العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

حركة النهضة التونسية تخلع عباءة الإسلام السياسي

بقلم: د. جاسم بونوفل

الثلاثاء ١٤ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



أود أن أبدأ مقالتي بما قاله مؤسس وزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي لصحيفة لوموند الفرنسية عشية افتتاح مؤتمرها العاشر «إن الإسلام السياسي فقد مبرره» في تونس بعد ثورة عام 1102 وإعلان الدستور عام 4102وأكّد الغنوشي أن «النهضة حزب سياسي، ديمقراطي ومدني له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية». ونحن نلاحظ كيف أن هذا الكلام يتطابق تماما مع ما قامت به الحركة أثناء مشاركتها في الحكم، حيث قبلت بقواعد اللعبة الديمقراطية وتقاسمت السلطة مع أحزاب علمانية وهذا يعني أنها عازمة بالفعل على خلع «عباءة الإسلام السياسي»، وقد ظهرت إرهاصات هذا التوجه قبل عقد مؤتمرها العاشر، حيث تداولت الأوساط الإعلامية التونسية أن الحركة في طريقها إلى مراجعة توجهاتها الفكرية والسياسية، وأن هذه المراجعة قد تقودها في النهاية إلى التحول إلى حزب سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية وهذا هو ما تم بالفعل وما كان متوقعًا حيث تم الإعلان عنه عشية انهاء المؤتمر لأعماله الذي أقر فيه الفصل بين النشاط الدعوي والنشاط السياسي.
أعتقد أن ما قامت به الحركة من تغيير، يعد تصرفا براجماتيا، ودليلا على ديناميكيتها ومرونتها وأنها تريد ممارسة العمل السياسي وفقا لشروط اللعبة الديمقراطية وبما ينسجم مع المصلحة الوطنية، وهذا ما عبر عنه رئيسها وزعيمها التاريخي راشد الغنوشي الذي يرجع له الفضل في إجراء هذا التغيير والتحول الذي أرى أنه هو السبب في تجديد الثقة براشد الغنوشي، وإعادة انتخابه رئيسًا للحركة حيث حصل على 57 % من الأصوات، أي 008 صوت متقدما على منافسيه بفارق كبير حيث حل فتحي العيادي بـ992 صوتًا وحل ثالثًا وأخيرًا محمد العكروت بـ 92 صوتًا. كانت ردود الفعل المعبرة عن التأييد للتوجهات الجديدة لزعيم النهضة مباشرة فما أن عرضت نتيجة التصويت على شاشة العرض الكبيرة حتى ضجت القاعة بعاصفة من التصفيق وهو ما يعني أن شعبية «الغنوشي» لا تزال مرتفعة على الرغم من الاخفاقات التي منيت بها الحركة التي يتزعمها اثناء تسلمها السلطة في أول انتخابات ديمقراطية بعد الإطاحة بزين العابدين عام 1102.
لقد كان لهذه التوجهات الجديدة للحركة نتائج وآثار على مواقف الفاعلين في الحراك السياسي التونسي العام، نلحظ ذلك بوضوح في التبدل في موقف رئيس حزب نداء تونس الرئيس الحالي للجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي من حركة النهضة وزعيمها وما حضوره لمؤتمر الحركة إلا دليل قاطع على هذا التبدل وهذا التغير هو الذي دفع عددا من المراقبين السياسيين والمتابعين للشأن التونسي إلى القول إن هذا الحضور أعاد إلى الأذهان الخلاف الكبير بين زعيم حركة النهضة ورئيس حزب نداء تونس ورأى فيه البعض دليلًا قويًا على أنهما يسيران على طريق إذابة الجليد بينهما.
صحيح أن هناك أصوات داخل حزب نداء تونس تسير في عكس هذا الاتجاه ولديها تحفظات إزاء حركة النهضة وهو ما يعني أن ليس كل أعضاء حزب نداء تونس يقفون في خندق واحد مع رئيسهم في تقاربه مع زعيم حركة النهضة فهؤلاء ومعهم الكثير من القوى السياسية الأخرى في الشارع التونسي عبروا عن عدم ثقتهم في التوجه الجديد لحركة النهضة كما أنهم يشككون في ترجمتها على أرض الواقع، لعل من أبرز الأصوات المعارضة للتقارب هي بشرى بلحاج حميدة عضو البرلمان التونسي عن حزب نداء تونس التي استقالت من الحزب بسبب نقص «الوضوح» في العلاقة مع النهضة بحسب رأيها وقالت إنها «تنتظر اثباتات على هذا التغيير المعلن، وأضافت أن مستوى التصريحات هذا مطمئن لكنه غير كاف ويجب أن يثبت الحزب ذلك في خطابه السياسي اليومي وفي علاقته مع الجمعيات». أعتقد أن «بلحاج» ليست الوحيدة في الشارع السياسي التونسي التي تساورها الشكوك في صدقية تحول حركة النهضة نحو «الحزب المدني» فيشترك معها الكثير في هذا الاتجاه. في المقابل نجد أيضًا أن هناك أعضاء في حركة النهضة غير مطمئنين لهذا التقارب وهم لا يزالون يحملون في ذاكرتهم الحملة الشعواء التي شنها حزب الرئيس «نداء تونس» في الماضي على حركة النهضة ووصفها «بالظلامية، وبتعاطفها مع الإسلام الجهادي عندما كانت في السلطة لمدة سنتين».
في ظني أن حضور الرئيس «السبسي» في المؤتمر له أكثر من دلالة، لكن أبرز تلك الدلالات هي أنه يريد أن يبعث برسالتين: الأولى لحزبه الذي يعاني من الانقسام يقول فيها إنه يريد طي صفحة الماضي والبدء بفتح صفحة جديدة مع حركة النهضة وكتابة فصل جديد في تاريخ تونس لمرحلة ما بعد (زين العابدين بن علي) كما أنه قام بهذه الخطوة بناء على قاعدة تغلب فيها المصلحة العامة وتسمو فوق أي مصلحة وهو عين الصواب في اعتقادي؛ لأن تونس اليوم بحاجة إلى وضع الخلاف جانبًا والتفرغ إلى مواجهة التحديات التي على رأسها ملفا الإرهاب والاقتصاد. أما رسالته الثانية، فيوجهها إلى الشعب التونسي بحكم كونه رأس الهرم السياسي في البلاد ليعبر فيها عن قبول الدولة التونسية ممثلة في رئيسها بحركة النهضة كحزب سياسي مدني، وأنه شخصيًّا يبارك لهذه الحركة هذا التحول المتمثل في فصل النشاط الدعوي عن النشاط السياسي ويعطي انطباعًا بأن «حركة النهضة» تسير في الاتجاه الصحيح بتحولها إلى حزب سياسي مدني من حقه المشاركة في العملية السياسية أسوة بغيره من الأحزاب السياسية في رأيي أنه بهذه الخطوة أغلق باب الفتنة السياسية وفتح المجال لكل التونسيين للمشاركة في بناء تونس الجديدة ومن دون إقصاء لتيار سياسي معين وهذه الديمقراطية التي تقوم في الأصل على التعددية.
في اعتقادي، إن خلع حركة النهضة عباءة «الإسلام السياسي» تعد خطوة جريئة وذكية من الغنوشي وهو في ذلك ربما استفاد من تجربة أردوغان الذي خرج عن تعاليم معلمه نجم الدين اربكان زعيم حزب الفضيلة التركي الذي لم يحكم تركيا إلا لفترة قصيرة جدًا بسبب معاداته الصريحة للأحزاب السياسية العلمانية التي حكمت تركيا وأسس حزب العدالة والتنمية وفق رؤية جديدة مختلفة عن مقاربة اربكان للحكم تقوم أساسًا على المحافظة على الإرث العلماني وهي التي مكنته من أن يحكم تركيا أكثر من عقد من الزمان وهو لا يزال في الحكم رغم محاولات خصومه المتكررة لإسقاطه.





كلمات دالة

aak_news