العدد : ١٥٤١١ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١١ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مذكرة سفير عربي في اليابان هل حان الوقت لحوار ديني- دنيوي حكيم؟

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٨ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



لقد لفت نظري على صفحة إلكترونية، لجمعية سياسية بحرينية معارضة، خطبة صلاة الجمعة لشهر مايو الماضي، ينادي فيه أحد الخطباء إلى حوار حول موضوع موافقة برلمان مملكة البحرين على تنظيم خطاب المنبر الديني. وقد أعجبت بجرأة ورصانة وصراحة هذا الخطيب، وحاولت أن يكون المقال بجزئيه حوارا مع فضيلته، بأن يشمل الجزء الأول الخطاب بعد تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء، مع طرح تساؤلات بعد كل جزء.
وأرجو من فضيلته أن يأذن لي أولا، بأن يكون هذا الحوار صريحا، من دون أن يفسد للود قضية. وأن يسمح لي فضيلته ثانيا، بعدم ذكر اسمه؛ لأنّ الأفكار التي طرحها هي أفكار سياسية عامه، يؤمن بها الكثيرون، ويختلف فيها الآخرون، ولأنها نظريات بشرية نسبية، تختلف عن حقائق العبادات والأخلاقيات والروحانيات الإلهية المطلقة، التي فضيلته متخصص فيها. وأن يغفر لي فضيلته ثالثا، إن أخطأت في حقه، ومن دون قصد الإساءة.
يقول فضيلته: «دعوى الخشيةِ من توظيفِ الإسلام للمآربِ الشخصيَّةِ لا تُبرِّرُ عزلَ الإسلام عن الحياة.. تعالوا نتحاور تأكّدوا أنَّ خيرَ الطرقِ وأمثلَها وأقصرَها وأقلَّها كُلفةً وأكثرَها نفعًا لحاضرِ البلدِ ومستقبلِه وأعمَّها فائدةً لمختلفِ مكوِّناتِ الوطنِ وأقدرَها على حمايةِ أمنِ الوطنِ واستقرارِه هو الحوارُ الجادُّ والعملُ على التسويةِ والتوافقِ وإزالة كلِّ ما يُعمِّقُ الاحتقان وتفهُّمِ هواجسِ الناسِ وتطلعاتِهم. جدليَّةَ فصلِ الدينِ عن السياسةِ قضيَّةٌ تسرَّبت إلى العالمِ الإسلاميِّ من الموروثِ الثقافيِّ الذي أفرزه الصراعُ في أوروبا في العصورِ الوسطى بين طبقةِ رجالِ الكنيسةِ وبين طبقةِ المثقفينَ الذين عُرفوا بعد ذلك بالعلمانيينَ، فكان شعارُ فصلِ الدينِ عن السياسةِ ردَّةَ فعلٍ مُتطرِّفةٍ تجاهَ الدينِ المسيحيِّ، نشأتْ عن تطرفِ واستبدادِ طبقةِ من رجالِ الكنيسةِ، فبقدرِ تطرفِ (بعض) رجالِ الكنيسةِ واستبدادِهم والمظالمِ الشنيعةِ التي اقترفوها كان تطرفُ المتضرِّرين تجاهَ الدينِ المسيحيِّ. ثم إنَّ هذا الشعارَ بعد أنْ كان مؤدَّاه فصل الدينِ المسيحي عن السياسةِ قد تم تعويمه وتعميمه وإخراجه عن سياقِه التاريخيِ وخلفيَاتِه الثقافيَة ليُصبحَ شعارا يَحمله كل مَن يخشى على مصالحِه من الدينِ أو يرى الدينَ عائقا أو متباينا مع رؤاه، ويحمله كذلك المنبَهرونَ بالإنجازاتِ التي أحرزتها دول توهَّمَ هؤلاءِ أنَّ منشأَ إحرازهم لهذه المنجزاتِ هو تبنِّي هذا الشعارِ وأنَّه لا سبيلَ إلى إحرازِ ما أحرزوا إلا بتبنِّي هذا الشعارِ. وتلك مغالطةٌ تعمَّدَ البعضُ تسويقَها ووقعَ البعضُ ضحيةً لبريقِها، والواقعُ أنَّنا لسنا معنيينَ بهذا الصراعِ التاريخيِّ الذي وقعَ بينَ رجالِ الكنيسةِ ومناوئيهم، فهم ينطلقونَ من ثقافةٍ أخرى وظروفٍ متباينةٍ لظروفِنا، ومن الظلمِ والخيانةِ للأمانةِ العلميَّةِ إسقاطُ واقعِ هذا الصراعِ على واقعِنا. ولذلك فعلى من يتبنَّى شعارَ فصلِ الدينِ عن السياسةِ في واقعِنا أنْ يكونَ صريحًا ولا يتدثَّر بالموروثِ التاريخيِّ والمظالمِ التي وقعتْ فيه، فذلك الموروثُ ليس جزءا من ثقافتِنا، ولا يمتُّ لنا بصلة، ولذلك فإنّ الموضوعيَّةَ والشجاعةَ الأدبيَّةَ تقتضيانِ لمن يتبنَّى هذا الشعارَ في واقعِنا أنْ يُعلنَ ليسَ عن تبنيه فصلِ الدينِ بمعناه العائمِ عن السياسة، بل يُعلنُ عن تبنِّية فصلِ الإسلام عن السياسة». انتهى.
وليسمح لي فضيلته أن أطرح الأسئلة التالية: هل نحن نناقش مسؤوليات الخطيب حينما يصعد على المنبر الديني لكي يخطب في الناس، أم نحن نتحدث عن الإسلام؟ أم نعدُّ خطيب المنبر هو الإسلام ذاته؟ أليس هناك خلط كبير وخطير؟ فكم من خطيب منبر أساء إلى الإسلام؟ هل يجوز للبغدادي أن يعدَّ نفسه الإسلام؟ هل يجوز للظواهري أن يعدَّ نفسه الإسلام؟ هل يجوز للخطباء المتطرفين لأحمدي نجاد يعدُّون أنفسهم الإسلام؟ وهل البشر معصومون من الخطأ؟ هل هناك فرق بين خطأ بعض رجال الكنيسة والمعبد والمسجد؟ أليس من الممكن أن يخطأ جميع البشر بمختلف مواقعهم في المجتمع؟ أم أن بعضهم معصومون عن الخطأ، والبعض الآخر لا؟ أليست غريزة النفس البشرية الركض وراء المصالح؟ وهل نستطيع أن نستثني بعض خطباء المنابر من حقيقة هذه الغريزة؟ وهل حان الوقت لأنّ نحترم جميع الأديان والعقائد والطوائف، لكي تحترم أدياننا وعقائدنا وطوائفنا؟ ألم تشوِّه قلة من المتطرفين حقيقة الإسلام الخالدة؟ ألم يجمع هؤلاء بين وحشية ذبح البشر وحرقهم وإغراقهم وهم أحياء، وبين تعليق أعناق البشر على الرافعات الإلكترونية حتى تزهق أرواحهم؟ وهل تختلف الأنظمة الثيوقراطية للقرون الوسطى عن الأنظمة الثيوقراطية للألفية الثالثة، والتي تسجن العلماء الأفاضل، بل تبقي رؤساءها السابقين تحت الإقامة الجبرية، وتزهق أرواح قيادات ثورتها الخضراء، وتعمل جاهدة لتصدير ثيوقراطيتها الطائفية المتخلفة إلى دول الجوار، لتنتهي بدمار شرق أوسطي يمتد من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن وليبيا، بل ومع قتل وذبح ملايين المواطنين وجرحهم، وخلق اثني عشر مليون لاجئ جديد؟ وهل فعلا يتصور فضيلتكم بأن الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لخطباء المنبر في إيران وتونس ومصر وليبيا واليمن ولبنان والعراق، تجاوزت إنجازات الغرب؟ وماذا يعني فضيلتكم بالأمانة العلمية؟ ففي أية مركز بحث علمي أو جامعة بحثية درس خطيب المنبر هذه الأمانة العلمية؟ وما مقاييس هذه الأمانة العلمية أصلا؟ أليست الأمانة العلمية تفرض علينا البحث العلمي في التاريخ، والاستفادة من عدم تكرار أخطائه؟ ألم تتطور العلوم البشرية الروحانية والأخلاقية والثيولوجية منها، والعلوم الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية، في الألفية الثالثة، إلى آلاف مؤلفة من الاختصاصات المتعددة والمتشعبة والمتفرعة؟ وهل يمكن أن يلم خطيب المنبر بجميع هذه الاختصاصات، أم عليه أن يتخصص في مجال ثيولوجي معين يخصه؟ ألم يحرج جميع مسلمي العالم بعض خطباء المنابر، حينما أعلنوا على منابرهم أن الأرض مسطحة، وأن النزول على سطح القمر ما هي إلا خرافة غربية كاذبة؟
ولنكمل الجزء الثاني من الخطاب، ليقول فضيلته: «فإنَّ إصرار المتبنِّينَ لهذا الشعارِ على الالتزام بحرفيَّتِه وهو فصلُ الدينِ بمعناه العائمِ عن السياسةِ يستهدفُ استدعاءَ الموروثِ الثقافيِّ والتاريخيِّ القاتمِ لتسويقِ هذا الشعارِ أو لرفعِ الاستيحاشِ من تداولِه في الوسطِ الإسلاميِّ، قولوا للناس صريحًا نحن نتبنَّى فصلَ الإسلام عن السياسةِ، قولوا للناسِ من دونَ خجلٍ نحنُ نتبنَّى إقصاء الإسلام ومحاصرتَه وحشرَه في أروقةِ المساجدِ، قولوا للناسِ صريحًا نحنُ نتبنَّى أنَّ الإسلام صلاةٌ وصومٌ وحجٌّ، وما عدا ذلك فليسَ للإسلام فيه شأنٌ، قولوا للناسِ صريحًا: إنَّ الإسلام لم يتحدَّثْ إلا عن الصلاةِ والصومِ والحجِّ والعباداتِ الشخصيَّةِ، وأما سائرُ الشؤون العامَّةِ فهو لم يتحدَّثْ عنها، ولم يتعبَّدِ الناسَ بها جملةً وتفصيلا، أو انَّه تحدَّثَ عنها وتعبَّدَ الناسَ بها، ولكنَّنا لسنا معنيينَ بها ولا نرتضيها لأنفسِنا ولا لمجتمعاتِنا. حينذاكَ وحينَ تكونونَ صريحينَ في التعبيرِ عن متبنَّياتِكم نتمكنُ من مناقشتِكم ومحاورتِكم وسؤالِكم: هل الإسلام كذلك؟ أليسَ القرآنُ هو المعبِّرَ الصادقَ والبيِّنَ والمعصومَ عن الإسلام ومعالمِه وحدودِه؟ هل اقتصرَ القرآنُ فيما أمرَ به على الصلاةِ والصومِ والحجِّ؟ أليستْ أوامرُه في ذلك لا تبلغُ معشارَ ما أمرَ بِه؟ ألم يأمرِ الإسلام والقرآنُ بالعدلِ والمساواةِ ورعايةِ الحقوقِ والانتصار للمظلومِ والحمايةِ للضعفاءِ والفئاتِ المسحوقةِ؟ ألم ينهَ عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِّ والاستكبار في الأرضِ والمكرِ والخديعةِ والغدرِ والكذبِ والنفاقِ والغصبِ والفسادِ والغشِّ؟ ألمْ يأمرْ بالتكافلِ والتصالحِ والتسامحِ والتعايشِ والتعارفِ؟» انتهى.
وليأذن لي فضيلته بأسئلة جديدة: هل فعلا طلب الشعب البحريني من البرلمان إقصاء الإسلام، أم إقصاء خطيب المنبر عن التحدث في الأمور السياسية المختلف عليها، والتي ليست من اختصاصه أصلا، ولم يدرسها في الحوزات الدينية؟ أليس في قلب اختصاصات خطيب المنبر الجزء الخاص في الإسلام بالعبادات والروحانيات والأخلاقيات، فلماذا يضيع الساعة الخاصة بذلك، للتحدث عن السياسة والصراعات السياسية وأسعار النفط والعلاقات الدولية وإلى أخره؟ هل يجوز ذلك شرعا؟ هل يحتاج المسلم أن يذهب لصلاة الجمعة لكي يستمع لخطاب سياسي، أم هذه مسؤولية الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإنترنت والأكاديميين المتخصصين والأحزاب السياسية؟ هل يجوز أن يضيع الخطيب وقت المنبر الديني للحديث عن مواضيع سياسية نسبية مختلف عليها، ليقلل من سمو مركزه، ويخفض من درجة رصانته وحصافته وحكمته بل واتزانه، التي هي صفات أساسية لشخصيته الروحانية السامية، بل وليترك الحديث عن عبادات وأخلاقيات الدين وروحانياته المطلقة، والتي في قلب اختصاصه، والتي نحن في أتم الحاجة إليها اليوم؟ أليست مناقشة أخلاقيات الدين وروحانياته أهم لرجل المنبر بكثير من الحديث عن صراعات السياسة الانتهازية؟ ألا تقاس الأمم بأخلاقها؟ هل يعلم فضيلتكم أن هناك بحثا مقارنا من جامعة الأمارات، يتعلق بوضع محفظة فيها عدة دولارات، في عشرة مواقع مختلفة في دول الشرق الأوسط، وعشرة مواقع أخرى في المدن اليابانية، وليبين البحث أن جميع هذه المحافظ رجعت لأصحابها في اليابان، بينما اختفت جميعها تماما خلال دقائق في دول الشرق الأوسط؟ هل ممكن أن تبنى الدول من دون القيم والأخلاق والروحانيات والعبادات الدينية؟ ومن المسؤول عن نشر هذه القيم الروحانية في المجتمع؟ وهل يجوز أن يضيع رجل المنبر الروحاني وقته في التحدث عن أمور حياتية نسبية متناقضة، بدل أن يركز على أمور روحانية أخلاقية مطلقة؟ وهل أصلا عقل الخطيب المنبري مهيأ لمناقشة الفرضيات النسبية، أم هو مدرب لعرض حقائق أخلاقيات القيم الروحانية المطلقة؟ أليس من الواجب أن تناقش الخلافات السياسة من خلال الصحافة والتلفزيون والإنترنت والجمعيات السياسية، وليس على واجهة المنبر الديني؟ وما الدرجة العلمية التي يملكها خطيب المنبر ليناقش الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية؟ ألا يقلل من سمو المنبر الديني، تحويل نقاش الأخلاقيات والقيم والروحانيات والعبادات المطلقة، إلى نقاشات سياسية «انتهازية» نسبية؟
ولنكمل الجزء الثالث من خطاب فضيلته ليقول: «أليستْ مثلُ هذه الأوامرِ والنواهي هي جوهرَ الشأنِ السياسيِّ؟ فإذا كانَ الإسلام كذلك يستوعبُ كلَّ شؤون الحياةِ بتفاصيلِها وعلى رأسِها الشأنُ السياسيُّ؛ فما معنى فصلِه وإقصائه عن السياسةِ؟ ثمةَ من يدَّعي الانتصار للإسلام بتحييدِه والحمايةِ لقدسيَّتِه وطهارتِه عن السياسةِ التي شأنُها الدنسُ والنجاسةُ، وتلك مقولةٌ تقعُ في سياقِ المكرِ وخداعِ الصبيِّ عن اللبنِ، فهل على الإسلام أنْ ينكمشَ ويعتزلَ الحياةَ إذا امتهنَ الآخرونَ المكرَ والنفاقَ؟ أم على المنتمينَ ولى الإسلام أن يتطهَّروا بطهارةِ الإسلام، ويعتمدوا الصدقَ والوفاءَ والعدلَ والإنصافَ والأمانةَ وسائلَ في تدبيرِ شؤونهمُ العامِّةِ والخاصَّةِ، نعم السياسةُ بمعنى المراوغةِ والكذبِ والحيفِ والاستطالة.. أليسَ القرآنُ هو المعبِّرَ الصادقَ والبيِّنَ والمعصومَ عن الإسلام ومعالمِه وحدودِه؟ هل اقتصرَ القرآنُ فيما أمرَ به على الصلاةِ والصومِ والحجِّ؟ ألم يأمرِ الإسلام والقرآنُ بالعدلِ والمساواةِ ورعايةِ الحقوقِ والانتصار للمظلومِ والحمايةِ للضعفاءِ والفئاتِ المسحوقةِ؟ ألم ينهَ عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِّ والاستكبار في الأرضِ والمكرِ والخديعةِ والغدرِ والكذبِ والنفاقِ والغصبِ والفسادِ والغشِّ؟ ألمْ يأمرْ بالتكافلِ والتصالحِ والتسامحِ والتعايشِ والتعارفِ؟» انتهى.
نعم سيدي الفاضل، أساس الإسلام والديانات الأخرى هي الأخلاق والقيم، فقد أنزل الخالق جلت عظمته الأنبياء والرسل لإتمام مكارم الأخلاق الإنسانية، وهذا ما نطالب خطيب المنبر بأن يؤكده، والذي نحن في أشد الحاجة إليه في منطقة الشرق الأوسط اليوم. نعم سيدي الفاضل، لا نريد أن يضيع خطيب المنبر وقته في الكلام عن السياسة، ولن تتحول السياسة من «نجاسة كاذبة» إلى طهارة سامية، فقط، حينما يتحدث عنها خطيب المنبر، بل بالعكس، ألم ثبتت تجارب الشرق الأوسط بإمكانية تلوثه بنجاستها؟ ألم نستوعب الدمار الطائفي الذي يعانيه الشرق الأوسط حينما تدخل بعض خطباء المنابر في السياسة، فدمروا المنطقة بالصراعات الانتهازية الثيوقراطية الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا بل حتى في إيران؟ وهل فعلا خطيب المنبر هو القرآن والإسلام والأنبياء؟ ألم نعد نفرق بين شمولية القرآن والإسلام والرسل والأنبياء، وخصوصية خطيب المنبر؟ أليس وبالعكس، هناك بعض خطباء المنابر الإسلام والقرآن بريئين منهم؟ أليس هناك مليار ونصف مليار مسلم في العالم، يريدون أن يتفرغ الخطيب لشرح عبادات وأخلاقيات وروحانيات الإسلام؟ ألم يأتِ المسلم إلى المسجد ليسمو بروحه بسماع حديث عن العبادات والأخلاقيات والروحانيات، لا لأنّ ينجس نفسه بحديث مراوغ في دهاليز الصراعات السياسية؟ وأصلا كيف يمكن أن يكون الخطيب سياسيا وهو يتشرف بلبس عمامة الدين؟ ومن أين أتت أصلا هذه البدعة في عالم العولمة التكنولوجية وفي زمن الألفية الثالثة؟ وما الذي حققته هذه النظرية خلال العقود الأربعة الماضية، غير الآيديولوجيات المتوحشة الظلامية، والصراعات الطائفية، والحروب المدمرة، وليرافقها الفقر والجهل والمرض، وزيادة اثني عشر مليون لاجئ؟ فأرجو ألا نخلط الحابل بالنابل، أرجو ألا نعدَّ الإسلام الحنيف والقرآن الكريم، عبارة عن خطيب منبر يتحدث في ما لا يفقهه. أرجو ألا نسمح بخلق بيئة تسمم عقول بعض شبابنا بهذه التناقضات، وأن نسمح بأن يستغل جهلهم وفقرهم ليسيطر بعض المتطرفين على مقدراتهم الحياتية. ولنسأل أيضا، وبكل صراحة، ومن دون إحراج، ما الذي حققه خطباء المنابر للشعب الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية، حينما دخلوا في الصراعات السياسية واستلموا السلطة؟ ألم ينشروا الحروب الطائفية، من خلال الإصرار على تصدير الثيوقراطية الطائفية إلى دول الجوار؟ ألم تثبت جماعة النهضة التونسية مؤخرا أن السياسي سياسي، وإن كان حاملا شعار الدين، أو شعار القومية، أو شعار الاشتراكية، أو شعار الشيوعية، أو شعار الرأسمالية؟ فهل يعرف فضيلتكم أن السياسي معروف في اليابان بالانتهازي المتفائل، أي رجل ينتهز الفرصة لكي يضمن نجاحه في الانتخابات القادمة، وينتهز أية فرصة ممكنه لكي يحقق لمنتخبيه إصلاحات مجتمعية، بالعمل التناغمي مع معارضيه، ليضمن نصف الكأس المليء؟ فهل نقبل بأن يتحول خطيب المنبر من صفات الحصافة والرصانة والحكمة والأخلاقيات والروحانيات الرفيعة المطلقة، إلى صفات الانتهازية السياسية النسبية المتقلبة؟ ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان.





كلمات دالة

aak_news