العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

تركيا ودرس الوطنية



{ «انقلاب فاشل» في تركيا لم يستطع أن يستمر أكثر من 6 ساعات، جعل العالم كله يمسك أنفاسه، بين من رقص وأطلق النيران فرحا، وبين من أصابه الغم والحزن وعينه على «اردوغان» الشخص! وبين من أخذ ينتقل بين المحطات خوفا على انزلاق تركيا إلى فوهة الفوضى، وانعكاسات ذلك الانزلاق الخطير على كامل الإقليم والمنطقة!
{ في تلك الساعات تضاربت الأنباء والتحليلات، بل تناقضت، حتى تم إعلان فشل الانقلاب! ثم في الأيام التالية ثم اتخاذ الإجراءات، ضد كل من شارك أو اشتبه في مشاركته في الانقلاب الفاشل، وخرجت التحليلات المختلفة، وتم وضع السيناريوهات، بين أنه انقلاب داخلي حقيقي ولكنه فشل، وبين أنه (خطة أردوغانية) محبوكة، ليجد فرصة في تصفية خصومه، وبين أنه انقلاب مدبر بمشاركة خارجية، وبين كل هذا وذاك، لا تزال التحليلات تدور في الفضائيات! وكل يدعم وجهة نظره بما يعتقد أنه الحقيقة، ولكن في الواقع لا تزال الملابسات تحيط بواقعة الانقلاب الفاشل، ولعل الفترة القادمة تكشف الكثير، بل وتغير من الخريطة السياسية التركية!
{ وسط كل ذلك الذهول في ليلة الانقلاب، فإنّ أكثر ما كان قد لفت النظر هو (الشعب التركي نفسه)، هذا الشعب الذي كان يراه البعض منقسما على نفسه سياسيا وعرقيا، إلى جانب وجود (معارضة قوية) لأردوغان، إلا أنه، وما إن استشعر في ظل وقائع معينة (أنه انقلاب على الديمقراطية) استجاب سريعا وبكل أطيافه لنداء «أردوغان» السريع جدا بنزوله إلى الشارع، إلى جانب الوعي الشعبي ووعي المعارضة بالخطر المحدق بتركيا نفسها، (فتوحد الموقف الشعبي الوطني) وكل المؤسسات، والجزء الأهم والأكبر من الجيش التركي، ليقف الجميع صفا واحدا مع الشرعية ضد الانقلاب. وهناك ألف حكاية وحكاية في ذلك لكي تروى، و(الخلاصة حماية الوطن)، وموقف وطني مشرف من المعارضة (4 أحزاب قوية في تركيا وغيرها من أحزاب)، ليكون نزول الشعب التركي هو الذي أفشل الانقلاب كأهم عنصر، إلى جانب حيثيات أخرى متفرقة يعرفها من تابع ويتابع الحدث التركي.
{ هذا «الموقف الوطني الموحد»، لمن مع «أردوغان» الرئيس الإخواني، ولمن هو ضده، كان عنصره المشترك إذن هو الوطن والحفاظ على الوطن، إلى جانب رفض منطق الانقلاب على الشرعية، وأن الديمقراطية التي دفع ثمنها الشعب التركي باهظا حتى وصل إليها، لم يكن ليفرط بها بانقلاب أيا كانت صفته، وفي ذلك أي الحفاظ على الوطن وعلى المكتسبات الوطنية والمنجزات، (تألق الشعب التركي، ليقدم درسا ناصعا للجميع)، وكيف تكون المعارضة حين تكون وطنية! لا تتشفى ولا تنساق من دون رويّة ضد من تخالفه سياسيا، وقد أخذت درس الأوطان الأخرى، التي تم تدميرها باسم تغييرها! وفي هذا تتضح أيضا مواقف العديد من «الفئات الخائنة» في بلاد عربية، سمّت نفسها «معارضة»، فإذا هي مجرد أدوات لمن يحركها من الخارج، بعضها نجح في تدمير وطنه تماما، وبعضها فشل بحفظ ورعاية من الله عز وجل، ولم يبق لها إلا سواد الوجه!
{ القصة في تركيا، لم تكن إنقاذ «اردوجان» أو (حزبه الإخواني)، وإنما (تركيا الوطن) وهذا ما كنا نفكر فيه منذ البداية، وحيث كانت تركيا ستدخل في الفوضى، وحرب أهلية مرشحة، وتقسيم لأراضيها، وسواء كان «غولن» المتهم بقيادة الانقلاب من أمريكا، أو جهات إقليمية ودولية قد تورطت في الترتيب له، فإنّ الأوراق كلها قابلة للانكشاف، وخاصة أن الانقلابيين بدأوا انقلابهم بضرب مؤسسات شعبية كالبرلمان التركي، ومبنى الرئاسة، وإعلان الطوارئ، وطرح تغيير الدستور، إلى جانب ضرب الناس والمتجمهرين في الشارع، بما أوحى أنه انقلاب على الديمقراطية، وعلى الوطن.
{ الاقتصاد التركي الذي سجل معدلات نمو عالية، كان سيمر بكارثة حقيقية، لو كان الانقلاب قد نجح، وكان الغموض سيلف ملفات المنطقة كلها، وخاصة لو كان التخطيط من الخارج، وبما يتعارض مع مصالح المنطقة العربية، التي تعيش أصلا في حالة تدهور أمني خطير! وكان الرابح الأكبر من ذلك، هو من أظهر التشفي في الساعات الأولى من قوى إقليمية إيرانية وأمريكية وغربية، سرعان ما تضاربت التصريحات لديهم بعد ذلك مع التيقن بفشل الانقلاب!
ولكن الشعب التركي وموقفه الوطني وهو يرفع في الشوارع علم تركيا فقط، بمن فيهم المعارضة الوطنية، أنقذ تركيا من مجهول كان سيحدق بها، ومن مجهول أكبر كان سيحدق بكامل المنطقة، ويعيد ترتيب أوراقها مجددا، لما فيه مزيد لتقوية إيران، بعد أن تراجعت قوتها في عديد من البلدان العربية، التي كانت تعتقد انتهاء إحكام سيطرتها عليها! ولوطنية الأتراك ومعارضتها نرفع التحية!





إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

aak_news