العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الغبقات الرمضانية بين الموروث الديني والشعبي

بقلم: السيد حيدر رضي

الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١٦ - 03:00




نعيش هذه الأيام أجواء شهر رمضان الفضيل، شهر التقوى والعبادة والمغفرة، شهر الرحمة والإحسان، شهر عمل الخيرات، والإحسان إلى الضعفاء والفقراء والمساكين.
ويمتاز رمضان في مملكة البحرين بنكهته الخاصة، حيث التقاليد الشعبية المتوارثة، والأكلات الرمضانية المخصوصة، والحالة الاجتماعية الفريدة من نوعها، حيث تبادل الزيارات الرمضانية، وافتتاح المجالس الرمضانية، ومجالس مخصوصة لتلاوة القرآن، وإقبال الناس على التهجد والعبادة والإكثار من النوافل وعمل الخير والتصدق على الفقراء والمساكين وغيرها من (ضروب) العبادات وفعل الخير.
وليس هذا بمستغرب على الشعب البحريني الذي جبل على التمسك بالدين، وفعل الخيرات، وزيارة الإخوان، وصلة الرحم، والرحمة بالضعيف، وإطعام الطعام وغيرها.
ويقبل البحرينيون كثيرا، على عادة جميلة ومحببة، وهي من الدين طبعا، ما تسمى (الغبقة)، التي يقيمها الأفراد والأسر والعائلات، وكذا الشركات والمؤسسات والبنوك والأسر التجارية لموظفيها ومنتسبيها من الموظفين والعاملين. والغبقة تقليد رمضاني خليجي شعبي متوارث، له أصوله الممتدة، وهي منتشرة بين أهل المدن، وأهل القرى على حد سواء، وهي تعبير صادق، لمشاعر الكرم والتكريم وإطعام الناس، وحب فعل الخير، ولا سيما في شهر رمضان الكريم.
وغالبا ما يمتد وقتها من بعد انتهاء مجالس تلاوة القرآن والذكر، وصلاة التراويح إلى قبل وقت السحور، ومنهم من يجعلها (متقدمة) أي في الأسابيع الأولى من شهر رمضان، ومنهم من يجعلها (متأخرة)، في الأسبوع الأخير لشهر الصيام، وهي بمثابة (توديع)، أو (بركة) لوقوعها في العشر الأواخر من رمضان، ولكن يفضل (كثيرون) إيقاعها في الأسابيع الأولى، لكون الناس قد تنشغل بالمناسبات الدينية و(القرقاعون) وذكرى وفاة الإمام علي (عليه السلام)، وصلاة التراويح والتهجد، في العشر الأواخر من رمضان، وشراء مستلزمات العيد وغيرها.
ويحسن أن تقدم فيها الغبقات الدسمة الكبرى، مثل سمك الصافي المقلي مع الأرز و(المحمر) الأرز المطبوخ بالسكر أو عسل التمر (الدبس)، و(المجبوس)، وغيرها، كما تقدم الحلويات الشعبية الرمضانية مثل (اللقيمات) و(النشاء) و(البلاليط) و(الساقو)، وبعض الحلويات الحديثة والمبتكرة والشاي والقهوة والتمر والعصائر والشربت وغيرها.
ويقال إن أصل كلمة (غبقة) ربما من (الغبوق) في حياة (البدو)، وهو شرب (حليب الناقة) ليلا، وهي مضاد (الصبح)، وهو (شره) صباحا، وبالجملة، فإنهم يتفقون على أنها وجبة أو وليمة تقام أو تؤكل عند منتصف الليل.
وقد أتت (العصرنة) عليها، فبات الناس يقيمونها في الفنادق الفخمة بخمس نجوم أو أربع، يقدم خلالها ما لذ وطاب من الأغذية والمشروبات والأطباق العربية والخليجية ولربما الغربية والهندية والصينية، بل إن بعضهم يقيمها في (خيام) تنصب لهذا الغرض، تتخللها ألعاب التسلية وشاي الكركديه، وشرب الشيشة وغيرها من أوجه وضروب التسلية والفرح، (متناسين) ما تمر به الأمة العربية من ويلات ومحن وحروب وصراعات وفتن ومجاعة وفقر، في العراق وسوريا وغيرها، فالموت والدمار يحصد العشرات يوميا في هذه البلدان، فضلا عما يعيشه النازحون، كويلات المجاعة وسوء التغذية وانعدام المأوى الملائم، والظروف القاسية التي تخيم على الجميع.
ثم فلسطين الحبيبة، وما يعانيه الشعب الفلسطيني يوميا، من الحصار والقتل على الهوية، والمضايقات، ومنع من حضور إقامة صلاة الجمعة والاعتقالات التعسفية اليومية ضد الشباب والأطفال، فضلا عما يعيشه (الفلسطينيون) من عيشة قاسية جراء حالة الفقر والبطالة المتفشية.
بعد هذه المآسي والويلات والمآسي، كيف يكون للإنسان دافع أو مزاج أو قلب، للتمتع وعيشة الترف والتسلية في المقاهي ومحلات الشيشة، لشرب ما لذ من الأشربة، وتناول ما لذ من الأطعمة؟!
ونعود مجددا إلى لب بحثنا، وقد يكون للغبقة، أصل ديني، مع كونها تراثا تقليديا اجتماعيا رمضانيا، فإنّ الإسلام قد حث في جملة من (النصوص) على إطعام الطعام للناس، فعن أحمد بن علي، عن سيف بن عميرة، عن عمر بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان علي عليه السلام يقول: «إنا أهل بيت أمرنا أن نطعم الطعام، ونؤدي في الناس البائنة، ونصلي إذا نام الناس». (توضيح: البائنة أي العطية).
وعن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عمن حدثه، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «خيركم من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى والناس نيام».
وعن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يحب إطعام الطعام وإراقة الدماء». (توضيح: وأراقة الدماء كناية عن الذبح فلاحظ).
وروى البخاري ومسلم، في الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما)، أن رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي الإسلام خير؟! قال: «نطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
وروى الطبراني في الكبير، قوله صلى الله عليه وسلم «أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربه، أو تطرد عنه جوعا، أو تقضي عنه دينا»، إلى غير ذلك من الآثار الدالة على هذه الفضيلة، مما لا يتسع المقام لذكرها مفصلة، وقد اكتفينا ببعضها لمورد الحاجة.
ولكن وللأسف الشديد، فقد ينتاب هذه (الغبقات)، بعض مظاهر (الإسراف)، والخروج عن الحد المعقول، لإقامة مثل هذه الولائم، وكذا حالات (الترف) غير المبرر، بحيث ما يتبقى من هذه (الولائم) كثير وكثير، ومصيره حاويات القمامة.
وعليه فإننا بذلك قد نخرج من دائرة (الإطعام) المحمود، والبذل والعطاء والكرم، والتي أرشد إليها النبي (صلى الله عليه وسلم) وأهل بيته الكرام، وأصحابه الأخيار، على حالة الإسراف (المذموم) الذي نهى عنه الإسلام، وحذر منه القرآن الكريم.
يقول الحق سبحانه: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما».
ويقول في سورة الإسراء: «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين».
وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال رسول الله (ص): «من اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذر حرمه الله».
وفي حديث داود الرقي عنه (عليه السلام) قال: «إن القصد أمر يحبه الله عز وجل، وأن السرف أمر يبغضه الله عز وجل، حتى طرحك (النواة)، فإنها تصلح لشيء، وحتى حبك فضل شرابك».
توضيح في المقام، ولعل الإمام عليه السلام، قد قال ذلك، في وقت قد ينتفع ببعض المتبقيات وبخاصة نوى التمر، فقد يفيد ذلك، في كونها مادة للوقود، أو علفا للحيوانات وما إلى ذلك، ويظهر من (توجيهات) الإمام دقة الأمور في الانتفاع بكل شيء، وذم الإسراف والتبذير، ولعل كثيرا من المصانع، قد تستفيد من الأشياء التافهة والقشور والمواد المستهلكة والبقايا المختلفة، لإعادة تصنيفها، أو أن تدخل في بعض الصناعات، بدل أن ترمى وتهدر وتلقى في الزبالة.
وفي حديث عمار قال أبو عبدالله (عليه السلام): « أربعة لا يستجاب لهم، أحدهم كان له مال فأفسده، فيقول: يا رب ارزقني فيقول الله عز وجل: ألم آمرك بالاقتصاد». (أنظر: الكافي ج4 ص:56).
ومن هذا المنطلق، فإنها دعوة للجميع، من باب الحرص العام والمصلحة العامة عند إقامة (الغبقات) أو (الولائم) أو (ولائم الأفراح) وغيرها، أن تكون معتدلة، في حدها المعقول، وأن يتجنب فيها مظاهر الإسراف، ويقتصر فيها على أطباق محدودة، وأن يتبرع بجزء من قيمتها الفعلية الأساسية، للفقراء والمساكين والأسر المتعففة وغيرهم.
وكذا الأمر ينسحب على المؤسسات والبنوك والعوائل التجارية والشركات عند إقامة الغبقات لموظفيها ومنتسبيها من العاملين، بحيث تقسم (ميزانية) الغبقة المخصصة، إلى قسمين، قسم تقام به الغبقة في حدودها المعتدلة، والقسم الآخر، يذهب ويخصص للصناديق الخيرية والجمعيات والأسر المحتاجة ولدعم الفقراء والمساكين والمحتاجين، والأرامل والأيتام، وفق الله الجميع للخير والصلاح.

S-HAIDER64@hotmail.com






كلمات دالة

aak_news