستبقي مركز هذه الشركة بمدينة كامبرديج البريطانية، وأنها ستزيد عدد موظفيها البريطانيين للضعف، حينما تتم صفقة شراء شركة «أرم» بحوالي 32 مليار دولار. وأما عن موضوع تعويض المديرين التنفيذيين، فقد طالبت «ماي» الشركات البريطانية بتنفيذ الأنظمة التي تفرضها الولايات المتحدة، وذلك بالإعلان الرسمي للنسبة بين متوسط رواتب الرؤساء التنفيذين ومتوسط رواتب باقي العاملين في الشركات. كما أصرت على ضرورة تصويت المساهمين على قرار تحديد رواتب الرؤساء التنفيذيين، وأن تكون هذه الأنظمة مفروضة فرضا قانونيا على الشركات، لا كما هي الآن أنظمة طوعية تقبلها الشركات أو ترفضها. كما أكّدت تريزا ماي ضرورة فرض أنظمة ملزمة ضد احتكار الشركات للتجارة، وخاصة في المؤسسات المالية والمؤسسات الخدمية، وهو الموضوع البارز اليوم في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فقد أعلنت السناتورة الأمريكية اليزابيث وورن، وبرفيسورة القانون في جامعة هارفارد، في مؤتمر الديمقراطيين الماضي، أن المؤسسات المالية والخدمية مركزة في يد قلة من الشركات العملاقة، والذي قد يعرض الاقتصاد الأمريكي والعالمي للخطر، لو تعرضت هذه الشركات للإفلاس، ما قد يضطر الحكومة الأمريكية إلى إنقاذها بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
فنعيش اليوم في عالم يسيطر على خدماته المالية مؤسستان أو ثلاث، ولو تعرضت هذه المؤسسات للإفلاس، فسيتعرض الاقتصاد العالمي لهزة مدمرة. كما ان هناك شركتين أو ثلاثا تسيطر على الاتصالات والإعلام، مما يؤدي إلى الاحتكار ورفع الأسعار على المستهلك. وقد يكون من السهل رفض تصورات تريزا ماي، بمجاملة خطاب سياسي شعوبي، طرحته قبل انتخابها، ولكن ستبين لنا الأيام مدى مصداقيتها. ومع ذلك، فالتغيرات التي تقترحها بربط الشركات بالدولة، تمثل تغيرا جذريا في آيديولوجية السوق الحرة المنظمة لذاتها باليد الخفية لآدم سميث، ومع الخصخصة التي كانت ثورة حزب المحافظين، منذ حكومة مارجريت ثاتشر في ثمانينيات القرن الماضي. وقد تكون تصورات تريزا ماي أيضا ثورية، بمطالبتها بإعادة التفكير ومراجعة، ليس فقط ما يتعلق بمراقبة الشركات، بل أيضا علاقة الدولة بهذه الشركات. فقد اعتبرت في بريطانيا والولايات المتحدة الشركات تاريخيا وحدة ربحية مسؤولة امام المساهمين، ولا يعني ذلك أن تتجاهل الشركات المجتمع، ولكن الهدف الأولي للشركات بحسب قانون الربحية. ويعني ذلك أن الإدارة المنتخبة والمعينة من المساهمين، لها الحق في تلك الربحية، كما يعني ذلك أنه، باسم السوق الحرة، قد خفضت الحماية بدل أن تعزز لتؤدي إلى زيادة ربحية المساهمين. وطبعا هناك تجاهل كبير لهذه الأساسيات، فالولايات المتحدة لديها آلية قومية أمنية، كما حاولت بريطانيا برنامج الشراكة الذهبية، لمنع السيطرة على شركاتها، ولكن بشكل عام ليس هناك أي تدقيق على من يكون المالك، ما دام ليس هناك مشاكل أمنية أو قانونية أو احتكارية. وهذا يختلف عن الأسلوب الأوروبي، حيث إنه يشارك ممثلو القوى العاملة في مجلس الإدارة، كما أن الحكومة تحمي الشركات الوطنية الرائدة، فمثلا أنقذت الحكومة الفرنسية شركة دانون المصنعة للألبان بقانون حماية الشركات الوطنية المميزة، لمنع تملكها من الأجانب. ومع ذلك تطالب تريزا ماي الشركات البريطانية أن تكون متداخلة أكثر مع العاملين فيها، ومع الحكومة. ويبدو ذلك كأنه تقليد للاشتراكية الأوروبية التي ينادي بها السناتور الأمريكي برني ساندرز، والذي يخالف تماما آيديولوجية خصخصة القطاع العام، الذي دفعت به السيدة مارجريت تاتشر والرئيس رونالد ريجان في ثمانينيات القرن الماضي. وقد أكّدت تريزا ماي أن برنامج حكومتها القادمة سيختلف عن برامج حكومات المحافظين السابقة، بل تصر على أن ذلك يتوافق تماما مع أساسيات آيديولوجية المحافظين، التي كانت تدافع دائما عن المواطن والمجتمع، ولكن ليس واضحا إن كانت تصورات تريزا ماي ستنجح.
وينهي الكاتب مقاله بالقول: «نلاحظ هنا تناقضا كبيرا في كل تلك الأفكار، حيث إن بريطانيا قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي مع أن خططها جميعها أوروبية، فهي تطالب بدور للقوى العاملة والمجتمع، بالإضافة إلى المساهمين، وهي أفكار قريبة من واقع الشركات الألمانية. كما يبدو أن أفكار تريزا ماي هذه بدأت تنتشر في الولايات المتحدة، من خلال السناتورين الأمريكيين، برني ساندرز، واليزابيث وارن. وليبقى السؤال الوحيد: هل سينفذ الديمقراطيون أم الجمهوريون المحافظون هذه الأفكار في الولايات المتحدة».
وبعد ما يسمى «انتفاضة الربيع العربي»، والتي كان من أهم أسباب اشتعالها هو تباين الثراء في الشرق الأوسط بين فئة قليلة 0.1% تملك كل الثراء، وفئة كبيرة 99% لا تملك حتى سكنها، حان الوقت أن نتساءل: هل ستراجع دول الشرق الأوسط أنظمتها وقوانينها حول الخصخصة والسوق الحرة المنفلتة؟ وهل سيلعب العاملون والمستهلكون دورا أساسيا في إدارة الشركات الخاصة؟ وهل ستراجع الحكومات دور الدولة في شركات القطاع الخاص؟ وهل ستحدد الخدمات الأساسية التي يجب أن تكون تحت حماية الدولة، لا في يد ربحية القطاع الخاص؟ وهل حان الوقت أن تتدخل الدولة في الحد من ارتفاع كلفة الرعاية الصحية والتعليمية؟ وهل ستقضي الدولة على البيروقراطية المشلة في مؤسساتها، قبل أن تتحمل مسؤولياتها الجديدة نحو القطاع الخاص، لكي لا تنهي إنتاجيته العالية، وإبداعاته المميزة، وربحيته الاقتصادية؟ ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان






كلمات دالة

aak_news