العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أي مصير ينتظر الجولان العربية السورية المحتلة؟

بقلم: د. محمد العباسي

الخميس ١٦ يونيو ٢٠١٦ - 03:30



الجولان هي هضبة تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وهي تابعة إداريًّا لمحافظة القنيطرة (كليًّا فيما مضى وجزئيًّا في الوقت الحاضر). تقع هذه الهضبة بكاملها ضمن الحدود السورية، ولكن في حرب 1967 تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال ثلثي مساحتها، حيث لا تزال إسرائيل تسيطر على هذا الجزء من الهضبة حتى يومنا هذا في ظل مطالبة سورية بإعادته إليها.
أغلب الشعب العربي من السوريين الذين لا يزالون في الجانب الإسرائيلي من الجولان هم من الطائفة الدرزية, وقلة من العلويين.. وجميعهم يندرجون تحت مظلة القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية, رغم أن هيئة الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الجولان أرضًا سورية محتلة. الغريب في الأمر أن في عام 1974 تم الاتفاق على خط هدنة بين «حافظ الأسد» والإسرائيليين مباشرة بعد حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل في سيناء. فقد تقدمت حينها الولايات المتحدة بمبادرة دبلوماسية أسفرت عن إبرام اتفاق لفض أي اشتباك محتمل بين القوات الإسرائيلية والسورية, ونص الاتفاق على منطقة للفصل ومنطقتين متكافئتين من القوات محدودة السلاح على الجانبين في المنطقة وطالب بإنشاء قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذها.
وفي السنوات اللاحقة أدت القوة مهامها بتعاون الطرفين وظل الموقف على القطاعين الإسرائيلي والسوري هادئا. ومنذ ذلك الحين يتعاون الطرفان بالكامل مع البعثة الأممية مما شجع وفتح الباب لحوالي 20000 مستوطن إسرائيلي للانتقال إلى الجولان وتحويلها بوضع اليد إلى أرض تابعة للكيان الصهيوني في ظل صمت رسمي سوري حتى يومنا هذا, حتى تجرأ «بنيامين نتنياهو» وأعلن مؤخرا فقط أن هضبة الجولان أرض إسرائيلية وستبقى كذلك إلى الأبد!!
وأنا لست هنا بصدد الخوض في قضية الجولان في ظل الظروف العربية البائسة, ولا نية لي في إثارة قضية الجولان كحجة على نظام الحكم في سوريا.. لكنني أطرح هذه المقدمة المختصرة لأخوض في مسألة إنسانية بحتة.. وضع أهلنا ممن صمدوا في الجولان ولم ينزحوا مع إخوانهم النازحين حينها ممن استقروا في أطراف دمشق هربًا وخوفًا من البطش الإسرائيلي.. هل يمكننا اليوم في ظل المآسي التي يعيشها الشعب السوري في وطنهم من بطش النظام السوري تجاههم أن نقول إن أهلنا في الجولان محظوظون وأفضل حالاً في أرضهم المحتلة؟ هل سيستلمون أخيرًا ويرضون بالانتماء إلى الدولة العبرية؟ هل سيفقدون الأمل أو بقايا أي أمل في العودة إلى الوطن الأم والعيش في سلام وأمان وحرية؟
هل سيدفع الظلم الواقع على أهل سوريا هذه الأيام السوريين الصامدين في الجولان المحتلة إلى أن يختاروا الكنف الصهيوني هربًا بجلودهم من عنف النظام السوري؟ فكثير من أهل بلاد فارس مثلاً يتندرون على أيام «الشاه» رغم مساوئه وظلمه.. وكثير من أهل العراق يتباكون على أيام «صدام».. وأغلب أهل ليبيا يتحسرون على دكتاتورية «القذافي».. وكذلك الأمر في أفغانستان بعد «نجيب الله».. ولكم في بقية ضحايا الأنظمة السابقة في الكثير من دول العالم ممن انقلبوا على حكامهم ثم ذاقوا الأمرّين ممن ظنوهم مخلصيهم، أمثلة صريحة على فداحة الأثمان في طلب الحرية.. وليس العيب في المطالبة بالحريات, لكن العيب يكون دائمًا فيمن نسلم لهم رقابنا دون أدنى بُعد نظر!
لذا لن أستغرب كثيرًا إذا تحركت جموع من النازحين من هضبة الجولان منذ 1967 للمطالبة بالعودة إليها هربًا من المجاعة والقصف والتعذيب في معاقل «الأسد» وأعوانه من المرتزقة الإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والأفغان, وطبعًا من المرتزقة من أتباع «حزب الله».. هربًا من القصف الروسي الوحشي على مدنهم وقراهم ليل نهار! ولا أظن أن نظام «بشار الأسد» سيمانع في هروب المواطنين السوريين من ديارهم نحو أحضان الكيان الصهيوني, فللنظام مآرب في تهجير غير العلويين وغير الشيعة من الأراضي السورية بكل الوسائل المتاحة.. فها هي تشعل النيران في محال المناطق السنية لإجبار أهلها على النزوح بدعم وتنفيذ الخطط الإيرانية ومطامعها في تحويل سوريا إلى ولاية شيعية خالصة تتبع النظام الإيراني والولي الفقيه.. والغريب أن الكل يعلم أن النظام السوري لا يتبع المذهب العلوي بل الفكر البعثي الاشتراكي (المنحرف كليًّا عن كل دين).
يقول المفكر والكاتب الفلسطيني «غازي التوبة» في ذلك: «لم يكن حزب البعث طوال الخمسين سنة الماضية «لا دينيًا» فقط، بل مارس العنف نحو الدين والمتدينين، وحاول اقتلاع الدين من حياة الشعب، واعتبره منبعًا للخرافة والأوهام والسلبية، واعتبره مطيّة للرجعيين والأغنياء، لذلك سخّف كل مقولاته، واعتبر أن الانتقال إلى النهضة والدخول إلى عصر الحداثة يتطلبان محو الدين من حياة الشعب» (الجزيرة.نت 2011).
كذلك كان العنف هو السمة التي ربطت قيادة البعث بجماهير الشعب السوري، فباستمرار كان هناك بطش بفئة من الفئات. ففي عام 1963 تم البطش بالناصريين، ثم جاء البطش بالإسلاميين عام 1964، وفي 1965 مورس العنف الوحشي من خلال قصف واحتلال المساجد في حماة وحمص ودمشق.. ثم جاء إقصاء الدروز والبطش بهم عام 1966، ثم جاء إقصاء الاسماعيلية والبطش بهم عام 1969، ثم جاء تدمير حماة عام 1982، وها هو الآن يعود إلى العنف والقصف والبطش بمختلف المدن وتجاه مختلف جماهير وطوائف سوريا, في درعا وحمص ودمشق وضواحيها وأريافها, واللاذقية وبانياس ودير الزور وإدلب.. بل وها هي مدينة حلب التي صمدت واهلها عبر القرون الماضية ضد كل الغزاة والمحتلين من الروم والفرنجة يقاسون الويلات من نظام «بشار» والإيرانيين وأتباعهم, ومن قصف الطائرات الروسية بلا هوادة.. وهكذا نعود إلى الحكم بأنه (من سخرية الظروف) ربما يكون أهلنا الصامدون في الجولان هم الأوفر حظًّا وأمنًا في كنف الكيان الصهيوني الغاشم!
أو كما يقول المثل: «شر البلية ما يضحك»!!

j أكاديمي بحريني متقاعد
mazeej@gmail.com





كلمات دالة

aak_news