العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تحولات حزب النهضة التونسي بين الحقيقة والوهم

بقلم: د. نبيل العسومي

الخميس ١٦ يونيو ٢٠١٦ - 03:30



أعترف بأن السيد راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي لا يزال قادرًا على إثارة الدهشة من حوله بتحولات مواقفه السياسية وانقلاباتها التي لا تعرف لها أولاً من آخر، وبفتاويه المدهشة التي تجعل بعض مواقفه أو اجتهاداته أكثر جرأة من الليبراليين العرب فيما يتعلق بالمسائل الأكثر حساسية في مجال الاجتهاد الديني والسياسي. هذا الرجل الذي مافتئ يثير الغبار من حوله والذي كان جزءًا من التجربة الديمقراطية التونسية الجديدة، يتحدث اليوم عن (الحكم الرشيد) وعن (الشفافية والديمقراطية). هذا الرجل الذي تزعم ومازال قسمًا مهمًّا من التيارات الإسلامية المتهمة بالتطرف وحتى ممارسة الإرهاب، هو نفسه الذي يتحدث عن المجتمع المدني وعن المشاركة السياسية وعن التحول السلمي للسلطة وعن التداول على الحكم، والأهم انه بات يتحدث عن الفصل بين الدين والدولة، بين السياسة والدعوة.. إلا انه في نفس الوقت أبقى الغنوشي تصوراته لمسألة فصل العمل السياسي عن الدعوي داخل حركته، مبهمة وغامضة، وسط جدل متصاعد، تحول إلى عنوان بارز، حتى أصبح يُرهق مختلف الأوساط السياسية التي تباينت مواقفها حول التوجهات الجديدة التي قد تطرأ على هوية حركة النهضة ومرجعيتها الفكرية. ولكن السيد الغنوشي تعمد التكتم على تصوراته عن معنى هذا الموضوع حتى خلال مؤتمر حزبه الأخير ظل معنى الالتباس هو القائم، لأنه يتكلم مرة عن فصل الدين عن الدولة ومرة أخرى عن فصل السياسة عن الدعوة وشتان بين الموقفين والفكرتين.
المهم ان هذا الإعلان في تقديري لا يزيد عن كونه مناورة جديدة من مناورات الإسلام السياسي المعروفة والتي لا تخرج في السياق العام عن المناورات والتكتيكات السياسية للغنوشي التي ارتفع نسقها وسط تناقضات لافتة، هدفها إبقاء الباب مفتوحا ليتراجع عنها في أي لحظة أو يعطيها معنى غير الذي تذهب إليه الأذهان.
ويتجلى هذا التناقض من خلال ما أكّده الغنوشي في تصريحات قال فيها «بالنسبة لنا، حركة النهضة حزب سياسي وطني يسعى إلى إنتاج البرامج والحلول تلبية لحاجات مجتمعه مستلهما ذلك من الإسلام المكون الرئيسي لهوية شعوبنا ومن الحكمة الإنسانية». وقبل ذلك قال الغنوشي في تصريح آخر: إن «النهضة ستبقى حزبا مدنيا ديمقراطيا، ذا مرجعية إسلامية، دون أن يعني ذلك احتكار هذه المرجعية، أو النطق باسمها».
وباختصار فإن راشد الغنوشي «أصبح خلال هذه الفترة يقول الشيء ونقيضه في نفس الوقت، فالتناقض في تصريحاته، نوع من التكتيك أملته تخوفات من القاعدة الحزبية لحركته، لذلك فهو يُقدم خطابا محافظا لإرضاء أعضاء وأنصار حركته، وفي نفس الوقت يتوجه بخطاب ليبرالي في مسعى إلى تحسين صورته في الخارج، وإرضاء التيارات السياسية الأخرى المدنية والحداثية، على أن هذه المعادلة التي يتعامل بها الغنوشي ستُبقيه على رأس هذه الحركة مهما كانت تصريحاته، وبالتالي فإن كل الدلائل تؤكد على أنه من الوهم الكبير الاعتقاد أن حركة النهضة بمرجعيتها الإخوانية الراسخة ستتخلى عن هويتها الدينية والمذهبية. ولذلك فإن الضجة المثارة على صعيد شعارات الغنوشي لا تعدو في الحقيقة ان تكون مناورة إعادة تسويق الإسلام السياسي بعد فشله في مصر وفي سوريا وليبيا وكأن هنالك ولادة جديدة».
سيبقى حزب النهضة في رأينا حزبًا يستمد مرجعيته من الدين ومن العقيدة الاخوانية وإن اعتبر أن الإسلام والديمقراطية متوافقان، إلا انه من المؤكد انه لا يمكن أن ينتقل حزب النهضة من حزب إسلامي إلى حزب علماني وسيتفرغ للعمل السياسي، فهذا تحول غير ممكن من جميع النواحي السياسية والاجتماعية والعقدية.





كلمات دالة

aak_news