العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

بريد القراء

ســوء الــظــن ذلــك الـــســـم الــقـاتـــل

السبت ٠٩ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



كنا نصلي صلاة جماعة في أحد المساجد حين صلى بجنبي شاب كان كثير الحركة أثناء الصلاة فاستأتُ منه لأنها حركات يقوم بها الأطفال ولكن بمرور الوقت اكتشفت أنه مصاب بمرض يؤدي به إلى أن يرتَعش ويرتجِف فلا يستطيع السكون بجسده فلُمتُ نفسي ودعوت له بالشفاء. وحادثة أخرى قبل سنوات، مر شاب ملتزم بسيارته تبدو على مُحياهُ آثار الالتزام والتقوى وكان مُسجل الموسيقى في سيارته مرتفعًا جدًا فتعجب أحد قائدي المركبات من هذا الذي يحصل فحاول ايقافه إلى أن توقف الشاب ولما بدأ الحديث معه اكتشف أنه أبكم وأصم فحاول إفهامه أن صوت الموسيقى مزعج جدا فقام بإغلاقه وأخبره بأنها ليست سيارته وإنما سيارة أخيه قد يكون هو من شغل الموسيقى.
كثيرًا ما نحكم على الآخرين بحكم هم بعيدون عنه كل البُعد وما ذلك إلا لأننا ننظر إلى المواقف من زاوية ضيقة تخفي عنا الكثير من الحقائق التي كانت من الممكن أن تنهي سوء ظننا وتضع حدًّا للمشكلات التي تحدث بيننا يوميا لسبب بسيط يشكل فيها «سوء الظن» الجزءُ الأكبر من محور القضية لأننا نطلق الأحكام حينها من منطلق العاطفة ليس للعقل دور فيها مما يؤدي إلى استفحال القضية فيصعب حلها.
نقطة الخلاف عند كثير من حالات سوء الظن هي نقص في كمية المعلومات التي تتعلق بالشخص المستهدف فربما كانت للشخص أسباب خاصة استدعته إلى فعل شيء ما مخالف للعادة وربما استدعته إلى ترك أمر ما كان يجب عليه فعله ولكل شخص ظروفه وأسبابه ونمط حياته وفكره وثقافته ونظرته للأمور فيقع ضحية سوء الظن من قبل الكثيرين للأسباب التي تم ذكرها. لا يتوقف الأمر عند البعض بإساءة الظن بالآخرين وإنما يتعدى الأمر إلى التشهير بهم فتنتقل عدوى إساءة الظن إلى أكبر شريحة في المجتمع وهذه طبيعة منتشرة في وسط أناس لا يتقون الله تعالى في أعراض الآخرين، كل همهم نهش لحوم الناس والتعدي على خصوصياتهم والتدخل في شؤونهم الخاصة ليظهر المجني عليه في وضع بائِس تتهمه عيون الناس بالتقصير ومجاوزة الحدود وهو بريء من ذلك كله.
تتعدد مواقف سوء الظن وتتنوع لتشمل الفرد والأسرة والمجتمع بل والدول فنجد زوجة تسيء الظن بزوجها لأنه يعود متأخرًا إلى البيت من دون البحث والتقصي في أسباب ذلك ونجد مدرسا يسيء الظن بأحد الطلبة لسبب ما وربما أساءت دولة الظن بدولة أخرى، وكثيرًا ما نجد أسرا وعائلات تسيء الظن ببعضها البعض والمحصلة تتشكل لدينا كمجتمعات مهزوزة متشبعة بسوء الظن ليس للعقل فيها بصمة تذكر.
الطريقة المُثلى لحل معضلة سوء الظن هي في اجتنابه كما أمرنا الله سبحانه وتعالى وذلك بالتحقق من الأمر قبل إطلاق الأحكام على الآخرين، فالصحابي الذي جاء وبال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسئ الرسولُ فيه الظن بل تحقق من الأمر بأنه كان جاهلا بطهارة مثل هذه البقاع المخصصة للعبادة. ينبغي علينا ألا نتدخل في خصوصيات الآخرين وألا نتعمق في شؤونهم الخاصة وأن نتحقق أكثر ونتمعن أكثر ونعطي فرصة أكبر للآخرين كي يعبروا عن مشاعرهم ولكي تجتمع لدينا المعلومات الكافية عنهم لتتضح القضية ولا نقع في شباك سوء الظن ذلك السم القاتل.
فيصل بن زاهر الكندي- سلطنة عمان






كلمات دالة

aak_news