العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

القاعدة الذهبية: قل هاتوا برهانكم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



الإسلام لا يقبل الدعوة إلا بالدليل، ولا يردها إلا بالبرهان، ولقد ادعى أقوام تميزهم عن باقي الناس، فطالبهم الحق تبارك وتعالى بالبرهان قائلاً لهم: «قل هاتوا برهانكم!!».
وزعم أهل الكتاب أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، فسألهم القرآن العظيم الدليل على صدق دعواهم، قال سبحانه وتعالى: «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين» البقرة/111.
لا يكفي الإنسان أن يتمنى ما يحب من دون أن يسعى إلى بذل ما يستطيع من جهد، وأن يتخذ جميع الأسباب إلى ذلك، أما مجرد التمني، فالأماني كالسراب يحسبها الظمآن ماءً، فإذا جاءها لم يجدها شيئًا.
والذين اتخذوا من دون الله تعالى آلهة لا يملكون على ذلك ولو دليلاً واحدًا، بل كل الأدلة تسفه أحلامهم، وتكذب دعاواهم، ولم يسألوا أنفسهم: كيف يصنعون آلهتهم من الحجر ثم يقعون لها ساجدين، أليس في هذا حط من أقدارهم، واستهانة بعقولهم؟! ورغم ذلك فالقرآن لا يرد دعواهم من دون دليل، بل يسألهم الدليل على ذلك قائلاً لهم: «أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون» (الأنبياء/24)، ثم تحداهم الحق تبارك وتعالى أن يأتوا بإجابات شافية عن أسئلة مصيرية طرحها عليهم في تحدٍ واضح، فقال جل جلاله: «أمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين» النمل/64.
ولم تتوقف الأسئلة التي يطرحها القرآن الكريم على الناس وعلى جيل من الأجيال، أو قبيل من الناس، أو زمن من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة، فقد ظلت هذه الأسئلة تتداعى على الناس من العليم الخبير الحكيم سبحانه وتعالى يسألهم الإجابة عنها، ويتحداهم في أن يأتوا بالبرهان على صدق دعاواهم.
عندما بُعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمة العرب، وهم من عبدة الأصنام يخرون لها ساجدين، بل لقد بلغوا في تفاهة عقولهم أن الواحد منهم يحمل صنمه معه أينما حل أو ارتحل، وبدل أن يكون إلهه راعيًا له، وحارسًا لعبيده صاروا هم الحراس والرعاة له، بل كانوا يصنعون آلهتهم من التمر، فإذا جاعوا أكلوها هنيئًا مريئًا، فإله مقدور عليه كيف يستحق هذا التقدير والتكريم؟!!.
وحين بزغ فجر الإسلام كان حول البيت الحرام ما يربو على ستين وثلاثمائة صنم ولكل قبيلة من قبائل العرب صنم تتقرب إليه في المواسم، وتواليه، وبحكم أن هذه الأصنام كلها حول البيت الحرام، فإنّ القبائل كانت تصانع قريشًا، وتحرس لها قوافلها التجارية حتى تمكنها من زيارة آلهتها حين يأتي الموسم، ولهذا كانت قريش شديدة الحرص على بقاء عقيدة الشرك لأنها تمثل لها مصلحة اقتصادية يقاتلون دونها، ويضحون بالأهل والولد إذا حاول أحد أن يعتدي عليها أو يغيرها، ولما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنما جاء بالتوحيد الخالص، ودعا قومه إلى عبادة إله واحد لا شريك له قالت قريش: «أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب» ص/5.
ولهذا كانت حروبهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شرسة لأنها في نظرهم، وفي قناعاتهم حروب مصيرية البقاء فيها لمن ينتصر ويجرع خصمه غصص الهزيمة، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يحاول قدر استطاعته تجنب ويلات الحرب مع خصومه، فاصطنع قاعدة ذهبية في حواره وربما جداله معهم قبل أن يمتشق السلاح للدفاع عن نفسه وعن المؤمنين، وهذه القاعدة هي: «قل هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين»، وفي هذا منتهى العدل والإنصاف، وكما كان الإسلام يطالب خصومه بالبرهان على صدق ما يدعون كان يسوق بين أيديهم براهينه وحججه ليثبت لهم صدق دعواه، ولا ينتظر منهم أن يسألوه الحجة والبرهان، ومعلوم أنه حين يطلب الخصم من خصمه ويلح في المطالبة أن يأتيه بالبرهان على صدق ما يدعيه أو ينفيه، فهذا يعني أنه واثق ومتيقن من صدق دعواه، وقوة براهينه وحججه.
وحين يدعو الإسلام الناس إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له يقدم بين يدي دعواه أدلة منطقية لا يستطيع خصومه ردها أو تفنيدها، بل يقف العقل لها تقديرًا واحترامًا، يقول تعالى: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون» الأنبياء/22.
والآية الجليلة تتحدث عن السماوات والأرض وما فيهما من تناسق وانتظام، وأنه لو كان فيهما آلهة متعددة لحدث صراع ونزاع بين الآلهة المتعددة، كما بين الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن العظيم في قوله تعالى: «قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا» الإسراء/42.
وقوله تعالى وهو يرد على من زعم أن لله ولدا (تعالى عن ذلك علوا كبيرا): «ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون» المؤمنون/91.
ومادام الصراع ممتنعا، وما دام لم يدع إله آخر فإنه هو الخالق، وهو الرازق، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، فإنّ القضية سلمت لمدعيها الأول، وهو الله تعالى، لأنه سبحانه هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء.
 إذن، فأيها المدعون.. أيها المنكرون لله تعالى.. أيها المشككون في وحدانيته.. هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين!!
ولأنكم غير صادقين فيما تدعون أو فيما تنكرون فحتى هذه اللحظة لم تقدموا البرهان، ولن تستطيعوا أن تقدّموه إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news