العدد : ١٥٤١١ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١١ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الرأسمالية في فرنسا تسحق العمال والنقابات

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



التحولات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا منذ الأزمة المالية عام 2008 أدت إلى ضعضعة النظام الاقتصادي الأوروبي بشكل كبير، نظرًا إلى تحول الرأسمالية الغربية من الاقتصاد الحقيقي إلى الاقتصاد الافتراضي والانزلاقات الخطيرة التي نجمت عن هذه اللعبة حيث ضاعت المئات من المليارات في رمشة عين.
النظام المالي الأوروبي هو الآخر أصبح مهتزا وأعلنت العشرات من البنوك المشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية إفلاسها وغلق أبوابها وضاعت أموال المودعين في الهواء وانعكس ذلك على مجمل الأداء الاقتصادي لأغلب البلدان الأوروبية، وخاصة البلدان التي تعاني أصلا من مشاكل البطالة وبطء النمو الاقتصادي مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها.
وتعاني الجمهورية الفرنسية من مشكلات كبيرة في هذا السياق، فبالرغم من أن الحكومة الحالية هي حكومة اشتراكية كان يفترض أن يكون همها الرئيسي حماية حقوق العمال والتجاوب مع مطالب النقابات فإننا نرى أنها تتقدم ببرنامج رأسمالي يحابي رجال الأعمال ويدافع عن مصالحهم تمثل ذلك في قانون العمل الجديد المقترح والذي تصر الحكومة الفرنسية حاليا على تمريره وتصر النقابات على رفضه جملة وتفصيلا لأنّ تمريره سوف يعني في النهاية حماية مصالح الرأسماليين والصناعيين والتجار على حساب العمال الهدف الرئيسي من هذا القانون هو منح المرونة الكافية لرجال الأعمال الفرنسيين في توظيف وتسريح العمال والموظفين بعكس القانون القائم حاليا والذي يضع قيودا قانونية ومالية تمنع تسريح العمال أو الحد من حقوقهم الثابتة.
وقد قررت الحكومة الفرنسية الاشتراكية تبني هذا القانون المثير للجدل من دون المرور بالمؤسسة التشريعية أي من دون المرور بالتصويت عليه في البرلمان وسط انتقادات شعبية وعمالية حادة وغير مسبوقة.
وبغض النظر عن تأثير هذا القانون على مستقبل الحزب الاشتراكي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2017 فإنّ هذا القانون قد واجهته القوى الشعبية والعمالية بكل قوة وواجهت الحكومة الشعب والنقابات بكل عنف.
ففي غياب أغلبية برلمانية لتمرير هذا القانون تعمل الحكومة الفرنسية على تمريره من دون التصويت عليه في الجمعية الوطنية وهذا أمر لم يحدث في تاريخ فرنسا إلا مرة واحدة عندما مرر الرئيس الفرنسي هولاند قانونا لتحرير الأنشطة الاقتصادية وتمديد ساعات العمل في المتاجر يوم الأحد.
ومن الواضح أن مشروع إصلاح قانون العمل الذي تعتبره النقابات والمعارضة مشروعا رأسماليا بامتياز منحاز إلى الشركات والمؤسسات الرأسمالية انحيازا كاملا وكسر الحواجز لدخول سوق يعمل في بلد تبلغ فيه نسبة البطالة أكثر من 10% وسوف يؤدي تمرير هذا القانون بهذه الطريقة إلى تأثيرات كارثية على الشباب الفرنسي العاطل عن العمل، وخاصة البند الذي يتحدث عن حرية تسريح العامل من قبل المؤسسات والشركات في أي وقت يريدونه، وكذلك عدم تحديد ساعات العمل في الشركات الصغيرة كوسيلة لرفع ساعات العمل من دون مقابل مادي، إضافة إلى جواز تسريح العمال في حالات الأزمة الاقتصادية أو تراجع دخل الشركات.
وباختصار شديد، فإنّ هذا القانون في ظل الاشتراكية الإدارية الجديدة يؤكد انتهاء أو موت الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا أو لم يعد هنالك فرق بين الأحزاب الرأسمالية المحافظة والأحزاب الليبرالية أو الاشتراكية في المسألة الاقتصادية، فالأمر واحد لا خلاف بينهما، وأن المتضرر الرئيسي هو العامل أو الموظف الذي كانت تحميه وتحمي الحد الأدنى من حقوقه، ولكن من الواضح أن الرأسمالية تنتصر وتوثق جذورها في دول أوروبا الغربية، وأنه لم يعد هنالك من معنى لمفهوم الاشتراكية إن كانت ديمقراطية أو غير ديمقراطية.
الأمر الأخير الذي يجب أن نقف عنده هو هذا العنف الشديد الذي مارسته الدولة الفرنسية في مواجهة هذه الهبة العمالية والنقابية، هذا العنف الذي يذكرنا بما يحدث في بلدان العالم الثالث، فالعنف الشديد الذي ووجهت به الحركة العمالية والشعبية لو حدث مثله عندنا في البحرين أو في أي بلد عربي آخر لقامت القيامة ولتم اتهامنا بالبربرية والوحشية والهمجية وغير ذلك من العبارات السيئة، ولكن من الواضح أن الرأسمالية مستعدة لفعل أي شيء في سبيل مصالحها وتكديس الأرباح على حساب عموم العمال والفقراء والمستضعفين من ذوي الدخل المحدود.
ومن المؤسف حقيقة أن تنزلق الجمهورية الفرنسية بلد الثورة الديمقراطية في العالم، التي أسست للحرية والأخوة والعدالة، مثل هذا المنزلق الخطير.





كلمات دالة

aak_news