العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الحزب الجمهوري أنتج دونالد ترامب

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٤ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



أثارت المواقف الاستفزازية والمثيرة للجدل التي صدرت عن دونالد ترامب حفيظة المؤسسة الجمهورية التي وجدت نفسها تضرب أخماسها في أسداسها. تنوعت ردود الأفعال ما بين قلة شجاعة نددت بتعصب مرشحهم الجمهوري وأولئك الذين يمنون النفس ويأملون أن يتصرف كشخص جدير بأن يكون مرشحا للانتخابات الرئاسية.
في خضم هذين الموقفين أمران آخران لم يتم التركيز عليهما بالقدر الكافي. الأمر الأول هو أن دونالد ترامب سيظل دائما دونالد ترامب ولن يتغير أبدا، أما الأمر الثاني فهو يتعلق بالرسالة التي يتبناها دونالد ترامب وهي رسالة من نسج المؤسسة الجمهورية التي ترفض اليوم ما طرزته وحاكته يداها.
يتبنى دونالد ترامب خطابا ينم عن كراهية للأجانب وشوفينية ذكورية وتعصب تجلت مظاهره في حملته الانتخابية. إن ذلك الخطاب يعكس طبيعة الشخص كما أن القاعدة الانتخابية التي تدعم ترشحه هي نفسها التي تريده أن يكون كذلك فيقول ما تريد ويفعل ما تحبذ.
لقد تجلت هذه الحقيقة البسيطة في مختلف مراحل الحملة الانتخابية التي خاضها حتى الآن غير أن المؤسسة الجمهورية ظلت تحجب عينيها عن رؤية الحقيقة، عاجزة عن مواجهة الواقع بكل تشوهاته.
في كل مرة يأتي فيها دونالد ترامب بتصرف غير لائق أرعن يبدأ الجمهوريون في القول إنه قد أصاب نفسه في مقتل وأنه لن تقوم له قائمة بعد ذلك. في كل مرة يسقط في أيدي الجمهوريين ويخيب ظنهم عندما يكتشفون أن استهدافه للمكسيكيين والنساء والمسلمين والمعوقين والصحفيين والاعلاميين وتحريضه على استخدام العنف ضد المتظاهرين قد زاد من عدد أنصاره.
يجب على قادة الحزب الجمهوري ألا يتفاجؤوا اليوم. فهم الذين وفروا لدونالد ترامب الأرضية الخصبة التي حققت له البروز والصعود. فقد ظل الحزب الجمهوري على مدى عقود كاملة يزرع الخوف في قلوب الناخبين البيض الذين يعانون من ظروف اقتصادية صعبة. فمنذ عهد ريتشارد نيكسون ظل الجمهوريون يستخدمون خطابا مبطنا تارة وعلنيا آخر، وهو خطاب ينطوي على رسائل عنصرية، فقط من أجل حشد التأييد في السباقات الانتخابية. إنهم «يمثلون خطرا يتهددك في حياتك» – «إنهم المحظوظون الذي يأخذون منك، ويسلبونك».
انتخب الرئيس باراك أوباما سنة 2008 في خضم أقسى أزمة اقتصادية تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية منذ الأزمة الكبرى سنة 1929, عندها تكالبت الأطراف الجمهورية على إدارة الرئيس باراك أوباما، فظهر حزب الشاي وتكاثرت الحركات اليمينية الأخرى وراحت تستهدف «المكسيكيين» و«المهاجرين غير الشرعيين» و«المخدرات» والمسلمين الذي تعتبرهم «إرهابيين» وتزعم أنهم «يمثلون خطرا داهما يهدد وجود الولايات المتحدة الأمريكية وطريقة عيش الأمريكيين».
في كل مرة نجد الحزب الجمهوري وهو يطعم الوحش بيده. فالجمهوريون هم الذي مولوا حزب الشاي وهم الذين ساهموا في تنظيمه واستخدموه بعد ذلك كي ينتصروا في السباقات الانتخابية. إن الجمهوريين هم أيضا الذين استخدموا الحركات اليمينية من أجل نزع الشرعية عن الرئيس أوباما والتنغيص عليه في كل مناسبة.
إن هذه الحركات اليمينية هي التي استهدفت بعد ذلك المهاجرين غير الشرعيين كما استغلت مناخ الخوف من المسلمين فأطلقت حملات استعراضية ضد الشريعة الإسلامية والإعلانات الدعائية في انتخابات الكونجرس وهي أيضا التي تتهم الديمقراطيين باعتماد سياسة «مهادنة المسلمين».
لقد ساهمت كل هذه العوامل في خلق البيئة الخصبة التي يستفيد منها اليوم دونالد ترامب، ذلك المهرج الذي تحين اللحظة وفهم البيئة وأدرك الوضع وعرف كيف يدير ويوجه حملته الانتخابية ويحدد أهدافه. يعتبر دونالد ترامب استكمالا لقائمة طويلة من الديماغوجيين الذين يتغذون من الكراهية ويعزفون على وتر الخوف، وهو ينسج على منوال من سبقوه من الديماغوجيين من أمثال سارة بالين ونيوت جنجريتش وميشيل باكمان وغيرهم كثير.
يعلق الجمهوريون اليوم آمالا زائفة وغير حقيقية عسى أن يتحول إلى مرشح رئاسي محترم. لو لم يكن دونالد ترامب اليوم مرشحا عن الحزب الجمهوري لتحمس الكثير من الجمهوريين لترشيحه للسباق الانتخابي الرئاسي. باعتباره يحمل اليوم لواء الحزب الجمهوري فهو يحرج المؤسسة الحزبية الجمهورية.
شن دونالد ترامب هجوما عنصريا ضد القاضي المكلف بالقضية المرفوعة ضد ما يسمى «جامعة ترامب» وهو ما أثار انزعاج قادة الحزب الجمهوري وأوقعهم في حرج كبير. سعيا من هؤلاء القادة للنأي بأنفسهم عن تصرفات وممارسات دونالد ترامب فقد تراوحت مواقفهم ما بين التعبير عن خيبة الأمل والاشمئزاز.
في الأسبوع الماضي أفرط دونالد ترامب في تعصبه حيث إنه لم يكتف بالقول إن قاضيا من أصول مكسيكية لا يمكن أن يكون عادلا معه – لأن ترامب يخطط لتشييد جدار بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك – بل إنه أضاف أنه لا يثق أبدا في نزاهة اي قاض أمريكي مسلم – لأن دونالد ترامب دعا أيضا إلى منع المهاجرين المسلمين من دخول الأراضي الأمريكية.
لا أملك أي أرقام إحصائية بعدد الناخبين الأمريكيين من أصل مكسيكي غير أنني أجريت استطلاعا قبل بضعة أشهر من الآن وقد تجلى لي من خلاله الواقع المحزن الذي يختفي وراء حسابات دونالد ترامب. طرح على الناخبين الأمريكيين السؤال التالي: «لو تولى أمريكي مسلم منصبا رفيعا في الادارة الأمريكية هل تعتقد أنه سيكون قادرا على أداء هذه المهمة بكفاءة واقتدار أم هل تؤثر ديانته في قدرته على صنع القرارات؟».
اعتبرت نسبة متنوعة بلغت 46% من الناخبين أن المسلمين سيتأثرون لا محالة بديانتهم في أدائهم لمهامهم، وقد كانت النتائج التي أسفر عنها استطلاع للرأي ذات دلالة كبيرة. فقد اعتبر 47% من الناخبين الديمقراطيين على تنوع مشاربهم أن المسلم الأمريكي يستطيع أن يقوم بالمهمة على الوجه الأكمل فيما رأى 63 % من الناخبين الجمهوريين عكس ذلك – وقد بلغت نسبتهم 75% بين أنصار دونالد ترامب.
خلاصة الأمر، أن دونالد ترامب لم يخلق هذه العقلية أو الذهنية أو المزاج الذي تتسم به قاعدته الانتخابية. لقد وجد دونالد ترامب كل شيء جاهزا ومهيأ وهو يلعب بالأوراق ويتلاعب بعقول القطيع. يتعين على قادة الحزب الجمهوري أن يعترفوا بمسؤوليتهم بعد أن ظلوا يشجعون هذه الظاهرة على مدى أعوام.
لم يعترف قادة الحزب الجمهوري بأخطائهم ومسؤوليتهم. فقد ظلوا يعزفون على وتر الخوف من المكسيكيين والمسلمين والسود والنساء القويات إلخ... ها هي تلك البذرة التي زرعت على مدى الأعوام الماضية قد أفرزت ثمرة الشر.
لطالما كتبت وحذرت وقلت إن الوحش سينقلب على سيده وها هو ما حذرت منه يتحقق اليوم. لم يعد البكاء والتعبير عن خيبة الأمل يجديان نفعا اليوم. يتعين على الجمهوريين ان ينبذوا التعصب ويصغوا إلى تلك الأصوات الشجاعة التي تطالبهم بالتخلي عن دونالد ترامب حتى يتسنى لهم ترميم الضرر الذي ألحقوه بحزبهم وببلادهم.

j رئيس المعهد العربي الأمريكي





كلمات دالة

aak_news