العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٦٤١ - الاثنين ١٨ يناير ٢٠٢١ م، الموافق ٠٥ جمادى الآخر ١٤٤٢هـ

في الصميم

وعلى الباغي تدور الدوائر



اللهم لا شماتة.. فمن الحقائق المسلَّم بها أن الظالم له يوم.. وعلى الباغي تدور الدوائر.. ومن كان يعتقد أنه اليوم في المقدمة، فليس من المستبعد أن تلعب الأقدار لعبتها وتزج به نحو المؤخرة ملوما محسورا.
إن العالم العربي لا يمكن أن ينسى تاريخ أوروبا التي استعمرته دولة بعد الأخرى.. وأذلت شعوبه واستعبدتهم.. واستولت على خيراته ونزحتها إلى الخارج، ومزقته ليسهل احتلالها له، وتكسر هيبته حتى لا تقوم لدوله قائمة.. وسرقت كل شيء.. حتى علومه وحضارته وعادت لتتقوى بها لتحكم قبضتها على مقدرات شعوبه ولتفرض عليه مزيدا من الاستعباد والإذلال. وسبحان مغير الأحوال.. إن ما يجري الآن في الاتحاد الأوروبي وانسحاب بريطانيا منه يمكن أن يطلق عليه وصف «الربيع الأوروبي».. ذلك لأنّ هذا الانسحاب ليس بمستبعد أن يكون مقدمة لتغيير شامل عاصف ومدمر في بنية الاتحاد.. والاحتمالات قوية جدا لخروج دول أخرى منه.. وهو ما قد يصل إلى مرحلة الانهيار، وانحسار تأثير هذا الاتحاد في مجريات السياسة العالمية.
والحقيقة المؤكدة، أن نذر مسلسل هذا الانهيار والتمزق قد بدأ فعلا، وأنه قد يصبح هذا الوهم الذي يسيطر على الاتحاد ويمكِّن الظنون منه بأنه القوة الأقوى التي يستطيع من خلالها أن يكيل في مواقفه مع دول العالم بمكاييل عدة ومتباينة.. ويوزع مواقفه المنحازة وغير العادلة على دول العالم العربي.. إلى درجة الوقوف علنا، ونهارا جهارا إلى جانب الباطل.. بغية أن يضرب أبناء الشعب الواحد بعضهم بعضا والدول العربية ببعضها.. ظنا منه أنه يمكن أن يسود ويعيد عهد الاستعمار البغيض من جديد.. ولكن هذه الأوهام والظنون قد تصبح في ذمة التاريخ.
إن الدول الأوروبية تجني الآن ما زرعته بأيديها من سياسات غير عادلة، وغير منصفة تجاه العديد من القضايا الدولية، ولا سيما تلك التي تتعلق بالدول العربية، من خلال مساندتها للجماعات الراديكالية والإرهابية، والدفاع عن شخصيات من أصحاب النزاعات الانقلابية، تحت مزاعم حقوق الإنسان والديمقراطية، وغيرها من الشعارات واليافطات الزائفة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والخراب.
وليس بمستبعد أن تكون بعض دول الاتحاد شريكة بل وضليعة في صنع المنظمات والمليشيات الإرهابية مثل داعش وغيرها، والتي أرادت من خلالها أن يكون لها دور في تمزيق العالم العربي وكسر شوكته وإذلاله من أجل حماية إسرائيل التي خلقتها، وتهيئة الأوضاع ليسهل لها إحياء عهد الاستعمار من جديد.
وعلى الباغي تدور الدوائر.. وأنه لا بدَّ للظالم أن يتجرع مما صنعته يداه.. فقد فوجئت دول أوروبا مع محنتها الراهنة أن حليفتها أمريكا تتخلى عنها.. وقد تركتها تواجه مصير التفكك والانهيار منفردة.. ولذلك ليس بمستغرب أو مستبعد أبدا على الولايات المتحدة الأمريكية، التي سبق لها أن تخلت عن دول الخليج ومصر وغيرها، أن يترسخ ويتجذر هذا التخلي الكامن في الدماء الأمريكية عن حلفائها الأوروبيين.. فقد كانت دول الخليج العربي ومصر من أشد الدول تقاربا وتحالفا مع الولايات المتحدة، وكانت تربطها بها علاقات تاريخية قوية ومتعددة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.. فقد عودت أمريكا العالم كله وعبر التاريخ أن مصالحها فقط ومن بعدها الطوفان.. وأن من كانت تصادقه أمس يمكن لها وبسهولة أن تعاديه اليوم من دون أي تردد، وليس هناك أي مانع أن تذوق أوروبا من الكأس نفسه، والجدير بالذكر أن صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية قد قالت مؤخرا: إن الاضطراب الذي يشهده العالم حاليا، وآخره كارثة خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، تتحمل مسؤوليته الولايات المتحدة.
فالولايات المتحدة بمشاركة بريطانيا قد أطاحت بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وتسببت في إشعال منطقة الشرق الأوسط برمتها.
كما أن الأزمات التي عصفت بأوروبا ومنها الركود الاقتصادي في 2008، وأزمة اليونان، وأزمة اللاجئين.. كل هذه الأزمات وغيرها قد تركتها أمريكا تستفحل من دون أن تفعل شيئا لاحتوائها.
نكرر أنه لا شماتة.. فقد شاءت الأقدار أن تذوق أوروبا من الكأس نفسه.. هذا الكأس الذي أراد الاتحاد الأوروبي أن تتجرعه شعوب العالم العربي وحدها.. فلم يتوقف الاتحاد عن مواقفه ومسلسل بياناته الظالمة والمنحازة التي تدعم من خلالها قوى الشر والإرهاب والانقلاب.. بعد أن كان قد أظهر اعتدالا في مواقفه برهة من الزمن في بداياته.. والآن يقدم الاتحاد الدليل بأنها كانت مواقف غارقة في الزيف، فقد آثر ألا يظهر أو يعبر عن حقيقة مواقفه ومشاعره ونواياه الحقيقية دفعة واحدة ومنذ البداية.
وأخيرا لا نملك سوى القول: وعلى الباغي تدور الدوائر.








إقرأ أيضا لـ""

aak_news